٩.١ وقت صلاة الظهر


وقت صلاة الظهر

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءه جبريل -عليه السلام- فقال له: "قم فصلِّهْ"، فصلَّى الظهر حين زالت الشمس. ثم جاءه العصر فقال: "قم فصَلِّهْ"، فصلَّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثله. ثم جاءه المغرب فقال: "قُم فصلِّهْ"، فصلَّى المغرب حين وجبت الشمس. ثم جاءه العشاء فقال: "قم فصَلِّهْ"، فصلَّى العشاء حين غاب الشفق. ثم جاءه الفجر فقال: "قُمْ فصَلِّهْ"، فصلَّى الفجر حين برق الفجر، أو سطع الفجر. ثم جاءه من الغد بالظهر فقال: "قم فصلِّهْ"، فصلى الظهر حين صار كل شيء مثلَه. ثم جاءه العصر فقال: "قم فصَلِّهْ"، فصلَّى العصر حين صار كلُّ شيء مثليْه. ثم جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يزُلْ عنه. ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل، فصلَّى العشاء. ثم جاءه حين أسفر جدًّا فقال: "قمْ فصلِّهْ"، فصلَّى الفجر. ثم قال: "ما بين هذين الوقتين وقت"، هذا الحديث، رواه الإمام أحمد بن حنبل والنسائي والترمذي بنحوه. وقال: البخاري: "هو أصح شيء في المواقيت". أخرجه أيضًا ابن حبان والحاكم.

٩.١ وقت صلاة الظهر


شرح الحديث

قوله: ((فصلِّه)): "الهاء" هنا للسكت.
قوله: ((حين وجبت الشمس)): "الوجوب": السقوط. والمراد: سقوطها للغروب.
وقوله: ((حين زالت الشمس)) أي: مالت إلى جهة المغرب.
وقوله: ((حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه)):" الظل" هو: الستر؛ ومنه قولهم: "أنا في ظله". وظل الليل: سواده؛ لأنه يستر كل شيء. وظل الشمس: ما ستر به الشخص من مسقطها.
قال ابن عبد البر: "وكانت إمامة جبريل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم الذي يلِي ليلة الإسراء. وأوَّل صلاة أُدِّيتْ كذلك هي: صلاة الظهر على المشهور. وقيل: هي صلاة الصبح كما ثبت من حديث ابن عباس عند الدارقطني".


٩.١ وقت صلاة الظهر


قال الحافظ ابن حجر: "والصحيح: خلافه. فالأشهر: أنه الظهر". يعني: جبريل أتى فأمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الظهر. وذكر ابن أبي خيثمة عن الحسن: أنه ذكر له: أنه لما كان عند صلاة الظهر نودي: "إن الصلاة جامعة"، ففزع الناس -أي: اجتمعوا إلى نبيهم-. فصلى بهم الظهر أربع ركعات، يؤمّ جبريل محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، ويؤم محمد الناس، لا يسمعهم فيهن قراءة، يعني: لا يسمعهم قراءة (الفاتحة) ولا السورة التي بعد (الفاتحة) في صلاة الظهر؛ لأنها صلاة سرية.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جرير قال: "قال نافع بن جبير وغيره: "لما أصبح النبي -صلى الله عليه وسلم- من الليلة التي أسري به فيها، لم يَرُعْه إلا جبريل نزل حين زالت الشمس؛ ولذلك سُميَتْ الأولى، فأمر فَصِيح بأصحابه: "الصلاة جامعة". فاجتمعوا فصلَّى جبريل بالنبي، وصلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالناس وطوَّل الركعتين الأولييْن، ثم قصَّر الباقيتين: الثالثة والرابعة.
وفي حديث أبي موسى: أن صلاة جبريل كانت بمكة. ومعنى كانت بمكة: أنها كانت في أول ليلة أو أوَّل يوم يكون بعد ليلة الإسراء. قال الحربي: "إن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاةً قبل الغروب، وصلاة قبل طلوع الشمس. يعني: يصلوا مرتين: مرة قبل غروب الشمس، ومرة قبل طلوع الشمس.


٩.١ وقت صلاة الظهر


وقال أبو عمر: "قال جماعة من أهل العلم: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن عليه صلاة مفروضة قبل الإسراء، إلا ما كان أُمِر به من صلاة الليل على نحو قيام رمضان من غير توقيت ولا تحديد ركعات، ولا الوقت محصور".
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصْفَه وثلثَه، وقامه معه المسلمون نحوًا من حوْل أي: قرابة من سَنة، حتى شق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى التوبة والتخفيف في ذلك، ونسخه وحطه فضلًا منه ورحمة؛ فلم يبقَ في الصلاة فريضة إلا الخمس.
هذا الحديث يدل على: أن لكل صلاة وقتين إلا المغرب.
ويدل على أن الصلاة لها أوقات مخصوصة لا تجزئ قبلها بالإجماع.
وعلى أن ابتداء وقت الظهر: الزوال. ولا خلاف في ذلك يُعتدّ به. وآخره: مصير ظلِّ الشيء مثله. واختلف العلماء هل يخرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله، أم لا؟
فذهب الهادي ومالك وطائفة من العلماء: أنه يدخل وقت العصر، ولا يخرج وقت الظهر. وقالوا: يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالحًا للظهر والعصر أداء. قال النووي في "شرح مسلم": "واحتجوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فصلَّى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. وصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه)). وظاهره اشتراكهما بقدر أربع ركعات".


٩.١ وقت صلاة الظهر


قال: "وذهب الشافعي والأكثرون إلى: أنه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر؛ بل متى خرج وقت الظهر بمصير ظلِّ الشيء مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال، دخل وقت العصر. وإن دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر.
واحتجوا بحديث ابن عمرو بن العاص عند مسلم مرفوعًا، بلفظ: ((وقْت الظهر: إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرَّجلِ كطولِه، ما لم يحضر العصر)) الحديث".
قال: "وأجابوا عن حديث جبريل: بأن معناه: فرغ من الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. وشرع في العصر في اليوم الأول: حين صار ظل كل شيء مثله؛ فلا اشتراك بينهما. قالوا: وهذا التأويل متعيِّن للجمع بين الأحاديث. ولأنه إذا حمل على الاشتراك، يكون آخر وقت الظهر مجهولًا؛ لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظلّ كل شيء مثله، لم يعلم متى فرغ منها، وحينئذ لا يحصل بيان حدود الأوقات. وإذا حمل على ذلك التأويل، حصل معرفة آخِر الوقت، فانتظمت الأحاديث على اتفاق.
ويؤيد هذا: أن إثبات ما عدا الأوقات الخمسة: دعوى مفتقِرة إلى دليل خالص عن شوائب المعارضة. فالتوقف على المتيقّن هو: الواجب، حتى يقوم ما يُلجئ إلى المصير إلى الزيادة عليها.
وفي الحديث أيضًا: ذكر بقية أوقات الصلوات، وسيأتي ذلك كله -إن شاء الله-.


٩.١ وقت صلاة الظهر


أزيد الأمر بيانًا ووضوحًا بما جاء في كتاب "المغني" لابن قدامة.
ففي: باب المواقيت، قال -رحمه الله تعالى-: "أجمع المسلمون على: أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محدودة. وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة جيِّدة".
ثم ذكر مسألة وهي المسألة (١٠٩) في كتابه قال: "قال أبو القاسم -رحمه الله-: "وإذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر"، وأبو القاسم هو: الإمام الخرقي.
فقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: بدأ الخرقي بذكر صلاة الظهر؛ لأن جبريل بدأ بها حين أمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عباس وجابر. وبدأ بها -صلى الله عليه وسلم- حين علم الصحابة مواقيت الصلاة، في حديث بريدة وغيره. وبدأ بها الصحابة -رضي الله عنهم- حين سئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما. وصلاة الظهر لها ثلاثة أسماء: "الأولى"، و"صلاة الهجير"، و"صلاة الظهر".
وقال أبو برزة: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلِّي الهجير التي يدْعونها: "الأولى": حين تدحض الشمس". يعني: حين تزول الشمس.
وأجمع المسلمون وأهل العلم على: أن أوَّل وقت الظهر: إذا زالت الشمس؛ قاله ابن المنذر وابن عبد البر. وقد تظاهرت الأخبار بذلك.


٩.١ وقت صلاة الظهر


فمنها ما روى ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أمَّني جبريل عند البيت مرتين، وصلَّى بي الظهر في الأولى منهما، حين كان الفيء مثلَ الشراك. ثم صلى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه. ثم صلَّى المغرب حين وجبت الشمس، وأفطر الصائم. ثم صلى العشاء حين غاب الشفق. ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرُم الطعام على الصائم. وصلَّى في المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، في وقت العصر بالأمس. ثم صلى العصر حين صار ظلُّ كل شيء مثليْه. ثم صلى المغرب لوقته الأوَّل. ثم صلى العشاء الآخِرَة حين ذهب ثلث الليل. ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض. ثم التفتَّ إليَّ جبريل فقال: "يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين))، رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذي وقال: "هذا حديث حسن". وروى جابر نحوه، ولم يذكر فيه: ((لوقت العصر بالأمس)). قال البخاري كما سبق: "أصح شيء في الباب: حديث جابر".

٩.١ وقت صلاة الظهر


شرح الحديث

ومعنى "زوال الشمس": ميْلها عن كبد السماء. ويعرف ذلك بطول ظلِّ الشخص بعد تناهي قِصَره. فمن أراد معرفة ذلك، فليقدِّر ظلَّ الشخص، ثم يصبر قليلًا، ثم يقدِّره ثانيًا؛ فإن كان دون الأوَل فلم تَزُلْ، وإن زاد ولم يَنقُصْ فقد زالت. وأما معرفة ذلك بالأقدام، فتختلف باختلاف الشهور والبلدان. فكلما طال النهار قصُر الظل، وإذا قصُر طال الظل؛ فكل يوم يزيد أو ينقص. فنذكر ذلك في وسط كل شهر على ما حكى أبو العباس السنحي -رحمه الله تعالى- تقريبًا قال: "إن الشمس تزول في نصف حزيران على: قدم وثلث؛ وهو أقل ما تزول عليه الشمس. وفي نصف تمّوز ونصف أيّار على: قدم ونصف وثلث. وفي نصف آب ونيسان على: ثلاثة أقدام. وفي نصف آذار وأيلول على: أربعة أقدام ونصف، وهو: وقت استواء الليل والنهار. وفي نصف تشرين الأول وشباط على: ستة أقدام ونصف. وفي نصف تشرين الثاني وكانون الثاني على: تسعة أقدام. وفي نصف كانون الأول على: عشرة أقدام وسدس. وهذا أنهى ما تزول عليه الشمس. فهذا ما تزول عليه الشمس في أقاليم العراق والشام، وما سامتهما"، يعني: ما ساوتاهما أي: ما كانت على خطوطهما.
فإذا أردت معرفة ذلك، فقف على مستوى من الأرض، وعلِّمِ الموضع الذي انتهى إليه ظلُّك، ثم ضع قدمك اليمنى بين يدي قدم اليسرى، وألصق عقبك بإبهامك، فإذا بلغت مساحة هذا القدر بعد انتهاء النقص، فهو الوقت الذي زالت عليه الشمس، ووجبت به صلاة الظهر. وتجب صلاة الظهر بزوال الشمس، وكذلك جميع الصلوات تجب بدخول وقتها في حق من هو من أهل الوجوب.


٩.١ وقت صلاة الظهر


فأما أهل الأعذار: كالحائض والمجنون والصبي والكافر، فتجب في حقه بأول جزء أدركه من وقتها بعد زوال عذره؛ وبهذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى-.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب تأخر وقتها إذا بقي منه ما لا يتسع لأكثر منها؛ لأنه في أول الوقت يتخير بين فعلها وتركها فلم تكن واجبة كالنافلة.
ولنا أي: للحنابلة: أنه مأمور بها في أول الوقت لقوله تعالى: ))أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ(( (الإسراء: ٧٨)، والأمر يقتضي: الوجوب على الفور. ولأن دخول الوقت سبب للوجوب، فيترتب عليه حكمه حين وجوده. ولأنها يشترط لها نية الفريضة، ولو لم تكن واجبة لصحت بدون نية الواجب كالنافلة وتفارق النافلة، فإنها لا يشترط لها ذلك. ويجوز تركها غير عازم على فعلها، وهذه إنما يجوز تأخيرها مع العزم على فعلها، كما تؤخر صلاة المغرب ليلة مزدلفة عن وقتها، وكما تؤخر سائر الصلوات عن وقتها إذا كان مشتغلًا بتحصيل شرطها.
ويستقر وجوبها بما وجبت به. فلو أدرك جزءًا من أول وقتها ثم جُنَّ أو حاضت المرأة، لزمها القضاء إذا أمكنها. وقال الشافعي وإسحاق: لا يستقر إلا بمضي زمن يمكن فعلها فيه، ولا يجب القضاء بما دون ذلك. واختاره أبو عبد الله بن بطة؛ لأنه لم يدرك من الوقت ما يمكنه أن يصلي فيه فلم يجب القضاء، كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت.


٩.١ وقت صلاة الظهر


ولنا -أي: للحنابلة-: أنها صلاة وجبت عليه ووجب قضاؤها إذا فاتته، كالتي أمكن أداؤها، وفارقت التي طرأ العذر قبل دخول وقتها فإنها لم تجب. وقياس الواجب على غيره غير صحيح. فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقتها. يعني: آخر وقت صلاة الظهر.
المراد: أن الفيء إذا زاد على ما زالت عليه الشمس قدر ظل طول الشخص، فذلك آخر وقت الظهر. قال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله: "وأي شيء آخر وقت الظهر؟"، قال: "أن يصير الظل مثله". قيل له: "فمتى يكون الظل مثلَه؟"، قال: إذا زالت الشمس، فكان الظل بعد الزوال مثله، فهو ذاك".
ومعرفة ذلك: أن يضبط ما زالت عليه الشمس، ثم ينظر الزيادة عليه. فإن كانت قد بلغت قدر الشخص، فقد انتهى وقت الظهر. ومثل شخص الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، أو يزيد قليلًا. فإذا أردت اعتبار الزيادة بقدمك، مسحتها على ما ذكرناه في الزوال، ثم أسقطت منه القدر الذي زالت عليه الشمس. فإذا بلغ الباقي ستة أقدام ونصف، فقد بلغ المثل؛ فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. وبهذا قال مالك والثوري والشافعي والأوزاعي. ونحوه قال أبو يوسف ومحمد، وابن ثور وأبو داود.
وقال عطاء: "لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة". وقال طاووس: "وقت الظهر والعصر إلى الليل". وحكي عن مالك: وقت الاختيار: إلى أن يصير ظلّ كل شيء مثله. ووقت الأداء: إلى أن يبقى من غروب الشمس قدر ما يؤدَّى فيه العصر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بين الظهر والعصر في الحضر.


٩.١ وقت صلاة الظهر


وقال أبو حنيفة: وقت الظهر: إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجيرًا فقال: "من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟". فعملت النصارى، ثم قال: "مَن يعمل لي من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين؟"، فأنتم هم. فغضب اليهود والنصارى وقالوا: "ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟". قال: "هل نقصتكم من حقكم؟"، قالوا: "لا"، قال: "فذلك فضلي أوتيه من أشاء"))، أخرجه البخاري.
وهذا يدل على: أن من الظهر إلى العصر أكثر من العصر إلى المغرب.
قال ابن قدامة: "ولنا: أن جبريل -عليه السلام- صلى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الظهر حين كان الفيء مثل الشراك في اليوم الأوَّل، وفي اليوم الثاني حين صار ظلّ كل شيء مثله، ثم قال: "الوقت ما بين هذين". وحديث مالك محمول على العذر بمطر أو مرض.
وما احتج به أبو حنيفة لا حجة فيه؛ لأنه قال: "إلى صلاة العصر"، وفعلها يكون بعد دخول الوقت، وتكامل الشروط. على أن أحاديثنا قصد بيان الوقت، وخبرهم قُصد به: ضرب المثل. فالأخذ بأحاديثنا أوْلى". قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: "خالف أبو حنيفة في قوله هذه الآثار، وخالف الناس وخالفه أصحابه، والله أعلم".


٩.١ وقت صلاة الظهر


تعجيل وتأخير صلاة الظهر في شدة الحر


٩.١ وقت صلاة الظهر


شرح الحديث

قوله: ((دحضت الشمس)): بفتح "الدال" و"الحاء" أي: زالت.
وهذا الحديث يدل على: استحباب تقديم صلاة الظهر. ذهب إلى ذلك الهادي والقاسم والشافعي والجمهور، للأحاديث الواردة في أفضلية أول الوقت. وقد خصه الجمهور بما عدا أيام شدة الحر. وقالوا: يستحب الإبراد فيها إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج. يعني: صلاة الظهر تعجل في غير أوقات الحر، أمَّا عندما يكون الحر شديدًا، فتؤخَّر صلاتها حتى تبرد الشمس، ويذهب فيحها.
عن أنس قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلِّي الظهر في أيام الشتاء، وما ندري أما ذهب من النهار أكثر، أو ما بقي منه"، رواه أحمد، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق. يعني: أنه عجَّل بصلاة الظهر في الوقت الذي لا يكون فيه حر، إنما كان ذلك التعجيل في الشتاء.
وعن أنس بن مالك قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل" يعني: في وقت الحر يبرد، يعني: ينتظر حتى تميل الشمس وتنكسر الحرارة. وإذا كان الوقت شتاء وبردًا عجَّل صلاة الظهر؛ لأن أول الوقت هو أفضله.
وللبخاري نحو هذا الحديث.


٩.١ وقت صلاة الظهر


وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا اشتد الحرّ، فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم))، رواه الجماعة.
وفي الباب عن ابن عمر عند البخاري وابن ماجه وعن أبي موسى عند النسائي، وعن عائشة عند ابن خزيمة، وعن المغيرة عند أحمد وابن ماجة وابن حبان، وفي رواية للخلال: "وكان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الإبراد"، يعني: تأخير الصلاة إلى أن تبرد الشمس.
وعن أبي سعيد الخدري عند البخاري، وعن عمرو بن عبسة عند الطبراني، وعن صفوان عند ابن أبي شيبة والحاكم والبغوي، وعن ابن عباس عند البزار، وفيه عمرو بن صهبان وهو: ضعيف، لكنه لا يضر لكثرة، روايات هذا الحديث الصحيحة. وعن عبد الرحمن بن جارية عند الطبراني، وعن عبد الرحمن بن علقمة عند أبي نعيم.


٩.١ وقت صلاة الظهر


شرح الحديث

ومعنى ((أبردوا بالصلاة)) أي: أخِّروها عن ذلك الوقت، وادخلوا بها في وقت الإبراد وهو: الزمان الذي يتبيَّن فيه انكسار شدة الحر، ويوجد فيه برودة جهنم.
يقال: "أبرد الرجل" أي: صار في برد النهار. و"فيح جهنم": شدة حرها وشدة غليانها.
قال القاضي عياض: "اختلف العلماء في معناها -أي: في معنى: فيح جهنم- فقال بعضهم: هو على ظاهره أي: شدة حرها وشدة غليانها. وقيل: بل هو على وجه التشبيه والاستعارة، وتقديره: أن شدة الحر تشبه نار جهنم؛ فاحذروه واجتنبوا ضرره. والأول أظهر" أي: أنه شدة حر على الحقيقة.
وقال النووي: "وهو الصواب؛ لأنه ظاهر الحديث. ولا مانع من حمْله على حقيقته، ووجب الحكم بأنه على ظاهره. ويدل عليه حديث: ((إن النار اشتكت إلى ربها، فأذِن لها بنفَسيْن: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف)) وهو في "الصحيح" أي: إنه حديث صحيح. وحديث: ((إن لجهنم نفَسين)) وهو كذلك حديث صحيح.


٩.١ وقت صلاة الظهر


فقه هذه الأحاديث وما يستفاد منها

الأحاديث تدل على: مشروعية الإبراد، والأمر في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((فأبردوا)) محمول إما على الاستحباب، وقيل: على الوجوب؛ حكى ذلك القاضي عياض؛ وهو المعنى الحقيقي له.
وذهب إلى القول بالاستحباب: جماهير العلماء. يعني: أغلب العلماء قالوا: إن الأمر بالإبراد مستحب، لكنهم خصوا ذلك بأيام شدة الحر. يعني: يستحب في شدة الحر: الإبراد بالصلاة، أي: تأخير صلاة الظهر حتى يبرد الجو، وتخف درجة حرارة الشمس، كما يشعر بذلك التعليل بقوله: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم))، ولحديث أنس الذي ذُكر في هذا الباب. وظاهر الأحاديث: عدم الفرق بين الجماعة والمنفرد، يعني صلاة الجماعة مؤخَّر للإبراد، والذي يصلي وحده أيضًا يؤخِّر الصلاة للإبراد.
وقال أكثر المالكية: الأفضل للمنفرد: التعجيل، والحق: عدم الفرق بين الجماعة والمنفرد؛ لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغير المنفرد.
وخصه الشافعي بالبلد الحار، وقيد الجماعة: بما إذا كانوا ينتابون المسجد من مكان بعيد، لا إذا كانوا مجتمعين في مكان فيصلَُّون في وقتها، أو كانوا يمشون في ظل فالأفضل التعجيل.


٩.١ وقت صلاة الظهر


وظاهر الأحاديث: عدم الفرق.
وقد ذهب إلى الأخذ بهذا الظاهر -أي: قال بوجوب الإبراد-: الإمام أحمد في مذهبه، وإسحاق والكوفيون وابن المنذر؛ ولكن التعليل بقوله: ((فإن شدة الحر)) يدل على ما ذكره من التقييد بالبلد الحار.
وذهب الهادي والقاسم وغيرهما إلى: أن تعجيل الظهر أفضل مطلقًا، وتمسكوا بحديث جابر بن سمرة الذي ذكر في أول الباب، وسائر الروايات المذكورة هنالك.
وتمسك أيضًا الذين قالوا بذلك بأحاديث أفضلية الوقت: أوَّله، على العموم، كحديث أبي ذر عند البخاري ومسلم وغيرهما: قال: "سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أي العمل أحب إلى الله؟"، قال: ((الصلاة على وقتها))"، وبحديث خباب عند مسلم قال: "شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرَّ الرمضاء في جباهنا وأكُفِّنا، فلم يَشْكنا" أي: لم يَعذرنا، ولم يُزِلْ شكوانا، وزاد ابن المنذر والبيهقي وقال: ((إذا زالت الشمس فصلُّوا))، وتأوَّلوا حديث الإبراد بأن معناه: صلُّوا أوَّل الوقت، أخذًا من برد النهار؛ وهو تأويل ضعيف فيه تعسّف يردّه قوله: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم))، وقوله: ((فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)).
ويجاب عن ذلك: بأن الأحاديث الواردة بتعجيل الظهر وأفضلية: أوّل الوقت عامة، أو مطلقه.


٩.١ وقت صلاة الظهر


وحديث الإبراد خاص أو مقيَّد، ولا تعارض بين عام وخاص، ولا بين مطلق ومقيَّد. وأجيب عن حديث خباب الذي يقول: "شكوْنا فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يَشْكُنا، وأمرَنا بتعجيل الصلاة". يجاب عنه: بأنه كما قال الأثرم والطحاوي: منسوخ. قال الطحاوي: "ويدل عليه حديث المغيرة: "كنا نصلي بالهاجرة، فقال لنا: ((أبردوا))"، فبيَّن :أن الإبراد كان بعد التهجير". وقال آخرون: إن حديث خباب محمول على: أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد؛ لأن الإبراد: أن يؤخَّر بحيث يصير للحيطان فيء يمشون فيه، ويتناقص الحر. وحمل بعضهم حديث الإبراد على: ما إذا صار الظل فيئًا. وحديث خباب على: ما إذا كان الحصى لم يبرد؛ لأنه لا يبرد حتى تصفرّ الشمس؛ ولذلك رخّص في الإبراد، ولم يرخص في التأخير إلى خروج الوقت.
وعلى فرض عدم إمكان الجمع، فرواية الخلال السابقة عن المغيرة بلفظ: "كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الإبراد"، وقد صحح أبو حاتم وأحمد حديث المغيرة، وعدَّه البخاري محفوظًا من أعظم الأدلة الدالة على النسخ، كما قاله مَن قدّمنا. ولو نسلم جهل التاريخ وعدم معرفة المتأخر، لكانت أحاديث الإبراد أرجح؛ لأنها في "الصحيحين"، بل في جميع الأمهات من كتب الحديث، وطرق متعددة، وحديث خباب في "مسلم" فقط. ولا شك: أن المتفق عليه مقدِّم، وكذا ما جاء من طرق كثيرة يقدَّم على ما جاء من طريق واحد حتى ولو كان صحيحًا ما دامت أغلب الطرق الأخرى صحيحة.


٩.١ وقت صلاة الظهر



شرح الحدي

قوله: "فيء التلول" قال ابن سيده: "الفيء": ما كان شمسًا، فنسخه الظل، والجمع: أفياء، وفيوء. وفاء الفيءُ فيئًا: تحوَّل وتفيء فيه: تظلّل. قال ابن قتيبة: "يتوهم الناس: أن الظل والفيء بمعنى واحد، وليس كذلك؛ بل الظل يكون غدوة وعشيّة، ومن أول النهار إلى آخره. وأما الفيء فلا يكون إلا بعد الزوال. ولا يقال لِما قبل الزوال، وإنما قيل لِما بعد الزوال: فيء؛ لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب -أي: رجع-. و"الفيء": الرجوع". ونسبه النووي في "شرح مسلم" إلى أهل اللغة.


٩.١ وقت صلاة الظهر


و"التلول": جمع: "تَلّ" وهو: الربوة من التراب المجتمع.
والمراد: أنه أخَّر تأخيرًا كثيرًا حتى صار للتلول فيء، وهي منبطحة لا يصير لها فيء في العادة إلا بعد زوال الشمس بكثير.
والحديث يدل على: مشروعية الإبراد، وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى: أَنَّ الْإِبْرَادَ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَنْتَابُوا الْمَسْجِدَ مِنْ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ مَعَهُ.