٩.٢ وقت صلاة العصر



٩.٢ وقت صلاة العصر


شرح الحديث

قوله: ((ثور الشفق)): هو بـ"الثاء" المثلثة، أي: ثورانه وانتشاره ومعظمه. في "القاموس" أنه حُمرة الشفق الثائرة فيه.
وقوله: ((قَرْن الشمس)) هو: ناحيتها، أو أعلاها، أو أول شعاعها، قاله في "القاموس".
قوله: ((ويسقط قرنها الأوَّل)) المراد به: الناحية كما قاله النووي.
والحديث فيه: ذكر أوقات الصلوات الخمس، وتقدم الكلام على الظهر، والآن بيان وقت العصر.


٩.٢ وقت صلاة العصر


وقت العصر

الحديث يدل على: امتداد وقته إلى اصفرار الشمس، كما في الرواية الأولى من حديث الباب: حديث جابر، وإلى سقوط قرنها أي: غروبه كما في الرواية الثانية التي ذكرناها الآن.



٩.٢ وقت صلاة العصر


شرح الحديث

وقال أبو حنيفة: آخِره: الاصفرار. وقال الأصطخري: آخره: المثلان، وبعدها قضاء. والأحاديث تردُّ عليه، ولكن استدل -الأصطخري- بحديث جبريل السابق وفيه: "أنه صلى العصر اليوم الأوَّل عند مصير ظل الشيء مثله، واليوم الثاني عند مصير ظل الشيء مثليه، وقال بعد ذلك: ((الوقت ما بين هذين الوقتين))". وقد أجيب عن ذلك: بحمل حديث جبريل على: بيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الاضطرار، والجواز. وهذا الحمل لا بد منه للجمع بين الأحاديث؛ وهو أوْلى من قول من قال: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل؛ لأن النسخ لا يُصار إليه مع إمكان الجمع. وكذلك لا يُصار إلى ترجيح مع إمكان الجمع.
ويؤيِّد هذا الجمع حديث: ((تلك صلاة المنافق)) وهو: تأخير الصلاة إلى ما قبيل الغروب. فمن كان معذورًا كان الوقت في حقه ممتدًّا إلى الغروب. ومن كان غير معذور، كان الوقت له إلى المثلين، وما دامت الشمس بيضاء نقية. فإن أخَّرها إلى الاصفرار وما بعده، كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث.
وأما أوّل وقت العصر، فذهب العترة والجمهور: أنه مصير ظل الشيء مثله، لِما تقدم في حديث جبريل.
وقال الشافعي: بالزيادة على المثل.


٩.٢ وقت صلاة العصر


وقال أبو حنيفة: المثلان، وهو فاسد تردُّه الأحاديث الصحيحة. قال النووي في "شرح مسلم": "قال أصحابنا -أي: الشافعية-: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع كراهة، ووقت عذر. فأما وقت الفضيلة: فأوّل وقتها. ووقت الاختيار: يمتد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه. ووقت الجواز: إلى الاصفرار. ووقت الجواز مع الكراهة: حال الاصفرار إلى الغروب. ووقت العذر هو: وقت الظهر في حق من يجمع بين العصر والظهر لسفر أو مطر.
ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداءً. فإذا فاتت كلها بغروب الشمس، صارت قضاء".
في الحديث دليل أيضًا على: أن للمغرب وقتيْن، وأن الشفق: الحمرة، وأن وقت الظهر يُعاقِبه وقت العصر، وأن تأخير العشاء إلى نصف الليل جائز.
وفي هذا الحديث أيضًا: دليل على: أن للمغرب وقتين؛ استدل على ذلك بقوله في الحديث: ((ووقت المغرب: ما لم يسقط ثور الشفق)). قال النووي في "شرح مسلم": "وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها -يعني المغرب- ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت؛ وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره".


٩.٢ وقت صلاة العصر


والجواب عن حديث جبريل حين صلَّى المغرب في يومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز؛ وهذا جارٍ في كلِّ الصلوات سوى الظهر.
والثاني: أنه متقدم في أوَّل الأمر بمكة. وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخِّرة في آخر الأمر بالمدينة، ووجب اعتمادها.
والجواب الثالث: أن هذه الأحاديث أصحّ إسنادًا من حديث بيان جبريل، فوجب تقديمها.
وقوله: أن ((الشفق: الحمرة))، قد أخرج ابن عساكر في "غرائب مالك" والدارقطني والبيهقي، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: ((الشفق: الحمرة؛ فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة))، ولكنه صحح البيهقي وقْفه، وقد ذكره نحوه الحاكم.

٩.٢ وقت صلاة العصر


عن أنس قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرنَي الشيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا))، رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
وعن أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال وأتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يردّ عليه شيئًا، وأمر بلالًا فأقام الفجر حين انشقّ الفجر والناس لا يكاد يَعرف بعضُهم بعضًا. ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول: "انتصف النهار أو لم"، وكان أعلم منهم. ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة. ثم أمره فأقام المغرب حين وقبت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أخَّر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: "طلعت الشمس أو كادت". وأخَّر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس. ثم أخَّر العصر فانصرف منها والقائل يقول: "احمرَّت الشمس". ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق.
وفي لفظ: "فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وأخَّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأوَّل. ثم أصبح فدعا السائل فقال: ((الوقت فيما بين هذين))"، رواه أحمد ومسلم، والحديث صحَّحه الترمذي.


٩.٢ وقت صلاة العصر


وحديث بريدة صحَّحه الترمذي، ولفظه: "أن رجلًا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن وقت الصلاة فقال: ((صلِّ معنا هذيْن الوقتيْن)). فلما زالت الشمس، أمر بلالًا فأذَّن، ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، وأنعم أن يبرد بها. وصلى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان. وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق. وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل. وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: ((أين السائل عن وقت الصلاة؟))، فقال الرجل: "أنا يا رسول الله"، قال: ((وقت صلاتكم: بين ما رأيتم))". هذه الأحاديث كلها بيَّنت أوقات الصلاة، وأن جبريل -عليه السلام- هو الذي حدد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوقات الصلاة، فلم يكن الأمر اجتهادًا.


٩.٢ وقت صلاة العصر


الصلاة الوسطى

أما الصلاة الوسطى فأغلب الآراء: أنها صلاة العصر. وقال بعض العلماء: إنها صلاة الظهر. وقيل غير ذلك...
وسنقوم بدراسة الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع:


عن علي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم الأحزاب: ((ملأ الله قبورَهم وبيوتهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس))، هذا الحديث متفق عليه.
ولمسلم وأحمد وأبي داود: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر)).

٩.٢ وقت صلاة العصر


شرح الحديث

وهذه الرواية الأخيرة رواها المهدي قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: "قلت لعبيدة: "سَل عليًّا عن الصلاة الوسطى"، فسأله فقال: "كنا نراها الفجر، حتى سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر)). قال ابن سيد الناس: "وقد روي ذلك عنه من غير وجه". والحديث يدل على: أن الصلاة الوسطى هي: صلاة العصر. وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال بعد اتفاقهم على أنها آكد الصلوات. والرأي الراجح: أنها صلاة العصر.

كما جاء في هاتين الروايتين عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وأرضاه-. ولنذكر الأقوال التي جاءت في المراد بالصلاة الوسطى.

القول الأول -وهو: الراجح، وهو: قول الجمهور-: إنها العصر؛ وإلى ذلك ذهب: علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبيّ بن كعب، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وعبيدة السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والكلبي، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وابن المنذر؛ نقله عن هؤلاء جميعًا: النووي وابن سيد الناس في "شرح الترمذي" وغيرهما... ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم... ورواه المهدي في "البحر" عن علي والمؤيد بالله، وأبي ثور وأبي حنيفة.


٩.٢ وقت صلاة العصر


القول الثاني: أنها الظهر؛ نقله الواحدي عن زيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وأسامة بن زيد، وعائشة، ونقله ابن المنذر عن عبد الله بن شداد وغيرهم...
القول الثالث: أنها الصبح؛ وهو مذهب الشافعي، صرَّح به في كتبه، ونقله النووي وابن سيد الناس عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم...
القول الرابع: أنها المغرب؛ وإلى ذلك ذهب قبيصة بن ذؤيب.
القول الخامس: أنها العشاء، ونسب ذلك إلى ابن سيد الناس وغيره...
القول السادس: أنها الجمعة في يوم الجمعة، وفي غير الجمعة هي الظهر. وكان دليل من قال: هي الظهر: أن قبل الظهر صلاتين بالليل، وصلاتين بالنهار.
القول السابع: أنها إحدى الخمس، يعني: مبهَمة. إما الصبح، وإما الظهر، وإما العصر، وإما المغرب، وإما العشاء.
القول الثامن: أنها جميع الصلوات الخمس؛ حكاه القاضي والنووي، ورواه ابن سيد الناس عن بعض العلماء.
القول التاسع: أنها صلاتان: صلاة العشاء، وصلاة الصبح.

والرأي الراجح والمقبول والصواب هو: الرأي الأول، وهو: أنَّ المراد بالصلاة الوسطى هي: صلاة العصر.

٩.٢ وقت صلاة العصر


القول العاشر: أنها الصبح والعصر.
القول الحادي عشر: أنها الجماعة، يعني: الصلاة الوسطى هي: صلاة الجماعة، أيًّا كانت، صبحًا، أو ظهرًا، أو عصرًا، أو مغربًا، أو عشاءً.
القول الثاني عشر: أنها صلاة الخوف.
والقول الثالث عشر: أنها الوتر.
والقول الرابع عشر: أنها صلاة عيد الأضحى.
والقول الخامس عشر: أنها صلاة عيد الفطر.
القول السادس عشر: أنها الجمعة.
القول السابع عشر: أنها صلاة الضحى، يعني: في المسألة سبعة عشر رأياً.


٩.٢ وقت صلاة العصر


ومعنا بدأنا الكلام بروايتين وهما أصح شيء في هذا:

حديث علي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يوم الأحزاب: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس))، متفق عليه.
ولمسلم ولأحمد وأبي داود: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر)).
وعنه أيضًا قال -أي علي-: "كنا نراها الفجر، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((هي صلاة العصر))، يعني: الصلاة الوسطى.
وعن ابن مسعود: "حبس المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافَهم وقبورهم نارًا، -أو- حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً))، رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.

٩.٢ وقت صلاة العصر


وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((صلاة الوسطى: صلاة العصر))، رواه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وعن سمرة بن جندب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((الصلاة الوسطى: صلاة العصر))، رواه أحمد والترمذي وصحّحه. وفي رواية لأحمد قال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ))حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى((، وسمَّاها لنا: أنها صلاة العصر"، حديث ابن مسعود الثاني الذي فيه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((صلاة الوسطى: صلاة العصر)): حديث صحيح، أخرجه مسلم وغيره...
وحديث سمرة الذي جاء بعده: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الصلاة الوسطى: صلاة العصر))، حسَّنه الترمذي في: كتاب الصلاة من "سننه"، وصحَّحه في: التفسير؛ ولكنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في صحة سماعه منه، وقال شعبة: "لم يسمع منه شيئًا"، وقيل: سمع منه حديث العقيقة. وقال البخاري: "قال علي بن المديني: "سماع الحسن من سمرة صحيح، ومن أثبت مقدَّمٌ على مَن نفى". ورواية أحمد ذكرها الحافظ ابن سيد الناس في "شرح الترمذي"، ولم يتكلم عليها، وما في "الصحيحين" وغيرهما يشهد لها.
وفي الباب عن عمر عند النسائي والترمذي، وقال: "ليس بإسناده بأس". وعن أبي هريرة عند الطحاوي والدمياطي، وأشار إليه الترمذي عن أبي هاشم بن عتبة عند الطحاوي، وأشار إليه الترمذي أيضًا.

٩.٢ وقت صلاة العصر


شرح الحديث

وهذه الأحاديث مصرِّحة بأن الصلاة الوسطى هي: صلاة العصر. فهي مِن حجج أهل القول الأول الذي ذكرناه، وهو القول الراجح، بل هو الصواب.
في الحديث قوله عن صلاة العصر هكذا وقع في "صحيحي" البخاري ومسلم، وظاهره: أنه لم يفت غيرها. وفي "الموطأ" أنها: الظهر والعصر. وفي الترمذي والنسائي بإسناد لا بأس به من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: "شغل المشركون رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله. فأمر بلالًا فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء"، ومثله أخرج أحمد والنسائي، وأشار إليه الترمذي من حديث أبي سعيد.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم: من رجّح ما في "الصحيحين" كابن العربي. ومنهم: مَن جمع بين الأحاديث في ذلك، بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك كلّه في أوقات مختلفة في تلك الأيام؛ وهذا أولى من الأول لأن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه؛ وهذا إسناد صحيح جليل.


٩.٢ وقت صلاة العصر


وأيضًا لا يُصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع. على أن الزيادة مقبولة بإجماع، إذا وقعت غير منافية للمزيد.
وقوله: "حتى احمرّت الشمس" أو "اصفرّت"، في بعض روايات الصحيح: "حتى غابت"، قيل: إن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف. قال العلماء: يحتمل: أنه أخرها نسيانًا لا عمدًا. كان السبب في النسيان: الاشتغال بالعدوّ، وكان هذا عذرًا قبل نزول صلاة الخوف على حسب الأحوال.
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: "نزلت هذه الآية: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وصلاة العصر"، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ))حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى(( (البقرة ٢٣٨)، فقال رجل: "هي إذن: صلاة العصر، فقال: "قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخَها الله". رواه أحمد ومسلم. أخرجه مسلم من طريق شقيق بن عقبة، عن البراء. وليس له في "صحيحه" عن شقيق غير هذا الحديث. وفيه متمسك لمن قال: إن الصلاة الوسطى هي: العصر، من قرينة اللفظ المنسوخ وإن لم يكن صريحًا في المطلوب؛ لأنه لا يجب أن يكون معنى اللفظ الناسخ معنى اللفظ المنسوخ. وربما تمسك بها من يرى: أنها غير العصر قائلًا: لو كان المراد باللفظ الناسخ معنى اللفظ المنسوخ لم يكن للنسخ فائدة؛ فالعدول إلى لفظ ))الْوُسْطَى(( ليس إلا لقصد الإبهام. ويجاب عنه بأنه أرشد إلى: أن المراد بالناسخ المبهَم نفس المنسوخ المعيَّن ما في الباب من الأدلة الصحيحة.


٩.٢ وقت صلاة العصر


وعلى ذلك، فالأمر صريح والأمر ظاهر بأن الصلاة الوسطى هي: صلاة العصر، وأنها كانت موجودة في القرآن الكريم، بنص: "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر". يقول البراء: "قرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ))حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى((.
وعن أبي يونس مولى عائشة -رضي الله عنها- أنه قال: "أمرتني عائشة: أن أكتب لها مصحفًا فقالت: "إذا بلغت هذه الآية فآذِنِّي" -يعني: فأعلِمْني: ))حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى((. فلما بلغتُها آذنتها -أي:أعلمْتُها- فأمْلَتْ عليَّ: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين". قالت عائشة: "سمعتُها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
في الباب عن حفصة عند مالك في: المصحف، قال عمرو بن رافع: "إنه كان يكتب لها مصحفًا، فقالت له: "إذا انتهيتَ إلى: ))حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى(( فآذِنِّي"، فآذنتُها فقالت: "اكتب: ""والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين".


٩.٢ وقت صلاة العصر


شرح الحديث

استدل بالحديث من قال: إن الصلاة الوسطى: غير صلاة العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وهو راجع إلى الخلاف الثابت في الأصول من القراءة الشاذة، هل تُنزل أخبار الآحاد فتكون حجة كما ذهب إلى ذلك الحنفية وغيرهم؟ أم لا تكون حجة لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر، كما ذهب إلى ذلك الشافعي وغيره؟ والراجح: الأول.
وقد غلط من استدل من الشافعية بحديث عائشة وحفصة على: أن هذه الصلاة الوسطى ليست بصلاة العصر، لما ذكر من أن مذهبهم في الأصول يأبى هذا الاستدلال.
وأجيب عن هذا الاستدلال بهذا الحديث من طرف القائلين بأنها العصر :
أن تكون "الواو" زائدة في ذلك على حد زيادتها في قوله تعالى: ))وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِن الْمُوقِنِينَ(( (الأنعام: ٧٥)؛ فالمعنى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين؛ فتكون القراءة: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر"، وتكون "الواو" زائدة. والعلماء يقولون: صلة، احترامًا مع ألفاظ القرآن الكريم.

٩.٢ وقت صلاة العصر


وكذلك قوله تعالى: ))وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْت(( (الأنعام: ١٠٥) أي: وكذلك نصرف الآيات ليقولوا درست، فـ"الواو" زائدة فتكون زائدة أيضًا في قوله: "وصلاة العصر".
وكذلك قوله تعالى: ))وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ(( (الأحزاب: ٤٠) قالوا: "الواو" زائدة أيضًا والمعنى، ولكن رسول الله خاتم النبيين؛ وهكذا فـ"الواو" في قولها: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر"، المراد: والصلاة الوسطى: صلاة العصر؛ وهذا هو المعنى الصحيح، وهو المشهور، وهو المراد.


٩.٢ وقت صلاة العصر



فهذا الحديث يُتخذ دليلًا على: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الظهر.
وسبق أن قلنا ورجَّحنا: أن المراد بها: صلاة العصر.


٩.٢ وقت صلاة العصر



شرح الحديث

قوله: "الهجير": قال في "القاموس": "الهجيرة" و"الهجير" و"الهاجرة": نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها مع العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا لشدَّة الحر.

فالراجح هو: قول الجمهور، وهو الذي مال إليه أغلب العلماء. وهو: أن المراد بالصلاة الوسطى هي: صلاة العصر.

٩.٢ وقت صلاة العصر


والأثران -أي: الحديثان اللذان ذُكرا الآن: حديث زيد بن ثابت، وحديث أسامة بن زيد- استدل بهما من قال: إن الصلاة الوسطى هي: الظهر.
ومجرد كون صلاة الظهر كانت شديدة على الصحابة لا يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما في ذلك أن المناسب أن تكون الوسطى هي: الظهر. ومثل هذا لا يعارض به تلك النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة في "الصحيحين" وغيرهما من طرق متعددة. فقد ثبت -كما ذكرت سابقًا- أحاديث صحيحة مقبولة عند كل العلماء: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العصر.