١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


صوم الصبي

إذا بلغ الصبيّ وجب عليه الصوم، وإذا طاق الصوم وجب عليه الصوم.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


شرح الحديث

قال البخاري: "وقال عمر لنشوان في رمضان: "ويلك! وصبياننا صيام"، وضربه".
قوله: "الرُّبَيِّع": تشديد "الياء" مصغّرًا، و"مُعَوِّذ" بكسر "الواو" المشدّدة، ومُعَوِّذ بن عون، ويعرف بابن عفراء.
قوله: "اللُّعْبَة" بضم "اللام" المشدّدة، بعدها "عين" مهملة ساكنة، ثم "باء" موحدة، ثم "تاء" التأنيث، وهي: الشيء الذي يلعب به الصبيان.
وقوله: "مِن العِهن" أي: الصوف. قيل: هو: المصبوغ منه خاصة.
قوله: "أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار"، وقع في مسلم: "أعطيناه إيّاه عند الإفطار"، وهو مشكل. ورواية البخاري توضِّح: أنّه سقط منه شيء. وقد رواه مسلم أيضًا من وجه آخَر فقال فيه: "فإذا سألونا الطّعام أعطيناهم اللّعبة، تُلهيهم حتى يتمُّوا صومَهم".
قوله: "لنَشوان": هو بفتح "النون"، وسكون "المعجمة"، كـ"سَكران" وزنًا ومعنًى، وجمعها: نَشَاوَى كـ"سكارى". قال ابن خالويه: "سَكَرَ الرجل فانتشى وثمل بمعنًى، يعني: كان هناك رجل سكران فضُرب وقيل له: "يصوم الصبيان وأنت نشوان؟" أي: سكران. وقال صاحب "المحكم": "نشى الرجل وانتشى وتنشَّى: كله بمعنى: سكَر". وقال ابن التين: "النشوان": السكران سكرًا خفيفًا".


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور والبغوي في "الجعديَّات" بلفظ: "إنَّ عمر بن الخطاب أُتِيَ برجل شرب الخمر في رمضان. فلما دنا منه، جعل يقول للمنخرين والفم". يقول أي: يفعل: يضرب. وفي رواية البغوي:"فلما رُفع إليه: عثر، فقال: "على وجهك، ويحك! وصبياننا صيام!". ثم أمر به فضُرب ثمانين سوطًا. ثم سيّره إلى الشام"، أي: نفاه.
والحديث استدلّ به على: أن عاشوراء كان فرضًا قبل أن يُفرض رمضان، وعلى: أنه يُستحب أمر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه. وقد قال باستحباب ذلك جماعة من السلف، منهم: ابن سيرين، والزهري، والشافعي، وغيرهم...
اختلف في السن التي يؤمر عندها الصبي بالصيام:
فقال بعض العلماء: عند سبع سنين يؤمَر بالصوم. وقال بعض آخَر ومعهم الإمام أحمد بن حنبل: إنها عشر سنين. وقال بعض آخَر: إنها اثنتا عشرة سنة عندها يؤمَر الصبي بالصوم؛ وهو قول إسحاق. وقال الأوزاعي: إذا أطاق ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهنّ حُمل على الصوم، أي: أُمر به وشُدِّد عليه فيه.
والمشهور عند المالكية: أن الصوم لا يُشرع في حقّ الصبيان. والحديث يردّ عليهم. فهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، وفيه: أمر الصبيان -كما علمنا من الرواية-. فهذا الحديث يدلّ على المالكية الذين يقولون: "إنّ الصوم ليس بمشروع في حق الصبيان"؛ لأنه يبعد كلّ البعد ألّا يطلع النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر



شرح الحديث

وقد توقّف ابن خزيمة في صحّة هذا الخبر. قال الحافظ: "وإسناده لا بأس به، وهو يردّ على القرطبي قوله: "لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلم بذلك".
والقرطبي معروف أنه مالكي. فالقرطبي يحاول أن يؤيّد رأي المالكية في قولهم: أن الصبي لا يُشرع الصوم في حقه.
فقول القرطبي: "لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلم بذلك": ردَّ عليه الحديث السابق. ويبعد أن يكون أمر بذلك لأنه تعذيب صغيرٍ بعبادة شاقّة غير متكرّرة في السنة. مع أن الصحيح عند أهل الأصول والحديث: أن الصحابي إذا قال: "فعلنا كذا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" كان حُكمه الرفع؛ لأن الظاهر: اطّلاعه عليه مع توفّر دواعيهم إلى سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا ممّا لا مجال للاجتهاد فيه؛ لأنه إيلام لغير مكلّف فلا يكون إلا بدليل.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


ومذهب الجمهور: أنه لا يجب الصوم على مَن دون البلوغ. وذكر الهادي في "الأحكام": أنه يجب على الصبي الصوم بالإطاقة بصيام ثلاثة أيام. واحتج على ذلك: بما رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا أطاق الغلامُ صيامَ ثلاثة أيام، وجب عليه صيام الشهر كلِّه)). وهذا الحديث ذكره السيوطي في "الجامع الصغير" وقال: "أخرجه المرهبي عن ابن عباس، ولفظه: ((تجب الصلاة على الغلام إذا عقل، والصوم إذا أطاق، والحدود والشهادة إذا احتلم)). وقد حمل المرتضي كلام الهادي على: لزوم التأديب، وحمله السادة الهارونيون بذلك تعويدًا وتمرينًا.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر




١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


شرح الحديث

الحديث يدل على: وجوب الصيام على من أسلم في رمضان، وليس في ذلك خلاف.
وفيه دليل على: أنه يجب الإمساك على من أسلم في نهار رمضان، ويلحق به من تكلّفه. يعني مثلًا: من بَلَغَ في النهار عليه أن يمسك إلى آخر النهار، ومن كان مجنونًا فأفاق في وسط النهار يمسك إلى آخر النهار؛ كل صاحب عذرٍ زال عُذره في النهار، عليه أن يُمسك إلى آخر النهار ما دام المانع من الصوم قد زال. ويجب عليه القضاء لذلك اليوم، وإن لم يكن مخاطَبًا بالصوم في أوله، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((فأتموا يومكم واقضوا)). قال في "الفتح": "وعلى تقدير ألا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيّن القضاء؛ لأن مَن لم يدرك اليوم بكماله، لا يلزمه القضاء، كمن بلغ أو أسلم في أثناء النهار.
قال بعضهم: هذا الحديث: حجّة في: أن صوم عاشوراء كان واجبًا، وأن الكافر إذا أسلم، أو بلغ الصبيّ، في أثناء يومه لزمه إمساكه وقضاؤه. ولا حجّة فيه على: سقوط تبييت النية؛ لأن صومه إنّما لزمه في أثناء اليوم. وسبق الكلام في وجوب النية أو وجوب تبييت النية من الليل.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


تأخير السّحور وتعجيل الفطر

وهناك أشياء تتعلّق بالصوم، منها: تعجيل الفطر. يعني: الصائم لا يؤخِّر الإفطار بعد وقته، وإنما يسرع في تناول إفطاره:



١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


شرح الحديث

وهذا الحديث يدل على: استحباب تعجيل الإفطار إذا تحقّق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار من يجوز العمل بقوله.
والعلّة في تعجيل الإفطار هي: مخالفة اليهود والنصارى. قال المهلب: "والحكمة في ذلك: أنه لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة". قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "تعجيل الإفطار مستحب، ولا يُكره تأخيره إلا لِمَن تعمَّده ورأى الفضل فيه".
متى يكون التأخير مكروهًا؟ عندما يتعمّد الصائم التأخير، ويظن: أن الفضل في تأخير الإفطار. أما لو لم يتعمد التأخير فلا شيء في ذلك.
يقول الإمام الصنعاني: "قلت: في إباحته -صلى الله عليه وسلم- المواصلة إلى السَّحَر كما جاء في حديث أبي سعيد: ما يدل على: أنه لا كراهة إذا كان ذلك سياسةً للنفس ودفعًا لشهوتها"؛ إلا أنَّ قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربّه: ((أحبُّ عبادي إليَّ: أعْجلُهم فطرًا)) لا يؤيِّد هذا الكلام.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر



شرح الحديث

هذا دالّ على: أنَّ تعجيل الإفطار أحبُّ إلى الله تعالى من تأخيره، وأن إباحة المواصلة إلى السَّحَر لا تكون أفضلَ من تعجيل الإفطار، أو يراد ((عبادي)): الذين يفطرون ولا يواصلون إلى السحر.
وأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه خارج عن عموم هذا الحديث، بتصريحه -صلى الله عليه وسلم- بأنه ليس مثلهم. فهو أحبّ الصائمين إلى الله تعالى. أي: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحبُّ الصائمين إلى الله تعالى وإن لم يكن أعجلَهم فطرًا؛ لأنه قد أذِن له في الوصال ولو أيامًا متّصلة.
وأيضًا: الصائم، من السّنّة: أن يتسّحر ليتقوّى على العبادة. وفي السَّحور السُّحور بركة -يصح لغةً السُّحور والسَّحور بضم "السين" وبفتحها-.


١٤.١ صوم الصبي، تأخير السّحور وتعجيل الفطر


عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تسحَّروا؛ فإن في السّحور بركة))، حديث متفق عليه. و((السَّحور)) بفتح "السين": اسم لما يُتسحر به، وروي بالضم على: أنه مصدر.
زاد الإمام أحمد في روايته من حديث أبي سعيد: ((فلا تدَعوه -أي: لا تدعوا السحور-، ولو أن يتجرّع أحدُكم جرعةً من ماء؛ فإن الله وملائكته يُصَلُّون على المتسحِّرين)). وظاهر الأمر في الحديث للوجوب، أي: يجب التسحر؛ ولكن صَرف الأمرَ عن الوجوب إلى الندب: ما ثبت من مواصلته -صلى الله عليه وسلم- ومواصلةِ أصحابه. ونقل ابن المنذر: الإجماع على: أن التسحّر مندوب، والبركة المشار إليها فيه اتِّباع السُّنة، ومخالفة أهل الكتاب، لحديث مسلم مرفوعا: ((فصْل ما بين صيامنا وصيام أهلِ الكتاب: أُكلة السَّحر))، والتقوِّي به على العبادة، أي: التقوِّي بالسحور على العبادة، وزيادة النشاط، والتسبّب للصدقة على من سأل أو على من يسأل في هذا الوقت، عندما يكون الإنسان قام ليتسحّر قد يصادف فقيرًا في هذا الوقت فيتصدَّق عليه.