
![]() |
الحديث اختلف الأئمة في رفعه ووقفه، وقال أبو محمد بن حزم: "الاختلاف فيه يزيد الخبر قوّةً؛ لأن من رواه مرفوعًا فقد رواه موقوفًا". وقد أخرجه الطبراني من طريق أخرى، وقال: "رجالها ثقات". |
![]() |
وهو يدل على: أنه لا يصحّ الصيام إلا بتبييت النّيّة، وهو: أن ينوي الصيام في أيّ جزء من الليل. وأول وقت النية: الغروب، وذلك لأن الصوم عمل، والأعمال بالنيات؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)). وأجزاء النهار غير منفصلة عن الليل بفاصل يُتحقق. فلا يُتحقق إلا إذا كانت النية واقعةً في جزء من الليل. |
![]() |
وتشترط النّيّة لكلّ يوم على انفراده؛ وهو مشهور من مذهب الإمام أحمد. وله قول آخر: أن النية تكفي من أوَّل الشهر مرةً واحدةً. وقوّى هذا القول: ابن عقيل؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لكل امرئ ما نوَى))، وهذا قد نوى جميع الشهر. ولأن رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضًا يُستعان بها على صوم نهاره. وأطال ابن عقيل في الاستدلال على هذا بما يدل على قوّته. |
![]() |
والحديث عامّ للفرض، والنفل، والقضاء، والنذر معيّنًا ومطلقًا. وفيه خلاف وتفاصيل؛ لكن الظاهر: أنّ الحديث عامّ في كلِّ أنواع الصيام. |
![]() |
واستدلّ من قال بعدم وجوب التبييت بحديث البخاري: "أنه -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا يُنادي في الناس يوم عاشوراء: ((إنّ مَن أكَل فلْيُتمَّ أو فلْيَصُمْ، ومَن لم يأكُلْ فلا يَأكل))". |
![]() |
قالوا: وقد كان واجبًا -أي: صوم عاشوراء-، ثم نُسخ وجوبه بصوم رمضان. ونَسْخ وجوبه لا يرفع سائر الأحكام؛ فقيس عليه صيام رمضان وما في حكمه من النذر المعيّن والتطوع، فخصّ عموم ((فلا صيام له)) بالقياس، وبحديث عائشة: "دخل عليّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال: ((هل عندكم شيء؟))، قلنا: "لا". قال: ((فإني إذن صائم)). ثم أتانا يومًا آخَر فقلنا: "أُهْدِيَ لنا حيْس". فقال: ((أرِينِيه، فلقد أصبحت صائمًا))، فأكل". |
![]() |
"الحيْس" هو: طعام يُتّخذ من التمر والأقِط والسمن. وقد يُجعل عوض الأقِط: الدقيق والفتيت؛ قال ذلك في "النهاية" ابن الأثير. |
![]() |
إذن هذا الحديث يدل على: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبيّت النية من الليل؛ فدلّ على: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم تطوعًا من غير تبييت النية. ولكن أجيب: بأن صوم عاشوراء غير مساوٍ لصوم رمضان حتى يقاس عليه؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- ألزم الإمساك لِمَن قد أكل ولمَن لم يأكل، فعُلم: أنه أمْر خاصّ. ولأنه إنما أجزأ عاشوراء بغير تبييت لتعذّره، فيقاس عليه ما سواه، كمن نام حتى أصبح، على أنه لا يلزم من تمام الإمساك ووجوبه أنه صوم مجزئ. |
![]() |
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال: ((هل عندكم من شيء؟))، فقلنا: "لا". فقال: ((فإني إذن صائم)). ثم أتانا يوماً آخَر فقلنا: "يا رسول الله، أُهْدِي لنا حيْس". فقال: ((أرينِيه، فلقد أصبحت صائمًا))، فأكل"، رواه الجماعة إلا البخاري. أخرجها أيضًا الدارقطني والبيهقي. |
![]() |
وزاد النسائي: "ثم قال: ((إنّما مَثَلَ صوم المتطوِّع مثل الرجل يُخرج من مالِه الصّدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبَسها))"، وفي لفظ له أيضًا: "قال: ((يا عائشة، إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقةَ مالِه فجاد بها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما شاء فأمسكه))." |
![]() |
قال البخاري: "وقالت أم الدرداء: "كان أبو الدرداء يقول: "عندكم طعام؟"، فإن قلنا: "لا"، قال: "فإني صائم يومي هذا". قال: "وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة -رضي الله عنهم جميعاً-. |
![]() |
وفي لفظ لمسلم: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: ((هل من غَداء؟))، فإن قالوا: "لا"، قال: ((فإني صائم))". وله ألفاظ عنده. |
![]() |
ورواه أيضًا أبو داود، وابن حبان، والدارقطني بلفظ: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتينا فيقول: ((هل عندكم من غَداء؟))، فإن قلنا: "نعم"، تغدَّى. وإن قلنا: "لا". قال: ((إني صائم)). وإنه أتانا ذات يوم وقد أُهْدِيَ لنا حيْس...." |
![]() |
وقد استدل بحديث عائشة هذا مَن قال: إنه لا يجب تبييت النية في صوم التطوع؛ وهم الجمهور كما قال النووي. وأجيب عنه بأنه -صلى الله عليه وسلم- قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفطر لمّا ضعُف عن الصوم؛ وهو محتمل لا سيما على رواية: ((فلقد أصبحت صائماً)). ولو سُلِّم عدم الاحتمال، كان غايته تخصيص صوم التطوع من عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فلا صيام له)). |
![]() |
وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إنّما مَثَلُ صوم المتطوع...)) إلى آخره: فيه دليل على: أنه يجوز للمتطوع بالصوم: أن يفطر، ولا يلزمه الاستمرار على الصوم، وإن كان أفضل بالإجماع. وظاهره: أن من أفطر في التطوع لم يَجب عليه القضاء؛ وإليه ذهب الجمهور. |
![]() |
وقال أبو حنيفة، ومالك، والحسن البصري، ومكحول، والنخعي: أنه لا يجوز للمتطوّع الإفطار، ويلزمه القضاء إذا فعل. واستدلوا على وجوب القضاء: بما وقع في رواية الدارقطني والبيهقي من حديث عائشة -رضي الله عنها- بلفظ: ((وأقضي يومًا مكانه))، ولكنهما قالا: هذه الزيادة غير محفوظة. |
![]() |
قوله: "كان أبو الدرداء": هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق. |
![]() |
قوله: وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة. أمَّا أثر أبي طلحة فوصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وأما أثر أبي هريرة فوصَلَه البيهقي وعبد الرزاق. وأما أثر ابن عباس فوصَله الطحاوي. وأما أثر حذيفة فوصَله عبد الرزاق وابن أبي شيبة أيضًا. |
![]() |
وقد جاء في "المغني" لابن قدامة كلام حسن في النية، جمع فيه كثيرًا من المذاهب في حكم النية -أي نية الصوم- فقال: "مسألة: ولا يُجزئه صيام فرض حتى ينويه أي وقت كان من الليل". |
![]() |
قال في الشرح: "وجملته: أنه لا يصح صوم إلا بنية إجماعًا، فرضًا كان أو تطوّعًا؛ لأنه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة. ثم إن كان فريضةً كصيام رمضان في أدائه أو قضائه، والنذر والكفارة، اشتُرط أن ينويه من الليل عند إمامنا -أي: عند الإمام أحمد- وعند مالك، والشافعي". أي عند الأئمة الثلاثة -الإمام أحمد، والإمام مالك، والشافعي- اشْتُرِطَ: أن ينوي الصائم من الليل. |
![]() |
"وقال أبو حنيفة: يجزئ صيام رمضان وكل صوم متعيّن بنية من النهار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: ((من كان أصبح صائمًا فليتمّ صومَه، ومن كان أصبح مفطرًا فليَصُمْ بقيَّة يومه، ومن لم يكن أكل فليصمْ))، والحديث متفق عليه. وكان صومًا واجبًا متعيّنًا، ولأنه غير ثابت في الذمة فهو كالتطوع. |
![]() |
ولنا -أي: للحنابلة- ومالك، والشافعي: ما روى ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من لم يبيّت الصيام من الليل، فلا صيام له))، وفي لفظ ابن حزم: ((من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له))، أخرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي. وروى الدارقطني بإسناده عن عمرة، عن عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن لم يُبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له))، وقال: "إسناده كلهم ثقات". وقال في حديث حفصة: "رفَعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، وهو من الثقات الرفعاء". ولأنه صوم فرض، فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء. فأما صوم عاشوراء فلم يثبت وجوبه؛ فإن معاوية قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يَكتب اللهُ عليكم صيامَه. وأنا صائم. فمن شاء فلْيَصُمْ، ومن شاء فلْيُفْطِر))، متفق عليه. فلو كان واجبًا، لم يُبِح فطْره؛ فإنما سُمي الإمساك صيامًا تجوّزًا بدليل قوله: ((ومَن كان أصبح مفطرًا، فلْيَصُم بقيّة يومه))، ولم يفرِّق بين المفطر بالأكل وغيره. |
![]() |
وإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي، وإنما سمَّاه صيامًا تجوّزًا. ثم لو ثبت أنه صيام، فالفرق بين ذلك وبين رمضان: أن وجوب الصيام تجدّد في أثناء النهار، فأجزأته النية حين تجدَّد الوجوب، كمن كان صائمًا تطوّعًا فنذَر إتمام صوم بقيَّة يومه، فإنه تجزئه نيّته عند نذره، بخلاف ما إذا كان النذر متقدّمًا. |
![]() |
والفرق بين التطوع والفرض من وجهين: |
![]() |
أحدهما: أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار، بشرط عدم المفطرات في أوَّله، بدليل قوله -عليه السلام- في حديث عاشوراء: ((فلْيَصُم بقيّة يومه)). فإذا نوى صوم التطوع من النهار، كان صائمًا بقية النهار دون أوَّله. والفرض يجب في جميع النهار، ولا يكون صائمًا بغير النية. |
![]() |
والثاني: أن التطوع سُومح في نيَّته من الليل تكثيرًا له؛ فإنه قد يبدو له الصوم في النهار. فاشتراط النّيّة في الليل يَمنع ذلك، فسامح الشرع فيها، كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع، وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرًا له، بخلاف الفرض. إذا ثبت هذا، ففي أيّ جزء من الليل نوى أجزأه، وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع، أو لم يفعل. |
![]() |
واشترط بعض أصحاب الشافعي: ألا يأتي بعد النية بمُنافٍ للصوم. واشترط بعضهم: وجود النية في النصف الأخير من الليل، كما اختص أذان الصبح والدفع بمزدلفة به. |
![]() |
وللحنابلة ومَن معهم: مفهوم قوله -عليه السلام-: ((لا صيام لِمَن لم يُبيِّت الصيام من الليل)) من غير تفصيل. ولأنه نوى من الليل، فصحّ صومه، كما لو نوى في النصف الأخير ولم يفعل ما ينافي الصوم. ولأن تخصيص النية بالنصف الأخير يُفضي إلى تفويت الصوم لأنه وقت النوم، وكثير من الناس لا ينتبه فيه ولا يَذكر الصوم، والشارع إنما رخص في تقديم النية على ابتدائه لخروج اعتبارها عنده، فلا يخصّها بمحل لا تندفع المشقة بتخصيصها به، ولأن تخصيصها بالنصف الأخير تحكّم من غير دليل. ولا يجوز اعتبار الصوم بالأذان والدفع من مزدلفة؛ لأنهما يجوزان بعد الفجر، فلا يفضي منعهما في النصف الأول إلى فواتهما، بخلاف نية الصوم، ولأن اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه، واشتراط النية بمعنى الإيجاب والتحتم وفوات الصوم بفواتها فيه، وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز، ولأن منعهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف الأخير لجوازهما بعد الفجر، والنية بخلاف. |
![]() |
فأما إن فسخ النية مثل: إن نوى الفطر بعد نية الصيام، لم تجزئه تلك النية المفسوخة؛ لأنها زالت حكمًا وحقيقةً. وإن نوى من النهار صومَ الغد، لم تجزئه تلك النية إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل. |
![]() |
وقد روى ابن منصور عن أحمد فيمن نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار ولم ينوِ من الليل، فلا بأس، إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك. فظاهر هذا: حصول الإجزاء بنيته من النهار. إلا أن القاضي قال: "هذا محمولٌ على: أنّه استصحب النية إلى جزء من الليل؛ وهذا صحيح، لظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا صيام لِمَن لم يُبيِّت الصيام من الليل)). ولأنه لم ينوِ عند ابتداء العبادة ولا قريبًا منها، فلم يصحّ، كما لو نوى من الليل صوم بعد غد. |
![]() |
وتعتبر النية لكلِّ يوم؛ وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وابن المنذر. |
![]() |
وعن أحمد: أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صومَ جميعه؛ وهو مذهب الإمام مالك وإسحاق؛ لأنه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم، فجاز كما لو نوى كلّ يوم في ليلته. ولنا أنه صوم واجب، فوجب: أن ينوي كلّ يوم من ليلته كالقضاء. يعني الإمام أحمد يشترط النية كلَّ ليلة. |
![]() |
ومعنى "النية": القصد وهو: اعتقاد القلب فعْل شيء وعزْمه عليه من غير تردّد. فمتى خطر بقلبه في الليل: أنَّ غدًا من رمضان وأنه صائم فيه، فقد نوى. وإن شك في أنه من رمضان، ولم يكن له أصل يَبني عليه، مثل: أن يكون ليلة الثلاثين من شعبان، ولم يَحُل دون مطلع الهلال غيْم ولا قطر، فعزم أن يصوم غدًا من رمضان، لم تصح النية، ولا يجزئه صيام ذلك اليوم؛ لأن النية قصد يتبع العلم. وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده ولا هو على ثقة من اعتقاده، لا يصح قصده. وبهذا قال حماد، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر. وقال الثوري والأوزاعي: يصح إذا نواه من الليل؛ لأنه نوى الصيام من الليل؛ فصح كاليوم الثاني. وعن الشافعي كالمذهبين. وللحنابلة: أنه لم يجزم النية بصومه من رمضان، فلم يصحّ، كما لو لم يعلم إلا بعد خروجه. |
![]() |
ويجب تعيين النية في كل صوم واجب، وهو: أن يعتقد: أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو نذره؛ نص على ذلك أحمد في رواية الأثرم. فإنه قال: "قلت لأبي عبد الله: "أسيرٌ صام في أرض الروم شهر رمضان، ولا يعلم أنه رمضان، ينوي التطوع؟"، قال: "لا يجزئه إلا بعزيمة: أنه من رمضان. ولا يجزئه في يوم الشكّ إذا أصبح صائمًا، وإن كان من رمضان، إلا بعزيمة من الليل: أنه من رمضان". وبهذا قال مالك، والشافعي. |
![]() |
وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا يجب تعيين النية لرمضان. فإن المروزي روى عن أحمد: أنه قال: "يكون يوم الشك يوم غيم إذا أجمعنا على: أننا نصبح صيّامًا، يجزئنا من رمضان، وإن لم نعتقد أنه من رمضان؟. قال: "نعم". قلت: "فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمال بالنيات))، أليس يريد: أن ينوي أنه من رمضان؟"، قال: "لا، إذا نوى من الليل أنه صائم، أجزأه". |
![]() |
وحكى أبو حفص العكبري عن بعض أصحابنا: أنه قال: "ولو نوى: أن يصوم تطوعًا ليلة الثلاثين من رمضان، فوافق رمضان، أجزأه". قال القاضي: "وجدت هذا الكلام اختيارًا لأبي القاسم؛ ذكره في "شرحه". وقال أبو حفص: "لا يجزئه إلا: أن يعتقد من الليل بلا شك، ولا تلوم". |
![]() |
فعلى القول الثاني: لو نوى في رمضان الصوم مطلقًا، أو نوى نفلًا، وقع عن رمضان، وصحّ صومه؛ وهذا قول أبي حنيفة: إذا كان مقيمًا؛ لأنه فرض مستحقّ في زمن بعيْنه، فلا يجب تعيين النية له، كطواف الزيارة. |
![]() |
وللحنابلة: أنه صوم واجب، فوجب تعيين النية له، كالقضاء، وطواف الزيارة، كمسألتنا في افتقاره إلى التعيين. فلو طاف ينوي به الوداع، أو طاف بنية الطواف مطلقًا، لم يُجزه عن طواف الزيارة. ثم الحج يخالف الصوم؛ ولهذا ينعقد مطلقًا، وينصرف إلى الفرد. ولو حجّ عن غيره ولم يكن حج عن نفسه، وقع عن نفسه، ولو نوى الإحرام بمثل ما أحرم به فلان صحّ وينعقد فاسدًا، بخلاف الصوم. |
![]() |
ولو نوى ليلة الشكّ: "إن كان غدًا من رمضان، فأنا صائم فرضًا، وإلا فهو نفل"، لم يجزئه على الرواية الأولى؛ لأنه لم يعيّن الصوم من رمضان جزمًا. ويجزئه على الأخرى؛ لأنه قد نوى الصوم. |
![]() |
ولو كان عليه صوم من سنة خمس، فنوى أنه يصوم عن سنة ست، أو نوى الصوم عن يوم الأحد وكان الاثنين، أو ظن أن غدًا الأحد فنواه وكان الاثنين، صح صومه؛ لأن نية الصوم لم تختلّ، وإنما أخطأ في الوقت. |
![]() |
وإذا عيّن النية عن صوم رمضان، أو قضائه، أو كفارة، أو نذر، لم يحتج أن ينوي كونه فرضًا. وقال ابن حامد: "يجب ذلك". وقد مرّ بيان ذلك بالتفصيل. |
![]() |
ومن نوى صيام التطوع من النهار ولم يكن طعم، أجزأه. |
![]() |
وجملة ذلك: أن صوم التطوع يجوز بنيّة من النهار عند الإمام مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وروي ذلك عن أبي الدرداء، وأبي طلحة، وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والنخعي، وأصحاب الرأي. |
![]() |
وقال مالك وداود: لا يجوز إلا بنية من الليل، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام من الليل))، ولأن الصلاة يتّفق وقت النية لفرْضها ونفلها، فكذلك الصوم. |
![]() |
وللحنابلة: ما روت عائشة -رضي الله عنها- قالت: "دخل عليّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال: ((هل عندكم من شيء؟))، قلنا: "لا". قال: ((فإني إذن صائم))"، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي. |
![]() |
ويدل عليه أيضاً: حديث عاشوراء. |
![]() |
فهذه الأحاديث تدل على: أن المتطوِّع من الممكن: أن ينوي الصيام في النهار، وأي وقت من النهار نوى أجزأه، سواء في ذلك ما قبل الزوال وبعده. هذا ظاهر كلام الإمام أحمد والخرقي. وهو ظاهر قول ابن مسعود؛ فإنه قال: "أحدكم بأخيَر النظريْن ما لم يأكل أو يشرب". وقال رجل لسعيد بن المسيب: "إني لم آكل إلى الظهر -أو إلى العصر-، أفأصوم بقية يومي؟"، قال: "نعم". |
![]() |
واختار القاضي في "المجرّد": أنه لا تُجزئه النية بعد الزوال؛ وهذا مذهب أبي حنيفة، والمشهور من قولي الشافعي؛ لأن معظم النهار قد مضى من غير نيّة، بخلاف الناوي قبل الزوال، فإنه قد أدرك معظم العبادة. ولهذا تأثير في الأصول، بدليل أنّ من أدرك الإمام قبل الرفع من الركوع، أدرك الركعة لإدراكه معظمها. ولو أدركه بعد الرفع، لم يكن مدركًا لها. ولو أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة، كان مدركًا لها؛ لأنها تزيد بالتشهد. ولو أدرك أقلّ من ركعة، لم يكن مدركًا لها. |
![]() |
ولنا: أنه نوى في جزء من النهار، فأشبه ما لو نوى في أوَّله، ولأن جميع الليل وقت لنية الفرض، فكذا جميع النهار وقت لنية النفل والتطوع. |
![]() |
إذا ثبت هذا، فإنه يحكم له بالصوم الشرعي المُثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد؛ فإنه قال: "من نوى في التطوع من النهار، كُتب له بقية يومه. وإذا أجمع من الليل كان له يومه". وهذا قول بعض أصحاب الشافعي. |
![]() |
وقال أبو الخطاب في "الهداية": يُحكم له بذلك من أوّل النهار؛ وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأن الصوم لا يتبعّض في اليوم، بدليل ما لو أكل في بعضه لم يجز له صيام باقيه، فإذا وجد في بعض اليوم دلّ على: أنه صائم من أوّله. ولا يمتنع الحكم بالصوم من غير نيّة حقيقة، كما لو نسي الصومَ بعد نيَّته أو غفل عنه. ولأنه لو أدرك بعض الركعة أو بعض الجماعة كان مدركًا لجميعها. |
![]() |
ولنا -أي: للحنابلة-: أن ما قبل النية لم ينوِ صيامه، فلا يكون صائمًا فيه، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، ولأن الصوم عبادة محضة، فلا توجد بغير نية كسائر العبادات المحضة. |
![]() |
ودعوى: "أن الصوم لا يتبعَّض": دعوى محلّ النزاع. وإنما يُشترط لصوم البعض: ألا توجد المفطرات في شيء من اليوم؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عاشوراء: ((فلْيَصم بقيّة يومه)). |
![]() |
وأما إذا نسي النية بعد وجودها، فإنه يكون مستصحبًا لحُكمها، بخلاف ما قبلها؛ فإنها لم توجد حكمًا ولا حقيقةً. ولهذا لو نوى الفرض من الليل ونسيَه في النهار، صحّ صومه. ولو لم ينوِ من الليل، لم يصحّ صومه. وأما إدراك الركعة والجماعة، إنما معناه: أنه لا يحتاج إلى قضاء ركعة، وينوي أنه مأموم، وليس هذا مستحيلًا. أما أن يكون ما صلَّى الإمام قبله من الركعات محسوبًا له بحيث يُجزئه عن فعْله، فكَلَّا، ولأن مدرك الركوع مدرك لجميع أركان الركعة؛ لأن القيام وُجد حين كبّر، وفعل سائر الأركان مع الإمام. وأما الصوم فإن النّيّة شرط أو ركن فيه، فلا يُتصوَّر وجوده بدون شرطه وركنه. |
![]() |
إذا ثبت هذا، فإن مِن شرْطه: ألا يكون طعم قبل النية، ولا فعَل ما يُفطره. فإن فعَلَ شيئًا من ذلك، لم يُجزئه الصيام، بغير خلاف نَعلمه". |
![]() |
هذا بعض ما ذكره الإمام ابن قدامة في كتابه "المغني" حول النية في الصوم، أحببت أن أنقله لكم كما جاء في كتاب "المغني" هذا السفر العظيم في فقه المسلمين. |