١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
مشروعية الصيام
الصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة التي بُني عليها هذا الدِّين الحنيف.
قال -صلى الله عليه وسلم -: ((بُني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا)).
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
تعريف "الصيام"
"الصيام" في اللغة: مطلق الإمساك عن أي شيء. فإذا أمسك الشخص عن الكلام أو الطعام فلم يتكلّم ولم يأكل، فإنه يقال له في اللغة: إنه صائم. ومن الدليل على أن الإمساك عن الكلام يسمّى: "صومًا": قوله تعالى عن مريم: ((إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)) (مريم: ٢٦) أي: صمتًا وإمساكًا عن الكلام، فسمّته: ((صَوْمًا)). وأما معنى "الصوم" في اصطلاح الشرع فهو: الإمساك عن المفطرات يومًا كاملًا، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. هذا التعريف متفق عليه عند الجميع. وزاد بعض العلماء وبعض المذاهب هذا القول: بنيَّة. أي: الإمساك من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنيّة؛ فلا بد من النية عند بعضهم، أي بالتلفّظ بهذه النية.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
أقسام الصيام
قسم منه: فرض وهو: صوم رمضان.
وهناك صيام التطوع، وهو كثير في الإسلام. منه: صوم عاشوراء، وصوم يوم عرفة، وصوم الكثير من الأيام التي تكون في غير شهر رمضان، كصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على أن الصيام ينقسم إلى أربعة أقسام:
أحدها: صيام مفروض، وهو: صيام شهر رمضان أداءً وقضاءً، وصيام الكفارات، وصيام النذور
ثانيها: الصيام المسنون.
ثالثها: الصيام المحرَّم، يحرم صيام يوم العيدين كما يعلم ذلك الجميع.
رابعها: الصيام المكروه.
الحنفية قالوا: إنّ أقسام الصيام كثيرة.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
فضل شهر رمضان
وفضل الصوم جاءت فيه أحاديث:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا جاء رمضان، فتّحِت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصفِّدت الشياطين)).
وعن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كان رمضان، فُتِّحت أبواب الرحمة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين)).
ففضل الله -سبحانه وتعالى- عظيم، وفضّل الله -سبحانه وتعالى- بعض البشر على بعض، وفضَّل بعض الرسل على بعض فقال تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) (البقرة: ٢٥٣).
وفضّل بعض الأماكن على بعض، وبعض المساجد على بعض فقال تعالى: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا)) (آل عمران: ٩٦)، وقال تعالى: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)) (الإسراء: ١).
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وفضّل بعض الأزمنة على بعض. فضّل شهر رمضان في قوله تعالى: ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)) (البقرة: ١٨٥).
والمكان يشرف ويفضل عادةً بما يحلّ فيه من فضائل وخيرات، وما يهبط فيه من رحمات. ففضّل شهر رمضان بشرف إنزال القرآن الكريم فيه، وفضِّلت ليلة القدر بأنّها هي الليلة الأولى التي بدأ فيها القرآن يتنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
الأحاديث الواردة في فضل شهر رمضان
وفي فضل شهر رمضان وردت أحاديث كثيرة. وإن كان بعضها فيه ضعف، فإن بعضها يقوّي بعضًا، وتتعاضد، وتصحّ حجّةً ودليلًا للاحتجاج:
عند الطبراني أن رسول الله -صلى عليه وسلم- قال يومًا وحضر رمضان: ((أتاكم رمضان: شهر بركة، يغيثكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحطّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء. ينظر الله إلى تنافسكم، ويباهي بكم ملائكته؛ فأروا اللهَ من أنفسكم خيرًا؛ فإن الشّقيّ من حُرِمَ فيه رحمة الله -عز وجل-)).
وروى الطبراني أيضًا: ((ذاكرُ الله في رمضان مغفورٌ له، وسائل الله فيه لا يخيب)).
وروى أبو يعلى عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وقد أهلّ رمضان: ((لو يعلم العباد ما في رمضان، لتمنّتْ أمّتي أن تكون السّنة كلّها رمضان)).
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة يرفعه قال: ((ويغفر فيه إلا لِمَن نأى)). قالوا: "ومن ينأى، يا أبا هريرة؟"، قال: ((الذي يأبى أن يستغفر الله -عز وجل-)).
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وروى النسائي: ((تُفتح فيه أبوابُ الجنة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُغلُّ فيه الشياطين، ويُنادي منادٍ كلّ ليلة: "يا باغي الخير هلمَّ، ويا باغي الشّرّ أقصِرْ")).
وروى الحارث بن أبي شامة في "مسنده"، عن سلمان الفارسي قال: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آخر يوم من شعبان فقال: ((أيها الناس، قد أظلّكم شهرٌ عظيمٌ: شهرٌ مباركٌ. فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر. فرَض الله صيامه، وجعل قيامَ ليله تطوّعًا. فمن تطوّع فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدّى فريضةً فيما سواه. ومن أدّى فيه فريضةً، كان كمن أدّى سبعين فريضةً فيما سواه. وهو شهر الصّبر، والصّبر ثوابه الجنّة. وهو شهر المواساة. وهو شهر يُزاد فيه في رزق المؤمن. مَن فطّر صائمًا، كان له عتق رقبة)). قيل: "يا رسول الله، ليس كلّنا يجد ما يفطِّر فيه الصائم"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((يعطي الله تعالى هذا الثواب لمن فطّر صائمًا على مزقة لبن، أو تمرة، أو شربة ماء. ومن فطّر صائمًا كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء. وهو شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخرُه عتق من النار)).
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
هل يقال: رمضان من غير كلمة "شهر"
بعض العلماء قالوا بجواز ذلك. وبعضهم كَرِه ذلك.
والراجح: أنه يصحّ أن يقال ذلك، من غير كراهة.
قال النووي: "والصواب: أنه لا كراهة في قول: "رمضان" مطلقًا؛ لأن الكراهة إنّما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهي. وقول من قال: "إن رمضان اسم من أسماء الله تعالى": لا يصح ذلك، ولم يصحّ فيه أيّ شيء. وأسماء الله تعالى توقيفيّة لا تطلق إلا بدليل صحيح. فعلى ذلك، لا كراهة في أن يقال: "رمضان" من غير أن يقال: "شهر" بإضافة "شهر" إلى "رمضان".
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وجوب الصوم برؤية الهلال
ويجب صوم رمضان برؤية الهلال؛ وعلى ذلك جاءت أحاديث كثيرة هي التي أخذ منها العلماء وجوبَ الصوم برؤية هلال رمضان. من هذه الأحاديث:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه ذكر رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى ترَوُا الهلال، ولا تفطروا حتى تروْه. فإن أغمِيَ عليكم، فاقْدُروا له)).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان، فضرب بيديه فقال: ((الشهر هكذا وهكذا وهكذا))، ثم عقد إبهامه في الثالثة: ((فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته. فإن أغمي عليكم، فاقدروا له ثلاثين)). ومعنى: "عقد إبهامه في الثالثة": أن الشهر قد يكون ثلاثين، وقد يكون تسعًا وعشرين، فالمعتمد هو: رؤية الهلال.
وعن عبيد الله -رضي الله عنه- بهذا الإسناد وقال: ((فإن غُمّ عليكم، فاقدروا ثلاثين)).
عن عبيد الله قال: ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رمضان فقال: ((الشهر: تسع وعشرون. الشهر هكذا وهكذا وهكذا)).
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الشهر تسع وعشرون؛ فلا تصوموا حتّى ترَوْه، ولا تفطروا حتّى ترَوْه. فإن غُمّ عليكم، فاقْدُروا له)).
وفي رواية: ((الشهر: تسع وعشرون؛ فإن رأيتم الهلال فصوموا، وإن رأيتموه فأفطروا. فإن غُمَّ عليكم، فاقدورا له)).
وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. وإن غُمّ عليكم، فاقْدُروا له)). طبعًا والضمير يعود على: الهلال.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
فقه هذه الأحاديث، وما يستفاد منها
هذه الأحاديث الكثيرة التي رُويت كلّها تتعلّق بالهلال. وإن تشعبت مسائلها، فهي تعود إلى شُعب أربع، ذكرها فضيلة الشيخ موسى شاهين في كتابه "فتح المُنْعِم"، فقال: هذه شُعب
الشعبة الأولى: بِم يثبت هلال الشهر؟.
والشعبة الثانية: اختلاف المطالع.
الشعبة الثالثة: صوم يوم الشك.
والشعبة الرابعة: ما يستفاد من هذه الأحاديث المتفرقة.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
الشعبة الأولى وهي: بِمَ يَثبت الشهر؟
ظاهر الأحاديث توقِف ثبوتَ الهلال على رؤية العين المجرّدة، وتوقف وجوب الصوم عليها؛ بل تفيد النهيَ عن الصوم بدونها -أي: بدون رؤية العين المجرّدة-.
ففي الرواية الأولى والثانية والسادسة: ((لا تصوموا حتى ترَوُا الهلال، ولا تفطروا حتى ترَوْه))، هكذا في أحاديث وفي روايات كثيرة.
ولا خلاف في: أن الخطاب في قوله: ((صوموا))، و((لا تصوموا)) للأمَّة؛ ولكن الخطاب في: ((تروا)) لا يُقصد به جميع أفرادها قطعًا، وإنما المراد: حتى يثبت برؤية عدل منكم، أو برؤية عدليْن منكم، أو برؤية جمْع منكم.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
يُقبل ويَثبت هلال رمضان برؤية عدلٍ ذكَرٍ حُرٍّ واحدٍ، لِما رواه أبو داود والدراقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر قال: "تراءى الناسُ الهلال، فأخبرتُ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّي رأيته، فصام النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأمر النّاس بالصّيام". هنا ثبت برؤية واحد. وأمر -صلى الله عليه وسلم- بالصوم اعتمادًا على رؤية رجل واحد ذكر حرّ مسلم عدْل. ولأنه إيحاب عبادة، فقبِلَ بالواحد احتياطًا للفرض. ولم يقبل من العبد والمرأة؛ لأن الشهادة هنا كسائر الشهادات، ويشترط لفظ الشهادة، ويختصّ بمجلس القاضي.
أما هلال شوال فلا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان، أي: في وجوب الصوم يكفي واحد، أما في الخروج من رمضان- رؤيا هلال شوال- فلا بد أن يثبت باثنين عدلين؛ لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد؛ وهذا القول هو الأصح عند الشافعي.
قال النووي: "ولا يجوز الفطر بشهادة عدل رأى هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوَّزه بعدل. فالقول الراحج: أنَّ هلال شوال لا يثبت إلا برؤية عدلين. أما هلال رمضان، فيثبت برؤية واحد؛ لأنه يدخل في عبادة فذلك من باب الاحتياط.
وهو كالقول الأوَّل، إلا إنه يقبل قول العدل والمرأة. أي: لا يشترط الحرية ولا الذكوريه في رؤية العدل الذي يرى هلال رمضان، على أساس أنه رواية كرواية الأحاديث؛ وهذا رأي عند الشافعي.
XXXXXXXXXXXXX
قالوا: لا يثبت هلال رمضان إلا بشهادة عدلين، ولا مدخل للنساء والعبيد في هذه الشهادة. ويشترط لفظ الشهادة، ويختص بمجلس القاضي. كذا قال بعض الشافعية.
XXXXXXXXXXXXX
يُشترط لثبوت هلال رمضان: رجلان، أو رجل وامرأتان. هنا قاسوا على سائر الشهادات. حكاه ابن المنذر عن الثوري. ولا خلاف في كل هذا عند الشافعية ببن أن تكون السماء صحوةً أو مغيَّمةً.
قال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغمية -يعني: فيها غيم-، تثبت بشهادة واحد. ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين. قالوا: وإن كانت مصحيةً -يعني: السماء صحو-، لم يثبت رمضان بشاهد واحد ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد تحصل منهم الاستفاضة.
واحتج لهم: بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكثيرة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد فقط أو اثنان منهم فقط. وأجاب النووي عن هذا الاحتجاج: بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعوّل عليه. ثم إنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظر أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعًا؛ ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد وحكم به حاكم، لم ينقض بالإجماع ووجب الصوم بالإجماع.
قال أحمد: عند عدم الغيم، يصوم بواحد. ويفطر بخبر حرّ أو حرتين، يعني: رجل أو امرأتين. أما إذا كان بالسماء علّة -يعني: فيها غيم-، فجمعٌ عظيمٌ يقع العلم بخبرهم. قيل: خمسون. وقيل: مائة. وقيل: أكثر.
والصحيح :أن خبر الصّغير المميِّز لا يكفي، اللهم إلا عند من يرى أنها رواية ويكتفي بخبر الواحد.
أما الكافر والفاسق والمغفّل، فلا يُقبل قولهم بالإجماع بلا خلاف. ولا خلاف في اشتراط العدالة الظاهرة. والخلاف في اشتراط العدالة الباطنة. والأصح: قبول رواية المستور، أي الذي هو في ظاهره عدل، ولا نبحث عن باطنه.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
مسألة ذكرها النووي هنا مسألة ذكرها النووي، قال: إذا قبلنا في نهار رمضان عدلًا وصمنا ثلاثين يومًا، فلم نر الهلال بعد الثلاثين: فهل نفطر؟ قولان: أصحهما الفطر
ومع أن ظاهر الأحاديث يُرتِّب ثبوت الهلال على الرؤية، ويرتِّب الصوم على ثبوت الهلال، وينهي عن الصوم عند عدم الرؤية. ومع أن جمهور العلماء أخذوا بهذا الظاهر، وقالوا: لا نتعبّد إلا بالرؤية بحجّة أن الحساب والتنجيم تخمين وظن، يحسن بنا أن نستعرض أقوالهم في ذلك ثم نناقشها لعلنا نصل -بعون الله- إلى ما هو أصلح وأصح بالنظر لحكمة مشروعية الصوم -والله المستعان-.
يقول الشيخ موسى: قال النووي: "إذا غُمّ الهلال، وعرف رجل بالحساب أنه من رمضان، فوجهان: قال ابن سريج: يلزمه الصوم؛ لأنه عرف الشهر بدليل، فأشبه من عرفه بالبيِّنة. وقال غيره: لا يصوم؛ لأنا لم نُتعبّد إلا بالرؤية". وقال الدارمي: "لا يصوم بقول منجِّم". وقال قوم: يلزم الصوم. وقال صاحب "البيان": "إذا عُرف بحساب المنازل أن غدًا من رمضان، وأخبره عارف بذلك فصدّقه فنوى وصام بقوله، فوجهان: أحدهما يجزئه. قال ابن سريج: "واختاره القاضي أبو الطيب؛ لأنه سبب حصل له بعد غلبة الظن، فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة". القول الثاني: لا يجزئه؛ لأن النجوم والحساب لا مدخل لها في العبادات"، قال: "وهل يلزمه الصوم بذلك؟ قال ابن الصباغ: "أما الحساب، فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا". وذكر صاحب "المهذّب": أن الوجهين في الوجوب". هذا كلام صاحب "البيان". وقطع صاحب "العدّة": بأن الحاسب والمنجِّم لا يعمل غيرهما بقولهما. وقال المتولي: لا يعمل غير الحاسب بقوله.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وهل يلزمه هو الصوم لمعرفة نفسه الحساب؟
فيه وجهان: قال الروياني: "مَن عَرف منازل القمر، لا يلزمه الصوم به على الأصح". وقال البغوي: "لا يجوز تقليد المنجِّم في حساب لا في الصوم ولا في الفطر".
قال النووي: "وحصل في المسألة خمسة أوجُه:
أصحُّها: لا يلزم الحاسب ولا المنجِّم ولا غيرهما بذلك؛ لكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
الثاني: يجوز لهما ويجزئهما.
الثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجِّم.
الرابع: يجوز لهما، ويجوز لغيرهما تقليدهما.
الخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجِّم".
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وقال الإمام العيني عند شرح حديث: ((فاقدروا له)): المراد إكمال العدّة وهي: ثلاثون، كما فسره في حديث آخر. ولا يجوز أن يكون المراد: حساب النجوم؛ لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم".
وقال عند شرح حديث: ((فإنْ غُمَّ عليكم، فأكملوا العِدَّة ثلاثين)): "ظاهره ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا؛ إذ لو كان الحكم لعلْم من ذلك لقال: "فاسألوا أهل الحساب". ثم قال: "قال ابن بزيزة: "نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنه حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر؛ إذ لا يعرفها إلا القليل".
وقال ابن بطّال وغيره: "إنّنا لم نكلّف في تعاريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة؛ إنما رُبطت عبادتنا بأعلامٍ واضحةٍ وأمورٍ ظاهرةٍ، يستوي في معرفة ذلك الحُسَّاب وغيرهم".
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
هذه خلاصة ما قيل في عدم الاعتماد على الفَلَك والحساب عند تقدير الشهور. وهي تعتمد على نقاط نوردها ثم نناقشها:
قوله -صلى الله عليه وسلم: ((إنا أمّة أُمِّيَّة، لا نكتب ولا نحسب)). وهذه قضية حالة انتهت، فلم تعد أمّة الإسلام أمّةً أمية، بل أصبحت أمَّةً تكتب وتحسب؛ فلا يستصحب الحكم المبنيّ عليها لما بعدها. وظاهر الحديث تعليل الاعتماد على رؤية الهلال عليها، والمعلول يدور وراء علّته وجودًا وعدمًا. فقول العيني: "علّق الشهر والصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عن أمَّته في معاناة حساب التيسير، واستمرّ ذلك بينهم لو حدث بعدهم من يعرف ذلك": هذا القول غير مقبول إذ يشبه قول من يقول: "إن حكم المعلَّل بعلَّة يستمر وإن زالت علّته".
XXXXXXXXXXXXX
XXXXXXXXXXXXX
قولهم: "لا نتعبد إلا بالرؤية": لم يلتزم بها أصحاب هذا القول ولا غيرهم؛ فقد تعبّد جميع المسلمين، ويتعبدون بالتقويم الحسابي في أوقات الصلاة، ولم يعودوا يعتمدون على رؤية الفجر الصادق والكاذب حتى يتبيّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وعلى رؤية غياب الشفق، ولا أن يصير ظلّ كل شيء مثله؛ فاعتمدوا في ذلك على الحساب وقبلوه في عبادة الصلاة، فلِمَ لَمْ يُقبل ذلك في الصوم؟
XXXXXXXXXXXXX
قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فإن غُمّ عليكم، فاقدورا له)): روايتها الأولى والثانية والثالثة والرابعة الخامسة والسادسة على: أن المراد بها: إكمال العِدَّة: ثلاثين يومًا، كما جاء في بعض الروايات فاعتمدوها. وقال العيني: "إنها تنفي تعلّق الحكم بالحساب أصلًا؛ إذ لو كان الحكم يُعلم من ذلك لقال: "فاسألوا أهل الحساب". وهنا تحكّم، فللروايات الأولى معنًى مستقلّ. ((فاقدُروا له)) يختلف تمامًا عن معنى: فأكملوا العِدَّة؛ إذ إكمال العِدَّة لا يحتاج إلى تقدير، فلم لا نجعل الروايتين حالَتيْن؟ حالة يمكن معها التقدير الحسابي لوجود علمائه، وحالة يصعب معها التقدير الحسابي، فنكمل العِدَّة ويصبح المعنى: فاقدروه له بالحساب إن أمكن، وأكملوا العدة ثلاثين يومًا إن لم تتمكّنوا من التّقدير. فنُعمل الروايتين على مقامين مختلفين.
على أنّ الإمام أحمد وغيره فسّروا: ((فاقدورا له)) على: أن المراد: فاقدروا له بالحساب.
XXXXXXXXXXXXX
قال ابن بزيزة: "نهت الشريعة على الخوض في علم النجوم؛ لأنه حدث وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب". وهذه قضية حالة انتهت أيضًا، وأصبح الفلَك والحساب علمًا دقيقًا له قواعده وأصوله التي تنتج نتائج قطعية. فهي تخبر عن موعد الخسوف والكسوف قبل أن يحصل بعام أو أكثر، ولا يخطئ هذا التحديد جزءًا من الثانية. وهو معتمِد على سير الكواكب في أفلاكها، والله تعالى يقول: ))هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ(( (يونس: ٥).
XXXXXXXXXXXXX
قول ابن بطال وغيره: "إننا لم نكلَّف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة". وقولهم: "إن الناس لو كلِّفوا بالحساب ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم". أقول: وهذه قضية مردودة عليهم؛ لأن الناس أيضًا لم يكلّفوا جميعًا بالرؤية، بل لم يكلّف جماهيرهم بالرؤية، ولو كلّفوا بها لضاق عليهم؛ لأنه لا يتمكّن منها إلا أفراد، واكتفى الشارع بواحد أو اثنين من الأمَّة مع أن علماء الحساب مئات. وإذا سلّمنا أننا لم نكلّف في عبادتنا مشقة، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: ٧٨)، لكن إذا وجدنا بين أيدينا حسابًا دقيقًا دون مشقة، نتركه ونتكلّف المشقة في ترائي الهلال؟ وهل إذا وجدنا بين أيدينا بوصلة تحدّد جهة القبلة، نتركها وننظر إلى الشرق والغرب والشمال والجنوب؟ ونجتهد في موقعنا من الكعبة لنتّجه إليها؟ أيّهما أيسر؟ بل أيّهما أدقّ؟ بل أيّهما أكثر احتمالًا للخطأ: مائة من العدول يقولون: "لم نرَ الهلال". أم قول أهل الحساب: أنه لم يولد؟
XXXXXXXXXXXXX
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
مسألة أساسية
هناك مسألة أساسية ينبغي أوّلًا أن نضعها في الاعتبار هي: أنه لو وافق الحساب الرؤية إثباتًا، فلا إشكال. أعني إذا قال الحسّاب: "القمر في السماء"، وقال الراؤون: "رأينا القمر في السماء"؛ فلا إشكال، ولزم الصوم. سواء قلنا: "اعتمدنا الحساب"، أو قلنا: "اعتمدنا الرؤية". أو قلنا: "اعتمدنا الحساب والرؤية معًا". ولو وافق الحساب المترائين نفيًا بأن قالوا: "لم نرَ الهلال"، وقال الحساب: "إنه لا يوجد الليلة في سمائنا"؛ فلا إشكال أيضًا، ولا يثبت الشهر. يعني: إذا اتّفق الحساب مع الرؤية إثباتًا ونفيًا، فلا إشكال. لكن إذا اختلف الحساب والراؤون إثباتًا أو نفيًا، فمن نعتمد؟ هذا الفرض هو الجدير بالبحث. هنا يجب دراسة هذه المسألة دراسةً دقيقةً حتى نصل إلى الصواب فيها.
وأخيرًا: الناس مُلزمون بحكم الحاكم، والحاكم مسؤول أمام الله عن اجتهاده وحكمه. فإن استقرّ عنده الصّحّة: شهادة الشاهد المثبت، حَكَم بثبوت الهلال وإن نفاه أهل الحساب. وإن استقرّ عنده صحّة إثبات الحساب لوجود الهلال، حَكَمَ بثبوته وإن نفاه المتراؤون؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف. والأمر في استقرار النفي عنده كذلك، عند النفي وعند الإثبات، يتدخّل الحاكم. فإن رأى أنّ الحساب هو الذي يُؤخذ به يؤخذ بقوله، وإن رأى أن الرؤية هي التي يؤخذ بها يؤخذ بقوله. حُكم الحاكم واجب الطاعة في حق غير الرائي وفي حقّ غير الحاسب باتفاق العلماء. أما الرائي والحاسب فيُلزَمان بالعمل بعلْمِها. يعني لو رأى راءٍ الهلال وحدَه ولم يوافقه الحاكم، صَامَ من رأى وحْدَه، ولا يجب الصوم على بقية الأمة.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
الشعبة الثانية: اختلاف المطالع
والروايات تدل على: اختلاف المطالع، وتدل على: أن لكل إقليم مطلَعه ورؤيته. ونذكر الآن الرواية التي تُبيِِّن اختلاف المطالع
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
شرح الحديث
فهذا الحديث يدل على اختلاف المطالع، ويدلّ على: أن لكلّ إقليم مطلعه ورؤيته. فالرواية تحكي: أن معاوية وأهل الشام صاموا يوم الجمعة على أنه أوّل رمضان بناءً على رؤيتهم الهلال، وأن أهل المدينة صاموا يوم السبت على: أنه أول رمضان بناءً على رؤيتهم، وأنّ ابن عباس قرّر أنّ لأهل المدينة رؤيتهم، وحين قيل له: "ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟"، ردَّ الكلام على رؤية أهل المدينة، وقال: "لا، هكذا أمَرَنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وللعلماء في هذه المسألة وجوه سأذكرها الآن:
الوجه الأول: إذا رأوا هلال رمضان في بلد، لزم الصوم أهلَ كلِّ بلد موافق الرؤية في المطلع أو يسبقها، دون البلاد التي تتأخّر عنه في المطلع. وإنما لزم من سبقه؛ لأن خفاءه عنهم كان بعارض حتمًا. وإلى هذا ذهب جمهور الشافعية. قال الإمام النووي: "وهذا أصحّ الآراء". ووجّهه الماوردي بقوله: "إن الطوالع والغروب قد تختلف باختلاف البلدان، وإنما خوطب كلّ قوم بمطلعهم ومغربهم. ألا ترى الفجر قد يتقدّم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر؟ وكذلك الشمس قد يتعجّل غروبها في بلد ويتأخّر في بلد آخر. ثم كلّ بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حقّ أهله؟ فكذلك الهلال".
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
الوجه الثاني: إذا رؤي هلال رمضان في بلد، لزم الصوم أهلَ إقليم بلد الرؤية دون غيرهم؛ لأن اللّزوم يكون بحكم القاضي بناءً على شهادة عدل أو عدلين.
الوجه الثالث: إذا رؤي هلال رمضان في بلد، لزم الصوم أهل البلاد التي تقع منها دون مسافة القصر؛ قاله جماعة من الشافعية، منهم: الفوراني، وإمام الحرمين، والغزالي، والبغوي، وآخرون... ووجّهوه بأن اعتبار المطالع يحتاج إلى حساب وإلى تحكيم المنجِّمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك؛ فوجب اعتبار مسافة القصر التي علّق بها الشرع كثيرًا من الأحكام. قال النووي: "وهذا ضعيف؛ لأن أمر الهلال لا تعلّق له بمسافة القصر. فالصحيح: اعتبار المطالع".
الوجه الرابع: إذا رؤي هلال رمضان في بلد، لا يلزم الصوم غير أهل بلد الرؤية؛ نقله ابن المنذر عن: عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق بن راهويه.
الوجه الخامس: إذا رُؤي هلال رمضان في بلد من بلاد المسلمين، لزم الصوم جميع المسلمين في الأرض؛ لأن فرض الصوم في رمضان لا يختلف باختلاف البلاد، وقد ثبت رمضان. حكاه ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد، وقال: "ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي -يقصد بهما: مالكًا وأبا حنيفة-. انظر هذا القول تجدْه يحكم على المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها: أن يصوموا لمجرّد إقليم يَرى الصوم.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
ومن هنا يتّضح: أن في الأمر اتساعًا، بل في العمل بالحساب متّسع أيضًا، وبالأخذ بأيّ قولٍ من أقوال العلماء مقبول -إن شاء الله-. لكن الذي يجب أن ننبّه عليه: ألّا ترتبط الفتوى بالسياسة، نرضى عن سياسة دولة فنأخذ برؤيتها ونحكم بالصوم، ونختلف معها مرةً فلا نأخذ برؤيتها. هذا هو المرفوض والمذموم شرعًا؛ لأننا عندئذٍ نكون قد اتّبعنا هوانا، وتحوّل ديننا إلى نوازعنا، وترتبط شريعتنا بزوابع هي غنية عنها وبريئة منها.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
الشعبة الثالثة التي تحدّث عنها الشيخ موسى في كتابه "فتح المُنْعِم": حكم الصوم في يوم الشكّ
صوم يوم الشكّ هو: اليوم الذي يعقب التاسع والعشرين من شعبان. ويسمَّى يوم الشك: حين لا نجزم أنّه من شعبان أو من رمضان. أما حين الجزم أنّه من رمضان، فالأمر ظاهر، وصيامه واجب. وحين الجزم إنه من شعبان، فظاهر الروايات يمنع صيامه، لقوله -عليه الصلاة والسلام- في هذه الروايات المذكورة: ((لا تقدُموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين، إلا رجل كان يصومُ صومًا فلْيَصُمْه)). يعني: إذا وافق عادةً عند أحدٍ يصومه.
قال النووي: "في هذا الحديث: التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين، لمن لم يصادفْ عادةً له، أو يصله بما قبله. فإن لم يصِلْه ولا صادف عادة له، فهو حرام. هذا هو الصحيح في مذهب الشافعية لهذا الحديث، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا تقدُموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)) أو ((لا تقدِّموا رمضان -أو- لا تقدِّموا بين يدي رمضان صومَ يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فلْيَصُمْه))".
وفي حديث عند أبي داود وغيره: ((إذا انتصف شعبان، فلا صيام حتى يكون رمضان)). فإن وصَلَه بما قبله أو صادف عادةً له، كمن كانت عادته صوم يوم الاثنين مثلًا، فصادفه فصامه تطوّعًا بنيّة ذلك، جاز لهذا الحديث. وسواء في النهي لمن لم يصادف عادته ولا وصله يوم الشّكّ وغيره، فيوم الشّكّ داخلٌ في النهي.
قال الحافظ ابن حجر: "ويلتحق بالوصل والعادة: القضاء والنذر، لوجوب الوفاء بهما بالأدلة القطعية، ولا يبطل القطعي بالظن.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
والحكمة في منع الصوم قبل رمضان هي: التقوِّي بالفطر لرمضان ليدخل في رمضان بقوّة ونشاط. وقيل: الحكمة فيه: خشية اختلاط النفل بالفرض؛ وفي ذلك نظر؛ لأنه يجوز لمن له عادة ومع ذلك لا يؤمن الاختلاط، فكيف يقال خشية الاختلاط. وقيل: لأن الحكم علّق بالرؤية، فمن تقدّمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم؛ وهذا هو المعتمد.
وقد ذهب كثير من العلماء إلى: أن معنى الحديث: ((لا تستقبلوا رمضان بصيام)) على نيّة الاحتياط لرمضان؛ هذا هو رأي أولئك العلماء، أي: لا تصوموا يوم ثلاثين من باب الاحتياط؛ هذا ممنوع. قال الترمذي: "العمل على هذا عند أهل العلم. كرهوا: أن يتعجّل الرجل بصيامٍ قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. يعني: الاحتياط. وهذا الذي قاله إنّما يصحّ لو أن النّهي عن التقدم بيوم فقط، أما التقدّم بيومين فلا يتأتّى فيه قصد الاحتياط.
والّذي تستريح له النّفس: أنّ النّهي عن استقبال رمضان بصوم إنما أريد به: استقباله بما يليق به من قدسية وفضل، وميزة عن بقية الشهور، يُضعف وصْلُه بغيره من بهجتها ورونقها، وانشراح النفس واستعدادها، واستقبال ما تفتح له الجنان، وتغلق له النيران، وتصفَّد له مردة الشياطين، وتضاعف فيه الحسنات. وأما الاحتياط، فيتصوّر في يوم الشك نفسه، ولمعنى الشك في كونه من رمضان، وفيه خلاف بين الفقهاء، وظاهر قوله- صلى الله عليه وسلم-: ((لا تصوموا حتى تروُا الهلال)): منْع صوم يوم الشك.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
واستدلّ البخاريّ على ذلك أيضًا بقول عمّار: "من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم". قال الحافظ ابن حجر: "استدل به على: تحريم صوم يوم الشك؛ لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبل المرفوع حكمًا". ثم قال: "ويدخل في يوم الشك: صورة الغيم وغيرها؛ وعلى هذا جمهور الشافعية". قال الإمام العيني: "وقد صحّ عن أكثر الصحابة والتابعين ومَن بَعْدَهم كراهةُ صوم يوم الشك على أنّه من رمضان. وجاء ما يدل على الجواز عن جماعة من الصحابة: قال أبو هريرة: "لأن أتعجّل صومَ يومٍ أحبّ إليّ من أن أتأخّر؛ لأني إذا تعجّلت لم يَفُتْني، وإذا تأخّرت فاتني". ومثل ذلك روي عن عمرو بن العاص. كما روي مثله أيضاً عن معاوية قال: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يومًا من رمضان". وروي مثله عن عائشة وأسماء بنتَيْ أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما، ورضي الله عن أبيهما أبي بكر الصديق-.
وباعث الشّكّ قد يكون غيمًا في السماء، أو قطرة تحول دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان؛ وهذه الحالة لا يُسميها الإمام أحمد شكًّا، ويوجب صوم اليوم على أنه من رمضان.
وقال الشافعي: "لا يجوز صوم هذا اليوم فرضًا ولا نفلًا مطلقًا، ويصحّ قضاءً وكفّارةً ونذرًا، ونفلا يوافق عادةً".
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز صوم هذا اليوم عن فرض رمضان، ويجوز عمّا سوى ذلك. أي: يجوز عن التطوع وغيره. وللإمام أحمد قول كقول الشافعي. وثالث يقول -من آراء الإمام أحمد-: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر.
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
وقد يكون باعث الشك: تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو شهادة بالرؤية لم يقبلها الحاكم؛ وهذه الحالة هي التي يخصّ الإمام أحمد يوم الشّكّ بها، ويذهب فيه ما يذهب فيها وفي سابقتها الجمهور.
ويستدل أحمد بما أخرجه بسنده عن نافع قال: "كان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث مَن ينظر. فإن رأى فذلك، وإن لم يرَ ولم يَحُل دون منظره سحاب ولا قطر، أصبح مفطرًا. وإن حال أصبح صائمًا".
ونقل ابن المنذر الإجماعَ على: أنّ صوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال مع الصحو: لا يجب بإجماع الأمّة. قال: "وقد صحّ عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته. قال الحافظ ابن حجر: "وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقًا".
١٣.١ الصيام: مشروعيته، تعريفه، أقسامه، فضله، رؤية الهلال
والشعبة الرابعة: ما يستفاد من هذه الأحاديث المتفرقة يؤخذ من هذه الأحاديث بعد دراستها:
أن الإشارة التي تُفهِم يُعتدّ بها؛ فلقد عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- إبْهامَه، وفهم الصحابة منه: أن المراد: أن الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعًا وعشرين.
كما يؤخذ من هذه الأحاديث: أنّ ثواب الله تعالى لا يتوقّف على المشقة؛ فإنه أعطى ثواب ثلاثين كما أعطى الثواب لمن صام تسعًا وعشرين؛ ففضْل الله -سبحانه وتعالى- ليس مرتبطًا بالمشقة.
كما ثبتت رؤية الهلال برؤية الواحد، فهنا خبر الواحد مقبولٌ، ويثبت به الصوم.
كما أخذ منه: أنه لو شرع في الصوم في بلد ثبتت فيه الرؤية، فسافر إلى بلد لم تَثبت فيه الرؤية، لا يجوز له الفطر. فإن أقام به حتى استكمل ثلاثين يومًا من حين صام، أفطر سرًّا إن صاموا هم يوم الثلاثين.
واستفيد منه: أنه لو بدأ السفر مفطِرًا من بلدٍ لم يثبت فيه رمضان إلى بلد ثبت فيه، لزِمه الإمساك. فإن أقام رمضان كاملًا حتى العيد، أفطر معهم، ولزمه بعد العيد قضاء يوم، سواء صاموا ثلاثين أو تسعة وعشرين. وإن رجع إلى بلده الأول في رمضان، كان حكمه حكم أهل بلده.
وأُخِذ من هذه الأحاديث: أنه إذا أُخبر ممّن يثق به أنّه رأى الهلال، فإن اعتقد صدْقه لزمه الصوم، كما إذا رأى الهلال بنفسه لزمه الصوم.