٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الأحاديث التي جاءت في فضل الوضوء

أما الوضوء ففضله عظيم وأجره كبير عند الله -سبحانه وتعالى-. وذكرنا في ذلك: حديث أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تأتون يوم القيامة غرًّا -أو- إن أمتي تأتي يوم القيامة غرًّا محجَّلين من آثار الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فلْيفعلْ)). وقلنا: إن المراد بـ"الغُرَّة": البياض الذي في وجه الفرس. والبياض الذي في رجليه هو: التحجيل؛ وذلك كناية عن النور الذي يكون في جبين المصلِّي، في جبين المتوضئ يوم القيامة وفي قدميْه، وذلك علامة له بأنه من أمة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فيشرب بسبب هذه العلامة التي يعرفها بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الكوثر -وهو: حوض المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والذي إذا شرب منه أحد لا يظمأ حتى يدخل الجنة.
وجاءت أحاديث كثيرة في فضل الوضوء غير هذا. فمن هذه الأحاديث: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)).
وحديث آخر يقول: لما توضأ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن توضّأ نحو وضوئي هذا، غُفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشْيه إلى المسجد نافلة)).


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


هناك حديث آخر يقول فيه -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا توضأتَ، خرجتْ خطاياك، -أو- اغتسلت من خطاياك كيومَ ولدتْك أمّك)). هذا الحديث عن ابن عمر، وأخرجه الترمذي وأبو داود قال: قال -عليه الصلاة والسلام- :((من توضأ على طُهر، كتب الله له به عشر حسنات)).

ما يجب له الوضوء

إذا أراد المسلم أن يصلي، أو يطوف بالبيت الحرام، أو أن يمس المصحف، فعليه أن يتوضأ، على خلاف في مس المصحف كما سيأتي معنا. الحديث الأول

أما الحديث الأول الذي يوجب الوضوء، والذي يدل على: أن الصلاة لا تُقبل إلا بالوضوء:


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الحديث دل على: أن الصلاة لا تُقبل إلا بالوضوء. فالمراد بالطهور هنا الوضوء، وستأتي أحاديث تبيِّن: أن المراد بالطهور هنا هو: الوضوء. والصدقة لا تُقبل إلا إذا كانت حلالًا من كسب طيِّب.
هذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، أي: رواه مسلم، وأبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه. كما خرجه الطبراني أيضًا. وفي الباب عن أسامة بن عمير والد أبي المليح، وأبي هريرة، وأنس، وأبي بكر الصديق، والزبير بن العوام، وأبي سعيد الخدري.
أما قوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) فالمراد هنا: أن الصلاة غير صحيحة، وليس المراد كما يقال في: ((لا يقبل)): مجرد الإجزاء؛ إنما هنا الحديث يصرِّح بأن الصلاة التي لا يتوضأ صاحبها، أو يدخل فيها صاحبها وهو على غير وضوء: صلاة باطلة وغير صحيحة.
قال النووي في "شرح مسلم": "قد أجمعت الأمة على: أن الطهارة شرط في صحة الصلاة". وقال القاضي عياض: "اختلفوا: متى فُرضت الطهارة للصلاة؟ إذ ذهب بعض الناس إلى: أن الطهارة كانت -الوضوء أولًا من أجل الصلاة- في مبدأ الإسلام سُنة، ولم يفرض إلا بعدما نزل قوله تعالى: ))يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ(( (المائدة: ٥)، هذا رأي.
أما الرأي الثاني -وهو الراجح- والذي كان يجب أن يذكر أولًا: أن الصلاة فُرض لها الوضوء منذ فُرضت الصلاة؛ فلا يدخل المسلم في صلاته إلا وهو متوضئ".


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


قال القاضي عياض: "اختلفوا: متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن الجهمي: إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سُنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم. ولكن قال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضًا". يعنى: الوضوء فُرض من أوّل ما فرضت الصلاة.
ثم اختلفوا: هل الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة، أم على المُحْدث خاصةً؟ كلما قام الإنسان ليصلي فُرض عليه أن يتوضأ، أم يكفي أن يكون متوضئًا من قبل ذلك؟ بمعنى: هل يصلِّي بالوضوء الواحد أكثر من صلاة؟
الرأي الراجح -وهو ما عليه الجمهور-: أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، وإنما يستحب الوضوء بعد الوضوء، أما إذا كان الإنسان متوضئًا، فيجوز له أن يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد.
قال الإمام ابن حجر: "واختلفوا: هل الوضوء فرض على كل قائم للصلاة، أم على المُحْدث خاصة؟ فذهب ذاهبون من السلف إلى: أن الوضوء لكل صلاة فرض. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ))إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة...((؛ فالآية حدَّدت باللفظ: القيام للصلاة. وذهب قوم إلى: أن ذلك قد كان ثم نُسخ". يعني: كان في مبدأ الأمر: أن الإنسان يتوضأ لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك. وقيل: الأمر به على الندب، يعني: أنتم مأمورون ندبًا إلى أن تتوضؤوا لكل صلاة. يعني: يستحب الوضوء لكل صلاة. وقيل: لا، بل لم يشرع إلا لمن يصدر منه حدَث، ولكن تجديده لكل صلاة أمر مستحب؛ وهذا هو الراجح.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


قال النووي حاكيًا عن القاضي: "وعلى هذا، أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبقَ بينهم خلاف في: أن المتوضئ لا يجب عليه الوضوء كلما قام إلى الصلاة ما دام محتفظًا بوضوئه".
ومعنى الآية عندهم: ))إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ(( مُحدثين، يعني: إذا خرج منكم حدَث، أو صدر منكم حدث، فأردتم أن تصلُّوا، ))قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ(( فعليكم أن تتوضؤوا. هذا هو الرأي الراجح، وهو المعمول به. وهو ما أجمع عليه أهل الفتوى.
وهكذا ذكره الحافظ في "فتح الباري" إلى الأكثر من العلماء. ويدل على ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بالوضوء لكلِّ صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر. فلمَّا شق عليه، وضع عنه الوضوء إلا مِن حدَث".


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الحديث الثاني

ولمسلم -أي من رواية مسلم- من حديث بريدة: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ عند كل صلاة. فلما كان يوم الفتح، صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: "إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعلُه! فقال: ((عمدًا فعلتُه، يا عمر)). أي: فعلتُ ذلك عمدًا لبيان الجواز، أي: لبيان الجواز وهو: أن يصلِّي المسلم الصلوات المتعددة بوضوء واحد ما دام وضوؤه صحيحًا.

واستدل الدارمي في "مسنده" على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا وضوء إلا من حدث)). فالمتوضئ ما دام لم يُحدث فلا يجب عليه الوضوء، ولكن إذا توضأ فهو حسن. فيستحب الوضوء لكل صلاة. وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل عند الأمور التي يُستحب من أجلها الوضوء.
فالحق: استحباب الوضوء عند القيام إلى الصلاة. وما شكَّك به صاحب "المنار" في ذلك غير نيِّر؛ فإن الأحاديث مصرِّحة بوقوع الوضوء منه -صلى الله عليه وسلم- لكل صلاة إلى وقت الترخيص، وهو أعم من أن يكون لحدث ولغيره. والآية دلت على هذا، وليس فيها التقييد بحال الحدث، وحديث: ((لولا أن أشق على أمَّتي، لأمرْتُهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك)) عند أحمد، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: من أعظم الأدلة عن هذا الموضوع الذي نتحدث فيه.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


وقد أخرج الجماعةإلا مسلمًا: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتوضأ عند كل صلاة"، زاد الترمذي: "طاهراً أو غير طاهر". وهذا يدل على الاستحباب، ولا يدل على الوجوب كما علمت سابقًا؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في الحديث الذي رويته: أنه صلَّى الصلوات كلها بوضوء واحد، ولما سأل عمر بن الخطاب: "رأيناك تفعل شيئاً لم تكن تفعله قبل ذلك!"، قال: ((عمدًا فعلته يا عمر)) لبيان الجواز.
وفي حديث عدم التوضؤ من لحوم الغنم: دليل على: تجديد الوضوء على الوضوء؛ لأنه حكم بأن أكْل لحومها غير ناقض. ثم قال للسائل عن الوضوء: ((إن شئت)) يعني: يُستحب، ولا يجب. وقد وردت الأحاديث الصحيحة في: فضل الوضوء، وذكرت لكم بعضها.

الوضوء لأجل مس المصحف
ويجب الوضوء أيضًا لأجل مس المصحف؛ هذا على الراجح عند كثير من العلماء.

فعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه -وجدّه هو: عمرو بن حزم-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن كتابًا وكان فيه: ((لا يمس القرآنَ إلا طاهر))، ورواه الأثرم، والدارقطني، ومالك في "الموطأ" مرسلًا عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن حزم: ((ألا يمس القرآن إلا طاهر)). وقال الأثرم: "واحتج أبو عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- بحديث ابن عمر: ((ولا يمس المصحف إلا على طهارة))".


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


لكن هل المراد بالطهارة: الطهارة من الحدث الأكبر، أي: الغسل فقط، أم المراد: الطهارة من الأكبر والأصغر، أي: لابد من الضوء. هذا هو الخلاف بين العلماء.
هذا الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "الخلافيات"، والطبراني، وفي إسناده: سويد بن أبي حاتم وهو: ضعيف. يعني: هذا الحديث في إسناده كلام كثير. لكن احتج العلماء بكتاب عمرو بن حزم، وهو كتاب أساس في السنة، قد قبله العلماء، وتلقاه الناس بالقبول.
قال ابن عبد البر: "أشبَه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول". وقال يعقوب بن سفيان: "لا أعلم كتابًا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين يرجعون إليه، ويَدَعُون رأيهم". يعني: الصحابة والتابعون يعملون بكتاب عمرو بن حزم والذي فيه: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)). وقال الحاكم: "قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة".
والحديث يدل على: أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا. ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على: المؤمن، هذا أولًا. وثانيًا: على الطاهر من الحدَث الأكبر. وثالثًا: على الطاهر من الحدث الأصغر. ورابعًا: على الطاهر الذي ليس على بدنه نجاسة.
إذا كان الإنسان مؤمنًا وطاهرًا من الحدث الأكبر، ومن الحدث الأصغر، وليس على بدنه نجاسة، هذا ما ينطبق عليه قوله: ((لا يمس المصحف إلا طاهر)).


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


يدل الإطلاق على: أن الطاهر هو: المؤمن، وليس الكافر: قول الله تعالى: ))إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس(( (التوبة: ٢٨)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة: ((المؤمن لا ينجس)).
ويدل على الثاني وهو: الطهارة تطلق على: الطهارة من الحدث الأكبر: قوله تعالى: ))وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا(( (المائدة: ٧).
ويدل على: الطهارة من الحدث الأصغر -يعني: المطلوب هو: الوضوء-: قوله -عليه الصلاة والسلام- في المسح عن الخفين: ((دعْهما، فإني أدخلتهما طاهرتين)) يعني: كنت متوضئًا.
ويدل على الشيء الرابع -وهي: طهارة البدن وإزالة النجاسة من على البدن-: أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمَّى: طاهرًا. وقد ورد إطلاق ذلك في كثير.
فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه، حمَله عليها هنا. فاشترط: ألا يمس المصحف إلا مؤمن طاهر من الحدث الأصغر والأكبر. والمسألة مدوَّنة في الأصول، وفيها مذاهب.
والذي يترجَّح: أن المشترك مجمَل فيها، فلا يعمل بها حتى يُبيَّن. وقد وقع الإجماع على: أنه لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر أن يمسّ المصحف، وخالف في ذلك داود، فاشترط أيضًا الطهارة من الحدث الأصغر.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


واستدل المانعون للجُنب من مس المصحف بقوله تعالى: ))لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون(( (الواقعة: ٧٩). وهذا الدليل لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعًا إلى القرآن الكريم، والظاهر رجوعه إلى: "الكتاب" وهو: اللوح المحفوظ لأنه الأقرب. و))الْمُطّهَّرُون(( هم: الملائكة. ولكن الدليل على أنه لا يمس القرآن إلا طاهر هو: الحديث الذي عن عمرو بن حزم، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)).
أما إذا كان القرآن في كتاب غير المصحف، فإنه يجوز مسه؛ لأن المراد بعدم المس عندما يكون مصحفًا أو قرآنًا فقط، فهذا هو الممنوع بنص الحديث. أما إذا كان في داخل كتاب من كتب الفقه أو التفسير أو الحديث، فإنه يجوز مسّه. والدليل على ذلك: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى هرقل عظيم الروم: ((أسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤتك الله أجْرَك مرتين. فإن تولّيتَ فإن عليك إثمَ الأريسيِّين. ))يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم...(( إلى آخر الآية (آل عمران: ٦٤))". فهذه آية كريمة ذكرت في كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأرسلت إلى هرقل وغيره، وقد مسَّها وهو مشرك نجِس، ومع ذلك لم يمتنع؛ وذلك من أجل المصلحة. فعلى ذلك، جاز مس الكتاب الذي به بعض آيات من القرآن الكريم، وإنما الممتنع: أن يمس المصحف.
وأكثر الفقهاء على: أنه لا يجوز مس المصحف إلا للطاهر من الحدث الأصغر. وأجاز بعضهم: أن يمسه ما دام طاهرًا من الحدث الأكبر.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الطواف بالبيت الحرام

الشيء الثالث الموجب للوضوء هو: الطواف بالبيت الحرام؛ لأن الطواف بالبيت: صلاة، ولكن أبيح فيه الكلام. فالذي يطوف بالبيت هو في صلاة، فلا بد من أن يكون طاهرًا طهارة من الحدث الأكبر، والحدث الأصغر، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صرح بأن الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام. حتى الكلام، لا بد أن يكون كلامًا طيبًا. فعن طاوس عن رجل قد أدرك النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما الطواف بالبيت: صلاة؛ فإذا طفتم فأقلُّوا الكلام))، رواه أحمد والنسائي. وأخرجه أيضًا الترمذي والحاكم والدارقطني، من حديث ابن عباس. وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان، وقال الترمذي: "روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا يعرف مرفوعًا إلا من حديث عطاء". وقد أطال بعض العلماء الحديث على سند هذا الحديث، لكن في مجموعها أحاديث يقوِّي بعضُها بعضًا؛ بل رواها أصحاب بعض الكتب المعتبرة عند المحدثين. فالحديث يدل دلالة صريحة على: أنه ينبغي أن يكون الطواف على طهارة ؛ لأن الطواف بالبيت كالصلاة، فلابد أن يكون المؤمن متوضئًا.

وعلى ذلك، فهناك ثلاثة أمور توجب على المسلم أن يكون طاهرًا: مس المصحف، والطواف بالبيت، والدخول في الصلاة.
أما الدخول في الصلاة فبإجماع: لا بد أن يكون متوضئًا طاهرًا من الحدث الأكبر والأصغر، وكذلك الطواف بالبيت الحرام. أما مس المصحف فقد وقع فيه خلاف: أنه يجوز للطاهر من الحدث الأكبر، أي: من الجنابة، جاز له مس المصحف، ولا يشترط الوضوء.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الأمور التي يُستحب من أجلها الوضوء

وبعد أن تكلمنا على الأمور الموجبة للوضوء، سنتكلم الآن عن الأمور التي يُستحب من أجلها الوضوء. وهي أمور كثيرة لها أدلّة من أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-:

الوضوء ممّا مسته النار، أي: عندما يأكل الإنسان شيئًا مستْه النار -شيئًا مطبوخًا-، فإنه يستحب له أن يتوضأ بسبب هذا الأكل من هذا الطعام الذي مستْه النار.

الحديث الأول

الحديث الأول الذي معنا في هذا:
عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: أنه وجد أبا هريرة -رضي الله عنه- يتوضأ على المسجد فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقِط أكلْتها؛ لأني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((توضؤوا ممَّا مست النار))". وعن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((توضئوا مما مست النار)). وعن زيد بن ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله. روى هذه الأحاديث أحمد ومسلم والنسائي .


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


و"أثوار الأقِط" هي: قطع من اللبن المتجمِّد.
وقد أخذ العلماء من كون أبي هريرة يتوضأ على المسجد: أنه يجوز الوضوء في المسجد. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على: جواز الوضوء في المسجد، ولكن بشرط ألا يُؤذَى به أحد.
وهذه الأحاديث التي رويتها تدل دلالة صريحة على: وجوب الوضوء مما مسته النار. واختلف الناس في ذلك. - فذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبو سفيان الثوري، وأهل الحجاز، وأهل الكوفة إلى: أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسَّتْه النار، ولهم في ذلك أدلة.
ومن أدلتهم: كان آخر الأمرين: ترك الوضوء مما مسَّتْه النار. وقال بعض العلماء: إن المراد بالوضوء ممَّا مسته النار هو: الوضوء اللغوي، وهو: غسل اليدين والفم.
وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي ممّا مستْه النار. واستدلوا بأحاديث أجاب الأولون: أن هذه الأحاديث التي أوردوها دليلًا لهم منسوخة بحديث: "كان آخر الأمرين: ترْك الوضوء مما مسته النار".


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


ثم أجابوا إجابة ثانية: أن المراد بالوضوء -إذا صرنا إلى عدم النسخ- هو: الوضوء اللغوي وهو: غسل الفم والكفين. قال النووي: "ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول. ثم أجمع العلماء بعد ذلك: أنه لا يجب الوضوء من أجل ما مسَّتْه النار".
ولا يخفى: أن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم: أن فعْله -صلى الله عليه وسلم- يعارض القول الخاص وينسخه، والمتقرر في الأصول خلافه.
وأما الجواب الثاني وهو: القول بأنه الوضوء اللغوي -أي: غسل الفم والكفين-، فقد تقرر: أن الحقائق الشرعية مقدمة على غيره. وحقيقة الوضوء الشرعية هي: غسل جميع الأعضاء التي تُغسل للوضوء. فلا يخالف هذه الحقيقة إلا بدليل.
وعلى كلٍ: فالأدلة جاءت بعد ذلك صريحة؛ لأن ذلك أمر كان في مبدأ الإسلام ثم نُسخ.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الحديث الثاني

فعن ميمونة -رضي الله عنها- قالت: "أكل النبي -صلى الله عليه وسلم- من كتف شاة، ثم قام فصلى ولم يتوضأ". أخرجه ابن أبي شيبه، والضياء في "المختارة".

وبالتأكيد أن كتف الشاة مستْه النار؛ لأنه ما سوِّي ولا طبخ إلا بالنار.

الحديث الثالث

وعن عمرو بن أمية الضمري قال: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يحتزّ من كتف شاة فأكل منها. فدُعي للصلاة فقام، وطرح السكين، وصلى ولم يتوضأ". أخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان.

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "أكلت مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومع أبي بكر وعمر خبزًا ولحمًا، فصلَّوْا ولم يتوضؤوا". أخرجه أحمد.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


الحديث الرابع

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ترْك الوضوء ممَّا مستْه النار". أخرجه أبو داود والنسائي.

فهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة على: عدم وجوب الوضوء ممّا مسته النار.

الأمور التي يُستحب لها الوضوء

الأمر الثاني: ذكروا من الأمور التي يُستحب لها الوضوء: أن المسلم عندما يكون متوضئًا، يستحب أن يتوضأ مرة ثانية للصلاة، أي: الوضوء على الوضوء.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- من رحمته بأمّته لم يأمرهم بالوضوء لكل صلاة، لكن دعا إليه، وحبَّب إليه، فقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي يرويه أبو هريرة عنه -عليه الصلاة والسلام-: ((لو لم أشق على أمَّتي، لأمَرْتُهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك))، رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. والحديث أخرج نحوه النسائي وابن خزيمة والبخاري تعليقًا لحديثه. وروى نحوه ابن حبان في "صحيحه" من حديث عائشة.
وهو يدل على: عدم وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة. وهو مذهب الأكثر. بل حكى النووي عن القاضي عياض: أنه أجمع عليه أهل الفتوى ولم يبق بينهم خلاف. وقد تقدم ذلك عندما كنا نتكلم عن وجوب الوضوء من أجل الصلاة والطواف ومس المصحف. وعلى ذلك فهذا الحديث صريح بإنه من المستحبات أن يتوضأ المسلم وهو متوضئ إذا أراد أن يصلي؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لولا رحمته بأمته وخوفه من أن يشق عليهم لأمر بالوضوء عند كل صلاة، لكنه لم يأمر؛ فيكون ذلك مستحبًا.
وعن أنس أيضًا قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ عند كل صلاة". قيل له: "فأنتم كيف تصنعون؟"، قال: "كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث"، هذا الحديث رواه الجماعة إلا مسلماً. وتقدم أن عمر بن الخطاب لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا صلى الصلوات كلها بوضوء واحد سأله: "فعلت شيئًا لم تفعله من قبل!"، قال: ((عمدًا فعلتُه يا عمر)). وعلى ذلك، فيكون الوضوء على الوضوء من الأمور المستحبة.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


وعن عبد الله بن حنظلة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر. فلما شق ذلك عليه، أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدَث"، وكان عبد الله بن عمر يرى: أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات. وروى أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف، عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من توضأ على طهر، كتب الله له به عشر حسنات)).

وذكروا: أن الوضوء يُستحب لذكر الله تعالى. فالإنسان الذي يريد أن يذكر الله -سبحانه وتعالى- يستحب له: أن يتوضأ.

فعن المهاجر بن قنفذ: "أنه سلَّم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتوضأ، فلم يَردّ عليه حتى فرغ من وضوئه فردّ عليه، وقال: ((إنه لا يمنعني أن أَرُدَّ عليك إلا أنني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة))، رواه الإمام أحمد، وابن ماجه أيضًا بنحوه.
وعن أبي جهيم بن الحارث قال: "أقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه وبيديه، ثم ردّ عليه السلام"، متفق عليه. أي: أنه -صلى الله عليه وسلم- ما ردّ عليه السلام إلا بعدما مسح بالجدار أي: تيمم ثم رد عليه السلام.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


وإذا أراد المسلم أن ينام، فينبغي له استحبابًا: أن يتوضأ قبل أن ينام. وذلك الوضوء حِرزٌ له من الشيطان. والدليل على ذلك:

عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أتيتَ مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: "اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيِّك الذي أرسلت". فإن مِتَّ من ليلتك، فأنت على الفطرة. واجعلْهن آخر ما تتكلم به)). قال: "فردّده عليَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما بلغت: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت"، قلت: "ورسولك"، قال: ((لا، ونبيّك الذي أرسلت))"، رواه أحمد والبخاري والترمذي.
فالحديث يدل دلالة صريحة: أن من أراد النوم، فعليه أن يتوضأ. كما يدل على: أن المسلم الذي يروي حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان يستطيع أن يأتي باللفظ كما سمعه من النبي -عليه الصلاة والسلام-، فلا ينبغي له أن يرويه بالمعنى.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


كذلك يستحب للمسلم إذا جامع أهله، يعني: كان جنبًا، وأراد أن ينام: أن يتوضأ.

فعن ابن عمر -رضي الله عنه-: "أن عمر قال: "يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جُنب؟"، قال: ((نعم، إذا توضأ))".
عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن ينام وهو جُنب، غسل فرْجه وتوضأ وضوءه للصلاة".
ولأحمد ومسلم: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ"، كما في هذا الحديث، وكما جاء عن عمار بن ياسر -رضي الله عنهما-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام: أن يتوضأ وضوءه للصلاة"، رواه أحمد، والترمذي وصححه.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


ومن أراد أن يعاود جماع زوجته، فيستحب له أيضًا: أن يتوضأ. وقد قال العلماء: إن ذلك يكون أنشط للعود.

فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ))، رواه الجماعة إلا البخاري.
وهذا الأمر يستحب فقط؛ لأنه ثبت في "الصحيحين": أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كان يطوف على نسائه بغسل واحد". فالحديث يدل على: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وهذا إجماع من المسلمين.
ومن حديث أبي رافع: أنه -صلى الله عليه وسلم-: "طاف على نسائه ذات ليله بغسل عند هذه، وعند هذه". وقيل: "يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟"، قال: ((هذا أزكى وأطيب))".
فالحديث يدل على: مجرد الاستحباب. وإذا أراد الرجل أن يعاود الجماع مرة أخرى.
وقد ذهبت الظاهرية وابن حبيب إلى: وجوب الوضوء عند المعاودة، وتمسكوا بالحديث الذي معنا. وغيرهم ذهب إلى أن ذلك أمر مستحب؛ وهو الراجح، والله أعلم في هذا الأمر.


٤.٣ فضل الوضوء، ما يجب له الوضوء، وما يستحب له


فلقد جاءت أحاديث تدل على: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يتوضأ كما سمعت.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جُنب، يغسل يديه ثم يأكل ويشرب"، أي: يكتفي بغسل يديه. ولعل المراد من الوضوء إذن هو: غسل اليدين فقط، أي: النظافة، أو الوضوء اللغوي.
وعنها أيضًا قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان له حاجة إلى أهله أتاهم، ثم يعود ولا يمس ماءً". هذه هي الأحاديث التي وردت في هذا الأمر.