
![]() |
هذا الحديث فيه جملة: "وتوارت بالحجاب"، وقع في "صحيح" البخاري: "إذا توارت بالحجاب"، ولم يجر للشمس ذكْر، إحالة على فهم السامع، وما يعطيه قوة الكلام، وهو: تفسير للجملة الأولى، أعني: قوله: "إذا غربت الشمس". |
![]() |
والحديث يدل على: أن وقت المغرب يدخل عند غروب الشمس وهو مُجمَع عليه، وأنّ المسارعة بالصلاة في أوّل وقتها مشروع. وقد اختلف السلف فيها، هل هي ذات وقت أو وقتين؟ |
![]() |
فقال الشافعي: إنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو: أول الوقت. هذا هو الذي نص عليه في كتبه القديمة والجديدة. ونقل عنه أبو ثور: أن لها وقتين: الثاني منهما: ينتهي إلى مغيب الشفق. |
![]() |
قال الزعفراني: وأنكر هذا القول جمهور الأصحاب. ثم اختلف أصحاب الشافعي في المسألة على طريقين. |
![]() |
أحدهما: القطع بأن لها وقتًا فقط. |
![]() |
والثاني: على قولين: أحدهما هذا. والثاني: أنه يمتد إلى مغيب الشمس. وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان. قال النووي: "وهو الصحيح". |
![]() |
قد نقل أبو عيسى الترمذي عن العلماء كافة والصحابة فمَن بَعْدَهم: كراهة تأخير المغرب. ويتمسك القائل بأن لها وقتًا واحداً بحديث جبريل الذي جاء في الأوقات، وذكرناه مرات. |
![]() |
وقد اختلف العلماء بعد اتفاقهم على: أن أول وقت المغرب: غروب الشمس، في العلامة التي يُعرف بها الغروب. فقيل: بسقوط قرص الشمس بكماله؛ وهذا إنما يتم في الصحراء، وأما في العمران فلا. وقيل: برؤية الكوكب الليلي؛ وبه قالت القاسمية. واحتجوا بقوله: "حتى يطلع الشاهد". و"الشاهد": النجم، أخرجه مسلم والنسائي من حديث أبي بسرة. وقيل: بل بالإظلام؛ وإليه ذهب زيد بن علي، وأبو حنيفة والشافعي، وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى، والإمام يحيى، لحديث: ((إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم))، والحديث متفق عليه من حديث ابن عمر وعبد الله بن أبي أوفى، ولما في حديث جبريل من رواية ابن عباس بلفظ: ((فصلَّى بي حين وجبَت الشمس وأفطر الصائم)). |
![]() |
وعن عقبة بن عامر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تزال أمَّتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخِّروا المغرب حتى تشتبك النجوم)). رواه أحمد وأبو داود. والحديث أيضًا أخرجه الحاكم في "المستدرك"، وفي إسناده: محمد بن إسحاق، ولكنه مصرح بالتحديث. |
![]() |
وفي الباب عن العباس بن عبد المطلب عند ابن ماجه والحاكم وابن خزيمة في "صحيحه" بلفظ: ((لا تزال أمّتي على الفطرة ما لم يؤخِّروا المغرب حتى تشتبك النجوم)). قال محمد بن يحيى: "اضطرب الناس في هذا الحديث ببغداد. فذهبتُ أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عباد بن العوام، فأخرج إلينا أصل أبيه؛ فإذا الحديث فيه". وأخرجه أبو بكر البزار من حديث إبراهيم بن موسى، عن عباد بن العوام بسنده، ثم قال: "لا نعلم يروى عن العباس إلا من هذا الوجه". |
![]() |
ورواه غير واحد عن عمرو بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن مرسلًا. قال الترمذي: وحديث العباس وقد روي عنه موقوفًا وهو أصح. قال ابن سيد الناس: "ومراد البزار بالمرسل هنا: الموقوف؛ لأنه متصل الإسناد إلى العباس". وذكر الخلال بعد إيراد هذا الحديث: قال أبو عبد الله: "هذا حديث منكر". ولكن مع هذا القول فالحديث يؤيِّده الحديث الأول، الذي رواه الجماعة إلا النسائي وهو: "أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب". |
![]() |
فالحديث يدل على: استحباب المبادرة بصلاة المغرب، وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم. وقد عكست الروافض القضية، فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم مستحبًّا، والحديث يردُّه. |
![]() |
قال النووي في "شرح مسلم": "إن تعجيل المغرب عقيب غروب الشمس مُجمَع عليه". قال: "وقد حكي عن الشيعة فيه لا التفات إليه ولا أصل له". وأما الأحاديث الواردة في تأخير المغرب إلى قرب سقوط الشفق، فكانت لبيان جواز التأخير، وقد سبق إيضاح ذلك؛ لأنها كانت جوابًا للسائل عن الوقت. |
![]() |
وأحاديث التعجيل المذكورة في هذا الباب وغيره: إخبار عن عادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتكررة التي واظب عليها إلا لعذر؛ فالاعتماد عليها. |

![]() |
قوله: "بقصار السّوَر": قال في "الضياء": هو: من سورة (محمد) إلى آخِر سوَر القرآن الكريم. وذكر في "القاموس" أقوالًا عشرة: من (الحجرات) إلى آخره. قال في الأصح: أو من (الجاثية)، أو (القتال)، أو (ق)، أو )الصافات)، أو (الصف)، أو (تبارك)، أو (إنا فتحنا لك)، يعني: أو (تبارك الملك)، أو (إنا فتحنا لك)، أو (سبح اسم ربك الأعلى)، أو (الضحى). ونسب بعض هذه الأقوال إلى مَن قال بها. قال: "وسمِّي مفصَّلًا لكثرة الفصول بين سوَره، أو لقلة المنسوخ. |
![]() |
وقوله: "بطولَى الطوليْن" في "الفتح": "الطوليْن": (الأعراف) و(الأنعام) في قولٍ. وتسميتهما بـ"الطوليْن" إنما هو لعُرْف فيهما، لا أنهما أطول من غيرهما. وفسرهما ابن أبي مليكة بـ(الأعراف) و(المائدة)، و(الأعراف) أطول من صاحبتها, قال الحافظ ابن حجر: "إنه حصل الاتفاق على تفسير "الطُّولى" بـ(الأعراف)". |
![]() |
والحديث يدل على: استحباب التطويل في قراءة المغرب. وقد اختلفت حالات النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها. فثبت عند الشيخين من حديث جبير بن مطعم أنه قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بـ(الطور)". وثبت أنه قرأ في المغرب بـ(الصافات)، وأنه قرأ فيها بـ(حم الدخان)، وأنه قرأ بـ(سبح اسم ربك الأعلى)، وأنه قرأ بـ(التين والزيتون)، وأنه قرأ بـ(المعوذتين)، وأنه قرأ بـ(المرسلات)، وأنه قرأ بالمفصَّل. وجيء بهذا الحديث للاستدلال به على: امتداد وقت المغرب؛ وبهذا قال كثير من العلماء. |
![]() |
واستدل الخطابي وغيره بهذا الحديث على: امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق. قال الحافظ: "وفيه نظر؛ لأن من قال: إن لها وقتاً واحدًا لم يحُدَّه بقراءة معيَّنة؛ بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشمس، وله أن يمدّ القراءة فيها ولو غاب الشفق. ولا يخفى ما فيه؛ لأن تعمّد إخراج بعض الصلاة عن الوقت ممنوع، ولو أجزأت. فلا يحمل ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك". |
![]() |
وللمزيد من البيان، نقرأ ما كتبه ابن قدامة في طالمغني" أيضًا عن وقت صلاة المغرب، قال: "وإذا غابت الشمس، وجبت المغرب. ولا يستحب تأخيرها إلى أن يغيب الشفق". هذه المسألة هي مسألة الخرقي، علَّق صاحب "المغني" قائلًا: "أما دخول وقت المغرب بغروب الشمس، فإجماع أهل العلم، لا نعلم بينهم خلافًا فيه. والأحاديث دالة عليه. وآخره: مغيب الشفق؛ وبهذا قال الثوري وإسحاق، وأبو ثور وأصحاب الرأي، وبعض أصحاب الشافعية. وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلا وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل -عليه السلام- صلاها بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في اليومين لوقت واحد، في بيان مواقيت الصلاة. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تزال أمَّتي بخير ما لم يؤخِّروا المغرب إلا أن تشتبك النجوم))، ولأن المسلمين مُجمِعون على فعلها في وقت واحد في أول الوقت. وعن طاوس: "لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر، ونحوه عن عطاء لما ذكرناه في الظهر والعصر". |
![]() |
وللجمهور وللحنابلة معهم حديث بريدة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق"، وفي لفظ رواه الترمذي: "فأخَّر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق". |
![]() |
وروى أبو موسى: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخَّر المغرب في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق"، رواه مسلم وأبو داود. |
![]() |
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((وقت المغرب: ما لم يَغِب الشفق))، رواه مسلم. |
![]() |
وفي حديث أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن للصلاة أولًا وآخرًا. وإنَّ أوَّل وقت المغرب: حين تغرب الشمس. وإن آخر وقتها: حين يغيب الأفق))، رواه الترمذي. |
![]() |
وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها بشيء محتمَل. ولأنها إحدى الصلوات، فكان لها وقت متَّسع كسائر الصلوات، ولأنها إحدى صلاتي جمع، فكان وقتها متصلًا بوقت التي تُجمع إليها كالظهر والعصر، ولأن ما قبل مغيب الشفق وقت لاستدامتها، فكان وقتًا لابتدائها كأول وقتها. |
![]() |
وأحاديثهم محمولة على: الاستحباب والاختيار وكراهة التأخير؛ ولذلك قال الخرقي: "ولا يستحب تأخيرها؛ فإن الأحاديث فيها: تأكيد لفعلها في أوَّل وقتها، وأقلّ أحوالها: تأكيد الاستحباب. وإن قدِّر أن الأحاديث متعارضة وجب حمل أحاديثهم على أنها منسوخة؛ لأنها في أول فرض الصلاة بمكة، وأحاديثنا بالمدينة متأخرة فتكون ناسخة لما قبلها مما يخالفها". |