٤.٢ موجبات الوضوء


من موجبات الوضوء: الحدث، الرعاف، المذي، القيء

وفي ذلك أحاديث:

الحديث الأول يتحدث عن: أن من موجبات الوضوء: الحدَث.والأحاديث الأخرى تبيِّن الأسباب الأخرى الموجبة للوضوء.فجاء منها: النوم، والقيء، والرعاف، والقلس، ولمس المرأة من غير حائل بشهوة.كما أن في هذه الأحاديث من موجبات الوضوء أيضًا: أكل لحم الجمل، أي: لحم الجزور.هذه الأشياء سنتحدث عنها بالتفصيل، إن شاء الله.

الحديث الأول

أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يقبل الله صلاة أحدِكم إذا أحدث حتى يتوضأ))، فقال رجل من أهل حضرموت: "ما الحدث، يا أبا هريرة؟"، قال: "فُسَاء أو ضُرَاط". هذا الحديث متفق عليه -أي أخرجه الشيخان- وغيرهما...وفي حديث صفوان في: المسح على الخفين: ((لكن من غائط، وبول، ونوم)).


٤.٢ موجبات الوضوء


فسّر أبو هريرة "الحدَث" في هذا الحديث بأنه: فساء أو ضراط، يعني: ريح يخرج من الدُّبُر؛ لكن رواية صفوان في: المسح على الخفين بيَّنت: أن الحدَث هو: ما خرج من السبيلين القُبل أو الدُّبر، وزاد: النوم.فالحدث فُسِّر في حديث صفوان بأنه: الغائط، والبول، والنوم.
الحديث يقول: ((لا يقبل الله صلاة أحدِكم)): المراد بالقبول هنا: الإجزاء أي: لا تجزئ صلاة أحدِكم إذا أحدث، حتى يتوضأ، أي: لا يدخل الصلاة إلا بعد أن يتوضأ ما دام كان محدثًا.قال الحافظ في "فتح الباري".وأما القبول المنفي في مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أتى عرَّافًا، لم تُقبل له صلاة)) فهو حقيقي، لا تصحّ ولا تجزئ ومردودة؛ لأنه قد يصح العمل، ويتخلف القبول لمانع؛ ولهذا كان ابن عمر يقول: "لأن تُقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من جميع الدنيا؛ لأن الله تعالى قال: ))إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ((" (المائدة: ٢٧).
فالحدث فسِّر في الحديث الذي معنا فسَّره أبو هريرة بأنه: فساء، أو ضراط أي: ما خرج من الدُّبر فقط.لكن في الحقيقة: أن الحدث: ما خرج من القبل، أو الدبر، يعني: ما كان غائطًا، أو كان بولًا، أو كان مذيًا، أو كان ريحًا؛ كل ذلك يُبطل الوضوء، ولا يصح للمسلم أن يدخل الصلاة بعد فعل هذه الأشياء، إلا إذا توضأ.فالمراد بالحدث: الخارج من أحد السبيلين.وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك، تنبيهاً بالأخف على الأغلظ؛ لأنه ما دام قد نبه على الفساء والضراط، فلا بد أن يكون غيرهما من باب أوْلى.يعني: البول والغائط يكونان ناقضين للوضوء من باب أوْلى.ولأنهما قد يقعان في الصلاة أكثر من غيرهما -الفساء والضراط-، من أجل ذلك نبَّه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن هذين الشيئين.


٤.٢ موجبات الوضوء


والمسلم أحياناً عندما يقف في الصلاة يجد في بطنه شيئًا، فلا يخرج من الصلاة حتى يسمع صوتًا، أو يشم رائحة -كما سيأتي- في الأحاديث الآتية؛ فإن خروجه في الصلاة مبنيّ على اليقين، لا يخرج إلا إذا تيقن أنه خرج منه فساء أو ضراط، وهو: المراد بالريح، أو الصوت.فالخارج من السبيلين هو: الذي ينقض الوضوء، سواء كان بولًا، أو غائطًا، أو مذيًا، أو ريحًا.
استدل بهذا الحديث على: أن ما عدا الخارج من السبيلين كالقيء، والحجامة، ولمْس الذَّكَر غير ناقض؛ ولكنه استدلال مبتور لأنه استدلال بتفسير أبي هريرة، وليس في هذا التفسير حجة لمن استدل به على ذلك؛ لأنه -كما قلنا- إن أبا هريرة تحدث عن الأخف ليدخل الأغلظ من باب أوْلى.فاستدلالهم بتفسير أبي هريرة في أن الخارج من غير السبيلين، أو ما عدا الخارج من السبيلين لا ينقض الوضوء؛ هذا استدلال باطل، وليس بحجة هذا الحديث في ذلك.وهذا أمر معروف في كتب الأصول.
واستدل بالحديث أيضًا على: أن الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ لأنه جعل نفي القبول ممتدًّا إلى غاية هي: الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا.وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا؛ قال ذلك الإمام ابن دقيق العيد، يعني: أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة، ولكنه مستحب، كما سيأتي في الأحاديث بعد ذلك.


٤.٢ موجبات الوضوء


كما استدل بهذا الحديث أيضًا على: بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروج الحدث اختياريًّا، أو اضطراريًّا.يعني: خروج الحدث من القُبل أو الدُّبر، بالاختيار أو بالاضطرار: ينقض الوضوء.فإذا أراد المسلم: أن يدخل الصلاة مرة ثانية، فعليه أن يتوضأ.فالحديث الذي معنا بيَّن: أن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، سواء كان بولًا، أو غائطًا، أو ريحًا.وأيضًا يبطل الوضوء بكلِّ ما خرج من غير السبيلين -أي: يبطل بما عدا ما خرج من غير السبيلين-، كالنوم فلم يخرج من السبيلين، لكنه يبطل لحديث صفوان، لكن من: بول، أو غائط، أو نوم.
القيء يبطل الوضوء أيضًا.فما هو القيء؟ هو: خروج الطعام من المعدة إلى الفم، ثم يتقيؤه خارجًا.
النبي -عليه الصلاة والسلام- تقيَّأ فتوضأ، وصبّ له الوضوء: مولاه ثوبان، أي: صب عليه الماء ليتوضأ من القيء؛ فدل ذلك على: أن من موجبات الوضوء: القيء.
وهناك درجة في القيء لا تصل إلى القيء تعرف بالقلس وهو: ما خرج من الحلق، ولم يصل إلى الفم، ثم يعود مرة أخرى.فاختلف فيه العلماء، هل منه الوضوء أم لا؟


٤.٢ موجبات الوضوء


الحديث الثاني

الحديث الذي جاء في الوضوء من القلس:
عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاء، فتوضأ".يقول معدان: "فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال ثوبان: "صدق أبو الدرداء.أنا صببتُ له الماء"، يعني: أنا صببت الماء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمَّا قاء ليتوضأ -عليه الصلاة والسلام-.

هذا الحديث رواه أحمد، والترمذي، وقال الإمام الترمذي: "هو أصح شيء في هذا الباب"، يعني: في باب الوضوء من القيء أصح حديث في هذا: حديث ثوبان الذي يقول فيه: "قاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنا صببت له الوضوء بعد قيئه"، الحديث عند أحمد، وأصحاب "السنن" الثلاث، وابن الجارود، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، والطبراني، وابن منده، والحافي بلفظ: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاء، فأفطر"، والحديث الذي معنا: "قاء فصب له الماء فتوضأ"، قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت: له: "إن أبا الدرداء أخبرني..." فذكر ذلك الحديث، فقال ثوبان: "صدق، أنا صببت عليه وَضوءه"، يعني: أنه قاء فأفطر، وتوضأ أيضًا، وصبّ! عليه الوضوء ثوبان -رضي الله عنه-.قال ابن منده: "إسناده صحيح متصل، وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده".


٤.٢ موجبات الوضوء


لكن هل هذا الوضوء هو الوضوء الشرعي، أم هو الوضوء اللغوي، أي: غسل اليدين والفم فقط؟
يرى الشافعي: أن الوضوء هنا هو: الوضوء اللغوي.وهذا رأي مردود.فعندما يطلق "الوضوء" في الشرع، إنما يراد به: الوضوء الشرعي، وهو: غسل جميع أركان الوضوء، وتعميمها بالماء، ثم بعد ذلك السنن من: مضمضة، واستنشاق، واستنثار، ومسح للأذنين.
الحديث يدل دلالة صريحة على: أن القيء من نواقض الوضوء؛ وهذا هو الرأي الراجح.وهو ما ذهب إليه العِترة، والإمام أبو حنيفة وأصحابه، وإن كانوا قيَّدوه بقيود، منها: كونه من المعِدة.الثاني: على الأقل أن يملأ الفم. الثالث: أن يكون دفعة واحدة.
يعني: ثلاثة شروط لكي يكون القيد ناقضًا للوضوء: القيد الأول، أو الشرط الأول أن يخرج من المعدة؛ لأنه لو خرج من الحلق -كما ذكرت- في المقدمة يكون: قلسًا، ولا يكون قيئًا.واختلف في القلس.أما القيء فهذا إذا تحققت فيه هذه الشروط يجب منه الوضوء.
أما الشافعي وأصحابه ومن معهم أرادوا بذلك: أن المراد من الوضوء -يعني: الوضوء اللغوي- وهو: مجرد غسل اليدين والفم من ذلك.وأجابوا عن هذا الحديث الذي معنا، قالوا: إن المراد بالوضوء فيه: غسل اليدين.ولكن هذا الرأي مردود؛ لأن الوضوء من الحقائق الشرعية، وفيها غسل أعضاء الوضوء، وغسل بعضها مجاز، يعني: اليد والفم فقط يكون غسل البعض؛ فيكون مجازًا.أما غسل الجميع فهو حقيقة شرعية؛ فلا يصار إلى المجاز إلا بعلاقة وقرينة.قالوا: القرينة: أنه استقاء بيده، كما ثبت في بعض الألفاظ، والعلاقة ظاهرة.


٤.٢ موجبات الوضوء


وأجابوا أيضًا: بأنه فعل، وهو لا ينتهض على الوجوب.
واستدل الأولون القائلون بوجوب الوضوء بحديث إسماعيل بن عياش الآتي بعد، وسيأتي أنه لا يصلح لذلك لما فيه من المقال الذي سنذكره.واستدلوا بما في كتب الأئمة من حديث علي: ((الوضوء كتبه الله علينا من الحدث))، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بل من سبْع...)) وفيها: ((ودفعة تملأ الفم))، قالوا: هذا معارَض بما في كتب الأئمة، أيضًا في كتاب "الانتصار" وكتاب "البحر"، وغيرهم...من حديث ثوبان، قال: قلت يا رسول الله -هو ثوبان-: "يا رسول، هل يجب الوضوء من القيء؟" قال: ((لو كان واجبًا لوجدتَه في كتاب الله تعالى))، قال في "البحر": "قلنا: مفهوم، وحديثنا: منطوق.والمعروف: أن المنطوق مقدَّم على المفهوم".
والجواب الأول صحيح، لكنه لا يفيد إلا بعد تصحيح الحديث.والجواب الثاني من الأجوبة التي لا تقع لمنصف، ولا متيقظ؛ فإن كل أحد لا يعجز عن مثل هذه المقالة، وهي غير نافقة في أسواق المناظرة.وقد كثرت أمثال هذه العبارة في كثير من الكتب عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن أبي مليكة.


٤.٢ موجبات الوضوء


الحديث الثالث

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبْن على صلاته؛ وهو في ذلك لا يتكلم))، هذا الحديث رواه ابن ماجه، والدارقطني، وقال الحافظ في "الفتح" من أصحاب ابن جريج، يروونه عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا.

الحديث أعلَّه غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، وهو حجازي.ورواية إسماعيل عن الحجازيين: ضعيفة.وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج، فرووه مرة مرسلًا؛ كما قال ذلك صاحب "الفتح"؛ ولكن رواه الدارقطني.وإن كان هذا الحديث فيه بعض الضعف، إلا أنه تقوَّى من طرق أخرى.فلقد قال البيهقي: "الصواب أنه مرسل، وقد رفعوا سليمان بن أرقم، لكنه متروك.في الباب عن ابن عباس عند الدارقطني، وابن عدي، والطبراني بلفظ: ((إذا رعف أحدكم في صلاته، فلينصرف فليغسل عنه الدم، ثم ليُعِد وضوءه، وليستقبل صلاته))".
هذا أيضًا قال بعضهم إن فيه متروك؛ المهم: أن الحديث جاء من طرق كثيرة، وحتى قال بعضهم في بعض روايات حديث الرعاف من: أن إسناده حسن.قال الحافظ: "وعن سلمان نحوه".وعن ابن عمر عند مالك في "الموطأ": "أنه كان إذا رعف رجع فتوضأ، لم يتكلم، ثم يرجع ويبني على صلاته".


٤.٢ موجبات الوضوء


ولنعُد إلى ألفاظ الحديث.
فما هو الرعاف؟ وما هو القلس؟ وما هو المذي؟
قال -عليه الصلاة والسلام-: ((من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلَس، أو مذي، فلينصرف فليتوضأ، ثم ليَبْن على صلاته؛ وهو في ذلك لا يتكلم)).
"الرعاف" هو: الدم الخارج من الأنف.
و"القلس" هو: ما يشبه القيء، لكنه ليس من المعِدة.قال الخليل: "هو ما خرج من الحلق ملء الفم، أو دونه، وليس بقيء؛ لأنه لو كان قيئًا لما سُمِّي بالقلس.وإن عاد فهو القيء.إن خرج وملأ الفم ثم عاد فهو: قيء.وفي "النهاية في غريب الحديث"."القلس" بـ"السين": ما خرج من الجوف.ثم ذكر مثل ما ذكر الخليل: ملء الفم، أو دونه، وليس بقيء، وإن عاد فهو القيء.
أما "المذي" فهو: ماء رقيق يخرج عند التفكر في الجماع.إذا خرج وجب الوضوء منه أيضًا، فهو من موجبات الوضوء.
ولقد استدل بهذا الحديث في قوله: ((رعاف، أو قلس)) على: أن القيء، والرعاف، والقلس، والمذي: نواقض للوضوء.وقد تقدم الخلاف في: القيء، وكذلك القلس.


٤.٢ موجبات الوضوء


أما الرعاف فهو: ناقض للوضوء، على الراجح.
وقد ذهب إلى: أن الدم من نواقض الوضوء: القاسمي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وغيرهم، وقيَّدوه بالسيلان.يعني: لا بد أن يكون دماً كثيرًا يسيل.أما مجرد خروج الدم ويتوقف، فهو دم يسير؛ فإن ذلك لا يكون ناقضًا للوضوء.
أما الشافعية، وابن عباس، وغيرهما، ومن الصحابة: ابن أبي أوفى، وأبو هريرة، ومن التابعين: جابر بن زيد، وابن المسيب، ومكحول، وربيعة الرأي: ذهبوا إلى: أن الرعاف غير ناقض للوضوء.
ما الذي استدل به من قال بالنقض؟ استدل الأولون القائلون بنقض الوضوء بالرعاف من خروج الدم بالحديث الذي معنا.ولكن ردّ بأن فيه مقال.واستدلوا أيضًا بحديث: ((بل من سبْع)) الذي ذُكر سابقًا، وفيه: ((أو دم))، لكن قالوا: أيضًا: إنه لم يثبت عند أحد من الأئمة المعتبرين، وبالمعارضة بحديث أنس الذي سيأتي بعد ذلك.
رُدَّ عليهم: بأن حديث أنس حكاية فعل، فلا يعارض القول؛ ولكن هذا يتوقف على صحة القول، ولم يصح.وقد أخرج أحمد، والترمذي، وصححه ابن ماجه، والبيهقي من حديث أبي هريرة: ((لا وضوء إلا من صوت، أو ريح))، قال البيهقي: "هذا حديث ثابت".وقد اتفق الشيخان على: إخراج معناه وهو حديث: "أن المصلي إذا وقف فوجد في بطنه شيئًا وهو يصلي، فلا يخرج من صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"، من حديث عبد الله بن زيد.ورواه أحمد، والطبراني من حديث السائب بن خباب بلفظ: (( لا وضوء إلا من ريح، أو سماع)) يعني: سماع صوت.


٤.٢ موجبات الوضوء


وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي..."، وذكر حديث شعبة عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح))، فقال أبي: "هذا وهم، اختصر شعبة من الحديث، وقال: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح))، ثم جاء بلفظ: ((إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا من نفسه، فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا))، وشعبة: إمام حافظ واسع الرواية.
فإلى هذا يصار إلى القول: بأن الدم أو القيء لا يكون ناقضًا إلا بدليل ناهض.والجزم بالوجوب قبل صحة المستند كالجزم بالتحريم قبل صحة النقل، والكل من التقوّل على الله بما لم يقل.
ومن المؤيِّدات لما ذكرنا: حديث ابن عباد بن بشر: "أنه أصيب بسهام وهو يصلي، فاستمر في صلاته".وعند البخاري هذا الحديث: "استمر في صلاته بعدما أصابه سهم"، ولا بد أن يكون السهم خرج فيه الدم، أو خرج دم بسببه.رواه البخاري تعليقًا، ورواه أبو داود، وابن خزيمة.ويبعد ألا يطَّلع النبي -صلى الله عليه وسلم- على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أخبر أن صلاته قد بطلت؛ إذن فهذا يدل على: أن الدم لا يكون ناقضًا للوضوء.
وأما المذي، فقد صحت الأدلة في إيجابه للوضوء.وقد سبق الكلام في ذلك بأن المذي يوجب الوضوء، وأن المذي من أبواب تطهير النجاسة.
هذا الحديث يدل دلالة على: أن الصلاة لا تفسد على المصلي إذا سبقه الحدث، ولم يتعمد خروجه.وقد ذهب إلى ذلك بعض العلماء.لكن الراجح: أن الحدث إذا جاء للمصلي، أو لغير المصلي نقض وضوءه.


٤.٢ موجبات الوضوء


من موجبات الوضوء: النوم

ومن نواقض الوضوء أيضًا: النوم، ولكن العلماء تكلموا فيه كلاماً كثيرًا؛ فليس كل نوم ناقضاً للوضوء.فالنوم الخفيف لا ينقض الوضوء إذا كان قصيرًا، وقد يكون هذا أمرًا مجمعًا عليه.
والنوم الخفيف الطويل، قال بعض العلماء: إنه يستحب منه الوضوء.والنوم الثقيل، سواء كان قصيرًا أو طويلًا، فإنه منه الوضوء.ووردت في ذلك أحاديث: أن بعض الصحابة كانوا يكونون مع النبي -عليه الصلاة والسلام- يجلسون ينتظرون الصلاة يعني: صلاة العشاء، فتخفق رؤوسهم، يعني: تقع رؤوسهم إلى أرجلهم، أو على رُكبهم من النوم، ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضؤون؛ لأنهم متوضئون قبل الجلوس؛ فهذا يدل على: أن النوم لا يبطل الوضوء.
واشترط بعض العلماء -كما سيأتي- في التفصيل: أن النوم -خفيفًا كان أو ثقيلًا- لا بد من الجلوس متمكناً؛ فإذا كان الجالس متمكنا فإنه لا ينقض الوضوء على رأي بعض المذاهب.


٤.٢ موجبات الوضوء


sstالحديث الذي يدل على هذه المعاني

فلنأت إلى الحديث الذي يدل على هذه المعاني كلها:


الحديث عن صفوان بن عسال -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا": يعني: في نزع الخف، وإنما يُمسح عليه فقط ثلاثة أيام ولياليهن: ثلاثة أيام بلياليها لا ينزع المسافر خفَّه، إنما يمسح عليه، إلا من جنابة.فإذا كان جُنبًا، عليه أن ينزع خُفَّه، ثم يغتسل.ولا ينزع الخف من غائط، وبول، ونوم.
الحديث روي بهذا اللفظ، وروي باللفظ الذي ذكر في: باب: اشتراط الطهارة قبل ذلك في لبس الخف.وقد ذكر الإمام الشوكاني هناك: أن َّمدَاره على: عاصم بن أبي النجود، وقد تابعه جماعة.


٤.٢ موجبات الوضوء


إذن، يقرّ هذا الحديث عند العلماء، وأخذوا به، قالوا: إن معنى قوله: "لكن من غائط، وبول، ونوم" أي: لكن لا ننزع خفافنا من غائط، وبول، ونوم.
ولفظ الحديث في: باب: اشتراط الطهارة: "لا نخلعهما من غائط، ولا بول، ولا نوم.ولا نخلعهما إلا من جنابة".فذكر الأحداث التي يُنزع منها الخف، والأحداث التي لا يُنزع منها، وعَدَّ من جملتها: النوم، فأشعر ذلك بأنه من نواقض الوضوء لا سيما بعد جعله مقترناً بالبول والغائط اللَّذيْن هما ناقضان بالإجماع.والحديث استدل به من قال بأن النوم ناقض للوضوء.
وقد اختلف الناس في ذلك على مذاهب ثمانية، ذكرها الإمام النووي في "شرح مسلم"..
وعند الشافعي أنه إذا نام جالسًا ممكِّنًا مقعدته من الأرض، يعني: متمكنًا في الجلسة، لم ينتقض وضوؤه، سواء قلَّ أو كثر، سواء كان في صلاة أو في خارج صلاة، سواء كان النوم ثقيلًا أو خفيفًا؛ قاله النووي.
فعند الشافعي في هذا الرأي: أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح.


٤.٢ موجبات الوضوء


ودليل هذا القول: حديث علي، وابن عباس، ومعاوية.قوله: "إن النوم ليس حدثًا في نفسه هو الظاهر، قبِلَه بعض الناس.ولكن حديث الباب يشعر بأنه من الأحداث باعتبار اقترانه بما هو حدثٌ بالإجماع؛ إذ اقترن بالبول والغائط.فلا يخفى ضعف دلالة الاقتران، وسقوطها على الاعتبار عند أئمة الأصول.ثم إن التصريح بالنوم مظنة استطلاق الوكاء، كما جاء في حديث معاوية: ((العين وكاء السَّه، فإذا نام أحدكم فليتوضأ)).وحديث: أن الصحابة كانوا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينامون ثم يصلُّون ولا يتوضؤون من المؤيِّدات لذلك، ويبعد جهل الجميع منهم كونه ناقضًا.
والحاصل: أن الأحاديث المطلقة في النوم تُحمل على المقيّدة بالاضطجاع.وقد جاء في بعض الروايات بلفظ الحصر, وعلى ذلك، فلقد ذكرنا: أن في النوم ثمانية مذاهب.والذي ترتاح له النفس: أن النوم ينقض الوضوء إذا كان ثقيلًا، سواء كان طويلًا أو قصيرًا، ولا ينقض الوضوء إذا كان خفيفًا، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وإنما يستحب منه الوضوء".


٤.٢ موجبات الوضوء


ذكر الإمام النووي فوائد بعد ما ذكر مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بالنوم، قال: "اتفقوا على: أن زوال العقل بالجنون، والإغماء، والسكْر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، وسواء كان متمكِّنا في جلسته أو غير متمكن".وذكر فائدة أخرى، قال: "قال أصحابنا -يعني: الشافعية-: وكان من خصائص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه لا ينقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا، للحديث الذي روي عن ابن عباس -وهو حديث صحيح- قال: "نام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى سمعتُ غطيطَه، ثم صلَّى ولم يتوضأ"، والمراد بالغطيط: الصوت العالي، الدليل على أنه نوم ثقيل".
وفيه: أنه أخرج الترمذي من حديث أنس: "لقد رأيت أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوقَظون للصلاة؛ حتى أني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يقومون فيصلُّون، ولا يتوضؤون".إذن هذا يدل على: أن الأمر الأول ليس خصوصية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وفي لفظ أبي داود زيادة: "على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".


٤.٢ موجبات الوضوء


وقد جاءت أحاديث تبيِّن: أن الإنسان إذا نام انتقض وضوؤه؛ لأن العين هي التي تتحكم في السَّه أي: فيما يخرج من الدُّبر.و"السَّه" هو: الدُّبر، فعن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العين وكاء السَّه؛ فمن نام فليتوضأ))، هذا الحديث رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.فهذا الحديث أطلق: ((فمن نام فليتوضأ))؛ وعلى ذلك يكون قد قيِّد بالنوم الثقيل، كما جاءت أحاديث أخرى قيدت ذلك.وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العين وكاء السَّه؛ فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء)).يعني: الإنسان لا يدري ما يحدث له بعد ذلك.
والنوم اليسير -كما قلنا- لا ينقض؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنه-: "بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن.فجعلت إذا أغفيت -يعني نوماً يسيراًَ خفيفاً- يأخذ بشحمة أذني.قال: فصلَّى إحدى عشرة ركعة".يعني: يغفو ابن عباس، ويوقظه النبي -عليه الصلاة والسلام-، ويستمر ابن عباس في صلاته خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وعن يزيد بن عبد الرحمن عن قتادة عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ليس على من نام ساجدًا وضوءٌ حتى يضطجع؛ فإنه إذا اضطجع استرْختْ مفاصلُه)).فهذا الحديث كان هو الدليل للذين قالوا بأنَّ من نام ساجدًا هو الذي عليه الوضوء.رواه أحمد، ويزيد هو: الدولابي في هذا الحديث، قال أحمد: "لا بأس به".


٤.٢ موجبات الوضوء


من موجبات الوضوء: لمس المرأة، مسّ الذَّكَر، أكل لحوم الإبل

من نواقض الوضوء أيضًا: لمس المرأة، ولكن الاتفاق في النهاية على: أن يكون اللمس للمرأة بشهوة، فإذا لم يكن اللمس بشهوة إنما مجرد شيء عارض، لا ينقض الوضوء؛ هذا هو آخر ما قيل في ذلك.

الحديث الأول


٤.٢ موجبات الوضوء


هنا أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- من اللمس؛ إذن هذا يدل على: أن لمس المرأة بشهوة هو الذي يوجب الوضوء؛ فإنه قد جاء: عن عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقَبِّل بعض أزواجه، ثم يصلِّي ولا يتوضأ"، هذا الحديث رواه أبو داود، والنسائي، وغيرهما...
وعلى ذلك، فاللمس هنا لم يجب منه الوضوء؛ فدل على ذلك: أنه إذا كان بغير شهوة لا يجب منه الوضوء.وعن عائشة أيضًا قالت: "إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجْله".إذن مجرد المسّ أو اللمس لا يكون ناقضًا للوضوء.
وعنها أيضًا في الحديث الذي رواه مسلم، والترمذي، وصححه الترمذي،:


٤.٢ موجبات الوضوء


الحديث الثاني


أيضًا اختلف العلماء في: نقض الوضوء من مسّ الذكَر.ونهاية الكلام في ذلك: أن الوضوء ينقض بمس الذكَر، وهو ما عليه العمل:

فعن بسرة بنت صفوان: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن مسَّ ذكَره، فلا يصلِّ حتى يتوضأ)).
ولكن قال بعض العلماء: إنه إذا مسه من غير حائل، يعني: مسه بباطن الكف.أما مجرد المس بحائل، فلا ينقض.


٤.٢ موجبات الوضوء


فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أفضى بيده إلى ذكَره ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء)): هذا فيه تقييد، والسابق فيه مطلق؛ إذن فيُحمل المطلَق على المقيَّد.
وهناك حديث يقول فيه -عليه الصلاة والسلام- عندما سئل عن مس الذكر: ((إنما هو بضعة منك)): هذا حديث صحيح، لكنه نُسخ بحديث بسرة بنت صفوان الذي ذكرته وهو: قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من مس ذكره فلا يصلِّ حتى يتوضأ))، وبالحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال -عليه الصلاة والسلام-: ((من أفضى بيده إلى ذكره وليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء)).

والعلماء يوجبون الوضوء من مسّ الفرج مطلقًا يعني: مس الذَّكر لفرْجه، أو مس ذكره، أو مسّه غيره، أو مس قُبُل الأنثى.فهناك حديث عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((مَن مَسَّ فرجَه فليتوضأ)).والفرْج أعمّ من أن يكون للذكر.وعن عامر بن شعيب عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أيُّما رجل مسَّ ذكَره فليتوضأ، وأيما امرأة مسَّت فرْجَها فلتتوضأ)).


٤.٢ موجبات الوضوء


الوضوء بأكل لحوم الإبل

هذه هي الأحاديث المتأخرة، وهي التي إليها المصير وعليها العمل.

كما يُنقض الوضوء أيضًا بأكل لحوم الإبل، هذا هو الرأي النهائي في هذا عند العلماء.ودليلهم على ذلك: أن جابر بن سمرة روى: "أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنتوضأ من لحوم الغنم؟"، قال: ((إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)).قال: "أنتوضأ من لحوم الإبل؟"، قال: ((نعم، توضَّأْ من لحوم الإبل)).قال: "أنُصلِّي في مرابض الغنم؟"، قال: ((نعم)).قال: "أنصلِّي في مرابض الإبل؟"، قال: ((لا))". هذا الحديث رواه الإمام أحمد في "مسنده"، ورواه مسلم في "صحيحه"، وهو ما عليه العمل.