٩.٤ وقت صلاة العشاء، ووقت صلاة الفجر


وقت صلاة العشاء

قال الخرقي: "فإذا غاب الشفق وهو: الحمرة في السفر، وفي الحضر: البياض؛ لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدران فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقّن، ووجبت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل".

يقول ابن قدامة: "لا خلاف في دخول وقت العشاء بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق ما هو؟

فمذهب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: أن الشفق الذي يخرج به وقت المغرب ويدخل به وقت العشاء هو: الحمرة. وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، والزهري ومالك والثوري، وابن أبي ليلى والشافعي، وإسحاق وصاحبي أبي حنيفة.


٩.٤ وقت صلاة العشاء، ووقت صلاة الفجر


وعن أنس وأبي هريرة: "الشفق: البياض"، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز؛ وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر؛ لأن النعمان بن بشير قال: "أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة -صلاة العشاء-. كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلِّيها لسقوط القمر لثالثة"، رواه أبو داود.
وروي عن أبي مسعود قال: "رأيت رسول الله يصلِّي هذه الصلاة حين يسودّ الأفق".
ولنا ما روت عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أعتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعشاء حتى ناداه عمر بالصلاة: "نام النساء والصبيان". فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ما ينتظرها أحد غيركم)). قال: ولا يُصلَّى يومئذ بالمدينة. وكانوا يصلُّون فيما بين أن يغيب الشفق الأول إلى ثلث الليل"، رواه البخاري. و"الشفق الأول" هو: الحمرة. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وقت المغرب: ما لم يسقط ثور الشفق)). و"ثور الشفق"، أو "فور الشفق": فورانه وسطوعه. و"ثوره": ثوران حمرته؛ وإنما يتناول هذا الحمرة، وآخر وقت المغرب أول وقت العشاء.
روي عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((الشفق: الحمرة؛ فإذا غاب الشفق وجبت العشاء))، رواه الدارقطني. وما رووه لا حجة لهم فيه.


٩.٤ وقت صلاة العشاء، ووقت صلاة الفجر


شرح الحديث

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤخِّر الصلاة عن أوَّل الوقت قليلًا وهو الأفضل والأوْلى؛ ولهذا روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لبلال: ((اجعل بين أذانك وإقامتك قدْرَ ما يَفرغ الآكلُ مِن أكْله، والمتوضئ من وضوئه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته))، أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله في: باب: ما جاء في الترسل في الأذان من أبواب الصلاة. وأخرجه الإمام أحمد أيضًا عن أبيّ بن كعب في "المسند" في المجلد الخامس، حديث رقم (١٤٣.(
إذا ثبت هذا؛ فإنه إن كان في مكان يظهر له الأفق، ويبِين له مغيب الشفق، فمتى ذهبت الحمرة وغابت دخل وقت العشاء. وإن كان في مكان يستتر عنه الأفق بالجدران والجبال، استظهر حتى يغيب البياض، ليستدل بغيبته على مغيب الحمرة؛ فيعتبر غيبة البياض لدلالته على مغيب الحمرة، لا لنفسه. فإذا ذهب ثلث الليل ذهب وقت الاختيار للعشاء، ووقت الضرورة مُبقًى إلى أن يطلع الفجر الثاني وهو: البياض الذي يبدو من قِبَل المشرق فينتشر ولا ظلمة بَعْدَه.


٩.٤ وقت صلاة العشاء، ووقت صلاة الفجر


اختلفت الرواية في آخر الاختيار، فروي عن أحمد: أنه ثلث الليل؛ نص عليه أحمد في رواية الجماعة. وهو قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم... لأنه في حديث جبريل: "أنه صلى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في المرة الثانية ثلث الليل وقال: "الوقت فيما بين هذين".
وتسمى هذه الصلاة بصلاة العشاء، ولا يستحب تسميتها "العتمة". وكان ابن عمر إذا سمع رجلًا يقول: "العتمة"، صاح وغضب وقال: "إنما هو العشاء". وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم؛ فإنها "العشاء"، وإنهم يعتمون بالإبل)). وعن أبي هريرة مثله؛ رواهما ابن ماجه.
وإن سماها "العتمة" جاز. فقد روى أبو داود بإسناده عن معاذ أنه قال: "أبقينا -يعني: انتظرنا- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاة العتمة".ولأن هذا نسبة لها إلى الوقت الذي تجب فيه، فأشبهت صلاة الصبح والظهر وسائر الصلوات من ناحية الوقت.


٩.٤ وقت صلاة العشاء، ووقت صلاة الفجر


وقت صلاة الفجر

إذا طلع الفجر الثاني، وجبت صلاة الصبح. والوقت مُبقًى إلى: ما قبل أن تطلع الشمس. ومن أدرك منها ركعة قبل أن تطلع، فقد أدركها؛ وهذا موضع الضرورة.
وجملته: أن وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إجماعًا. وقد دلت عليه أخبار المواقيت وهو: البياض المستطير المنتشر في الأفق، يسمّى: الفجر الصادق؛ لأنه صدقك عن الصبح وبيَّنه لك. والصبح ما جمع بياضًا وحمرة، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة: "أصبح".
وأما الفجر الأول فهو: البياض المستدقّ صعدًا من غير اعتراض؛ فلا يتعلق به حكم. ويسمّى: الفجر الكاذب. ثم لا يزال وقت الاختيار إلى أن يسفر النهار، لِما تقدم في حديث جبريل وبريدة. وما بعد ذلك: وقت عذر وضرورة حتى تطلع الشمس، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبد الله بن عمرو: ((ووقت الفجر: ما لم تطلع الشمس. ومن أدرك منها ركعة قبل أن تطلع الشمس، كان مُدركاً لها)). وفي إدراكها بما دون ذلك اختلاف مذكور في كتب الفقه عند العلماء. وأفضل الوقت: أوَّله.