![]() |
وردت الآية الكريمة في كيفية الوضوء لتبيِّن لنا وللنبي -صلى الله عليه وسلم- من قبلِنا، وليبيِّن لنا كيف نتوضأ؛ قال تعالى: ))يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ(( (المائدة: ٦). |
![]() |
هذه الآية ذكرت أربعة أركان من أركان الوضوء، وهي: غسل اليدين، وغسل الوجه، وغسل الرجلين، والمسح بالرأس. |
![]() |
هذه هي الأركان الأربعة، ويزاد عليها ركنٌ خامسٌ في كلِّ العبادات ألا وهو: النية. |
![]() |
وبيَّن -صلى الله عليه وسلم- لنا الوضوء عمليًّا، فتوضأ.وبيَّن لنا الترتيب.وبيَّن لنا: أنه كان يتوضأ ثلاث مرات -أي: يغسل كلَّ عضو ثلاث مرات-.وبيَّن لنا: أن مرة واحدة تكفي للدخول في الصلاة، ويكون وضوءًا صحيحًا مشروعًا. |

![]() |
أما حمران فهو: حمران بن أبان.هذا الرجل أسَره المحارب المسلم سيف الله سيدنا خالد بن الوليد -رضي الله عنه وأرضاه-.سباه في غزوة من غزواته، وقدَّمه إلى سيدنا عثمان بن عفان، فأعتقه عثمان بن عفان فصار مولى له؛ فيقال: حمران مولى عثمان بن عفان. |
![]() |
الحديث الذي معنا يتحدث عن وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم-: كيف كان يتوضأ -عليه الصلاة والسلام-: كيف كان يمسح رأسه؟ هل مسح رأسه ثلاثًا، أو مرة؟ هل غسل رجليه ثلاثًا، أو اكتفى بمرة؟ عندما كان يمسح رأسه، هل كان يبدأ من المقدمة إلى المؤخرة، أو العكس؟ هل كان يدخل أصابعه في شعره؟ هل كان يُقبل ويُدبر بيده في رأسه؟ ثم تحدث الحديث عن المضمضة، والمضمضة لم تأت في الآية الكريمة.كما تحدث الحديث عن الاستنشاق، والاستنثار.وتحدث حديث آخر عن مسح الأذن، فهل هذا الذي لم يذكر في الآية الكريمة يعتبر أركانًا؟ |
![]() |
قال العلماء: لا، إن الأركان ذكرت في الآية الكريمة، وما لم يذكر في الآية الكريمة إنما يكون سُنة ومندوبًا ومستحبًّا، ما عدا النية فهي ركن في كل العبادات. |
![]() |
عن حمران: "أن عثمان دعا بوَضوء". |
![]() |
و"الوَضوء" هو: الماء الذي يتوضأ به. |
![]() |
أما "الوُضُوء" فهو: فعل الوضوء نفسه، كالطَهور والطُهور. |
![]() |
"دعا عثمان بوَضوء، فغسل كفيه ثلاث مرات"، معنى "غسل كفَّيْه" أي: غسل كفيْه إلى الرسغين. |
![]() |
"ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر.ثم غسل وجهه ثلاث مرات.ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك.ثم مسح برأسه"، في رواية عن علي: "ثم غسل برأسه مرة واحدة"؛ فبيَّن أن مسح الرأس يكون مرة واحدة. |
![]() |
"ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات"؛ اليمنى تُغسل ثلاث مرات، واليسرى ثلاث مرات. |
![]() |
ثم قال عثمان -رضي الله عنه-: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوئي هذا"، وهذا الحديث متفق عليه. |
![]() |
الحديث يقول: "فغسل كفيه ثلاث مرات": هذا من سنن الوضوء؛ لأن كلّ ما فعل في الوضوء ولم يذكر في الآية الكريمة التي في سورة (المائدة) فيُعتبر سننًا، ولا يعتبر أركانًا.فالمضمضة باتفاق من: السنن.وغسل الكفين ثلاث مرات من السنن أيضًا؛ لأن غسل الكفين لم يرد في الآية، إنما ورد غسل اليدين إلى المرفقين، وهذا باتفاق العلماء، والغسل هنا لليدين ثلاث مرات المراد به الغسل في الوضوء، وليس الغسل بعد الاستيقاظ؛ إذ المسلم مطالب بأن يغسل يديه بعد الاستيقاظ ثلاث مرات قبل أن يضعها في الإناء؛ لأنه لا يدري أين باتت يده، كما جاء في الحديث. |
![]() |
فالذي نحن بصدده الآن هو: غسل الكفين في الوضوء من أجل الصلاة.فالمسلم لو استيقظ وأراد الوضوء عليه أن يغسل الكفين للاستيقاظ ثلاث مرات، ثم يغسلهما مع الوضوء، ويحتمل أن تدخل الكفان في الوضوء في غسل اليد. |
![]() |
"المضمضة": أن يجعل المسلم المتوضئ الماء في فمه، ثم يمجّه يعني: يخضخضه.وكمال المضمضة: أن يجعل الماء في فيه، ثم يُديره، ثم يمجّه.والمضمضة: تحريك الماء في الفم، ولم يجعل منه المج، ولم يذكر في حديث عثمان هل فعل ذلك -صلى الله عليه وسلم- مرة، أو ثلاثًا.لكن في حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أنه مضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثًا.. |
![]() |
فرواية عليٍّ بيَّنت: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تمضمض، واستنشق، واستنثر ثلاث مرات. |
![]() |
و"الاستنشاق" هو: إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنفَس إلى أقصاه ما لم يكن صائمًا؛ فإن الصائم مطالب بألَّا يبالغ في الاستنشاق حتى لا يسبق الماء إلى جوفه، فيكون ذلك سببًا في إبطال صومه. |
![]() |
و"الاستنثار" عند جمهور أهل اللغة، والمحدثين، والفقهاء: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق.فدخول الماء إلى الأنف: استنشاق، وإخراجه: استنثار. |
![]() |
"ثم غسل -رضي الله عنه- وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى": فيه بيان لما أُجمِل في الآية الكريمة من قوله: ))فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...(( الآية، وأنه يقدِّم اليمنى فيه، في قوله: "ثم غسل يده اليمنى": بيان لما أجمل في الآية؛ فالآية لم تبين أن المتوضئ يغسل اليمنى قبل اليسرى، والحديث بيَّن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بدأ بالميامن في يديه، وفي رجليه.والمرفق يدخل في غسل اليد؛ لأن "إلى" هنا -وإن كانت للغاية- لكن أجمع العلماء ممَّا رأوه من فعل عثمان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه أدخل المرفق في غسل اليد.وكلمة "إلى" للانتهاء، وقد تستعمل بمعنى "مع".وهي في هذا الحديث بمعنى "مع"، بينت ذلك الأحاديث الأخرى.بيْد أن المراد -كما في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "كان يدير الماء على مرفقيه". |
![]() |
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يوصل الماء إلى المرفق: "كان يدير الماء على مرفقيْه" -صلى الله عليه وسلم-، أخرجه الدارقطني بسند ضعيف.وأخرج بسند حسن في: صفة وضوء عثمان: "أنه غسل يديه إلى المرفقين، حتى مسح أطراف العضدين".وهو عند البزار، والطبراني من حديث وائل بن حجر في: صفة الوضوء: "وغسل ذراعيه؛ حتى جاوز المرفق". |
![]() |
فالأحاديث كثرت -وإن كان في بعضها ضعف- إلا أن بعضها يقوِّي بعضها بعضًا في: أن المرفق يدخل في غسل اليدين.والعلماء عندهم قاعدة في ذلك، قالوا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.فالذي يترك المرفقين قد لا يكون قد أتى بالواجب؛ من هنا ينبغي: أن يدخل غسل المرفقين في غسل اليدين، والأحاديث دلت على ذلك. |
![]() |
ففي الطحاوي أيضًا، والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه: "ثم غسل ذراعيه، حتى سال الماء على مرفقيه".هذه الأحاديث يقوِّي بعضها بعضًا.قال إسحاق بن راهويه: {إلَى} في الآية الكريمة يحتمل أن تكون بمعنى الغاية، ويحتمل أن تكون بمعنى "مع"، فبيّنت السنة أنها بمعنى "مع". |
![]() |
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "لا أعلم خلافًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء؛ وبهذا عرفنا: أن الدليل قد قام على دخول المرفقين في غسل اليدين. |
![]() |
وقال الزمخشري: "لفظ ))إلَى(( يفيد معنى الغاية مطلقًا.فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل".ثم ذكر أمثلة لذلك، وقد عرفت أنه قد قام الدليل على دخول المرفقين في غسل اليدين. |
![]() |
قوله ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك" أي: إلى المرفق ثلاث مرات.يعني: كما تغسل اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، تغسل اليسرى أيضًا إلى المرفق ثلاث مرات.ولنعلم: أن الثلاث في الغسل ليس بواجب، إنما يصح الدخول في الصلاة، ولو غسل كل عضو مرة واحدة؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرة" يعني: غسل كل عضو مرة، "ثم قال: ((هذا وضوء لا تصح الصلاة إلا به)).ثم توضأ مرتين"، يعني: غسل كل عضو مرتين، "ثم قال: ((مَن ضاعف ضاعف الله له))" أي: ضاعف له في الأجر."ثم توضأ ثلاثًا" يعني: غسل كل عضو ثلاث مرات، "ثم قال: ((هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي))". |
![]() |
"ثم مسح برأسه": اختلف العلماء في المسح: هل يمسح جميع الرأس؟ أم يكفي مسح البعض؟ والذين قالوا بالبعض اختلفوا: هل يمسح الربع؟ أم يكفي بعض شعرات؟ جاء الخلاف في هذه المسألة، والخلاف جاء بسبب حرف "الباء" في قوله تعالى: ((وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)). |
![]() |
فبعضهم قالوا: إن "الباء" للإلصاق، فلا بد أن يسمح المتوضئ بكل رأسه.وبعضهم قالوا: إن "الباء" للتبعيض، أي: فامسحوا ببعض رءوسكم، وهذا البعض قال بعض العلماء: يكفي فيه ربع الرأس، وقال بعضهم: يكفي ولو شعرات. |
![]() |
الأصل فيه: فامسحوا بالماء رءوسكم، يعني: المسح إنما يكون بالماء.واختلف العلماء: هل يجب مسح كل الرأس أو بعضه، قالوا: والآية لا تقتضي أحد الأمرين بعينه؛ إذ قوله: ))وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ(( يحتمل جميع الرأس، أو بعضه.ولا دلالة في الآية على استيعابه، ولا عدم استيعابه.ولكن من قال: يجزئ مسح بعضه قال: إن السنة وردت مبيِّنة لاحتمالَيِ الآية؛ وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ، فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدّم رأسه".والسبب في "الباء" أنها للتبعيض.وهذا الحديث مرسل، لكن -وإن كان مرسلًا- فقد اعتضد -أي قوي- بمجيئه مرفوعًا من حديث أنس، وفيه راو في سنده: مجهول.لكن عُضد أيضًا بما أخرجه سعيد بن منصور من حديث عثمان في: صفة الوضوء: "أنه مسح مقدّم رأسه".وثبت عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس؛ قال ذلك ابن المنذر وغيره، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. |
![]() |
ومن العلماء من يقول: لا بد من مسح البعض مع التكميل على العمامة.النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح بعض رأسه، وكمل المسح على عمامته؛ إذن فالمراد الرأس كلها.فالذي يلبس عمامة ويمسح على البعض، يكمل بقية المسح على العمامة؛ قال ذلك بعض العلماء، لحديث المغيرة، وجابر عند مسلم، ولم يذكر في هذه الرواية تكرار لمسح الرأس، لكن ذكر التكرار في رواية أخرى، كما ذكره في غيرها، وإن كان قد طوى ذلك ذكر التكرار أيضًا في المضمضة -كما عرفت-، وعدم الذكر لا دليل عليه ويأتي الكلام في ذلك. |
![]() |
ثم بعد ذلك تحدث الحديث عن غسل الرجل اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات.والكلام في ذلك في اليد اليمنى أيضًا إلى المرفق، إلا أن المرفق قد اتفق على مسماها خلاف الكعبين.وقع خلاف في الكعبين: من أين؟ أو ما هما الكعبان؟ فوقع في المراد بالكعبين خلاف.المشهور: أنه العظم الناشز عن ملتقى الساق؛ وهو قول الأكثر.وحكي عن أبي حنيفة والإمامية: أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقِد الشراك. |
![]() |
قال في الشرح.ومن أوضح الأدلة -أي: على ما قاله الجمهور-: حديث النعمان بن بشير في: صفة الصف في الصلاة: "فرأيت الرجل منا يُلزق كعبه بكعب صاحبه".ولا يخفى: أنه لا ينهض فيه؛ لأن المخالف يقول: أنا أسميه كعبًا، ولا أخالفكم فيه، فما زال الخلاف في الكعب؛ ولكن الراجح: أنه العظم الناشز فوق القدم.ويمسح اليسرى أيضًا ثلاث مرات. |
![]() |
ثم قال -أي: عثمان رضي الله عنه-: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوئي هذا".والصحابة قبلوا ذلك من عثمان بن عفان. |
![]() |
فهذا حديث فعْلي، بيَّن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي))، و((خذوا عني مناسككم))، فنأخذ أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- ونفعل مثل فعله. |
![]() |
وتمام الحديث: ((من توضَّأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه، غُفِر له ما تقدم من ذنبه)). |
![]() |
هذا جزاء عظيم، وثواب من الله -سبحانه وتعالى- لمن يتوضأ وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يصلي ركعتين خالصتين لله -سبحانه وتعالى-، ولا يحدِّث نفسه بشيء من أمور الدنيا.وإنما لو تحدث بشيء من أمور الآخِرة فإن ذلك لا يضر، غفر له ما تقدم من ذنبه.فهذا جزاء عظيم. |
![]() |
يقول شراح هذا الحديث: أي لا يحدث المسلم نفسه في الركعتين بعدما يتوضأ هذا الوضوء الذي هو على كيفية وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يحدث فيهما نفسه بأمر من أمور الدنيا، وما لا تعلق له بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه بمجرد عروضه عُفي عنه.ولا يعد محدِّثًا لنفسه يعني: بمجرد أن يخطر له خاطر يَدفعه، حتى لا يكون محدثًا لنفسه بأمر من أمور الدنيا.جزاؤه: غفر له ما تقدم من ذنبه. |
![]() |
هذا الحديث أفاد: الترتيب بين أعضاء الوضوء.وأفاد التثليث يعني: الغسل ثلاثًا لكل عضو.أما الترتيب فواضح؛ فلقد رتَّب -صلى الله عليه وسلم- كما ذكر عثمان الكفين أولًا، ثم المضمضة، ثم الاستنشاق، ثم الاستنثار، ثم غسل الوجه ثلاث مرات، ثم غسل اليدين إلى المرفقين ثلاثًا، ثم المسح بالرأس، ثم غسل الرجل اليمنى، ثم غسل الرجل اليسرى إلى الكعبين ثلاثًا؛ فهذا هو الترتيب الذي جاء في الحديث، فأفاد الحديث الترتيب. |
![]() |
ولكن اختلف العلماء: هل هذا الترتيب واجب؟ فمن العلماء من قال بوجوبه.ومنهم من قال: بأن الترتيب بين أعضاء الوضوء ليس بواجب.ومن الذين قالوا بعدم وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء: الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تعالى-. |
![]() |
الحديث أفاد الترتيب بين الأعضاء المعطوفة بـ"ثم"؛ لأن "ثم" تفيد الترتيب والتراخي، كما أفاد التثليث، ولم يدل على الوجوب؛ لأنه إنما هو صفة فعل ترتبت عليه فضيلة لم يدل الحديث على الترتيب، ولا على التثليث؛ لأنه صفة فعل ترتبت عليه فضيلة، ولم يترتب عليه عدم إيذاء. |
![]() |
لكن الكلام يحتاج إلى تفصيل: فلقد قال العلماء: لا يدل الحديث على الوجوب؛ إنما أفاد الترتيب، وأفاد التثليث؛ وليس ذلك دليلاً على الوجوب.والذي لم يقل بالوجوب في الترتيب: الإمام مالك -رحمه الله تعالى-.وعدم وجوب التثليث دل عليه الحديث الذي ذكرته قريبًا، وهو: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرة، ثم قال: ((هذا وضوء لا تصح الصلاة إلا به))، فدل ذلك على: عدم وجوب التثليث.فالحديث بيان صفة فعل ترتبت عليه فضيلة مَن التزم بها فله الفضل، ومن لم يلتزم فصلاته صحيحة.فلم يترتب عليه عدم إجزاء الصلاة إلا إذا كان بصفته، ولا ورد بلفظ يدل على إيجاب صفته. |
![]() |
فأما الترتيب فخالفت فيه الحنفية، وكذا المالكية، وقالوا: "لا يجب الترتيب". |
![]() |
وأما التثليث فغير واجب بالإجماع.وفيه خلاف شاذ.يعني: من قال بالوجوب يعتبر مخالفًا، ويعتبر شاذًا في قوله هذا.ودليل عدم وجوبه: تصريح الأحاديث بأنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ مرتين مرتين، ومرة مرة، وبعض الأعضاء ثلَّثها، وبعضها بخلاف ذلك.يعني: غسل العضو أكثر من ثلاث في وضوء مرة مرة أنه لا تقبل الصلاة إلا به. |
![]() |
وأما المضمضة والاستنشاق؛ فقد اختلف في وجوبهما، فقيل: يجبان لثبوت الأمر بهما.الذين يأخذون بالظاهر قالوا: ما دام قد ورد الأمر بالمضمضة، والاستنشاق، فإنهما تكونان واجبتين. |
![]() |
الأمر بهما جاء في حديث أبي داود بإسناد صحيح، وفيه: ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)).((وبالِغْ)): فعل أمر، والأمر هنا: للوجوب. |
![]() |
واستدلوا أيضًا بمواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهما في جميع وضوئه، فما توضأ -صلى الله عليه وسلم- إلا ومضمض واستنشق. |
![]() |
والذين قالوا بالسنية: |
![]() |
دليلهم: أن الأركان إنما هي التي ذكرت في الآية الكريمة؛ ولذلك قيل: إنهما سُنة، بدليل حديث أبي داود والدارقطني، وفيه: ((إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليْه إلى الكعبين))؛ فلم يذكر في هذا الحديث المضمضة والاستنشاق؛ فهنا تكونان من السنن؛ أي: المضمضة والاستنشاق. |
![]() |
أما مسح الرأس فهو واحدة، وذلك ما جاء عن علي -رضي الله عنه- في صفة الوضوء: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح برأسه مرة واحدة"، أخرج هذا الحديث أبو داود، وهو: قطعة من حديث طويل استوفى فيه أبو داود صفة الوضوء من أوله إلى آخره.وهو يفيد ما أفاد حديث عثمان، وهو: مسح الرأس مرة فإنه نص: أنه واحدة، مع تصريحه بتثليث ما عداه من الأعضاء.ولكن العلماء اختلفوا في هذا التثليث: |
![]() |
فقال قوم بتثليث مسحه، كما يثلث غيره من الأعضاء؛ إذ هو من جملتها، وقد ثبت في الحديث تثليثه، وإن لم يذكر في كل حديث ذكر فيه تثليث الأعضاء.فإنه قد أخرج أبو داود من حديث عثمان في: تثليث المسح، أخرجه من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة، وذلك كاف في ثبوت هذه السنة. |
![]() |
وقيل: لا يشرع تثليث مسح الرأس؛ لأن أحاديث عثمان صحاح كلها، كما قال أبو داود.وكلها تدل على مسح الرأس مرة واحدة. |
![]() |
ثم استدلوا أيضًا: بأن المسح مبنيٌّ على التخفيف.فإذا مسح ثلاث مرات، تحوَّل من المسح إلى الغسل.فالمسح مبني على التخفيف أصلًا، فلا يقاس عليه الغسل. |
![]() |
واستدلوا أيضًا بأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل.وأجيب عن ذلك، وهو كلام كثير بين العلماء.لكن الراجح: أن المسح يكفي فيه مرة واحدة، كما ذُكر في حديث عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. |
![]() |
وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا مسح رأسه يُقبل ويُدبر بيديه فيهما.والدليل على ذلك: ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم -رضي الله عنهما- في: صفة الوضوء.قال: "ومسح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برأسه، فأقبل بيديه وأدبر".والحديث -كما ذكرت- متفق عليه.وفي لفظ للبخاري ومسلم: "بدأ بمقدم رأسه -يعني: بدأ من الأمام- حتى ذهب بهما إلى قفاه.ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه".وفُسِّر الإقبال باليدين: بأنه بدأ من مؤخَّر رأسه؛ فإن الإقبال باليد إذا كان مقدمًا يكون من مؤخِّر الرأس. |
![]() |
إلا أنه قد ورد في البخاري بلفظ: "وأدبر بيديه وأقبل".واللفظ الآخر في قوله، وفي لفظ لهما، أي: للشيخين: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما -أي: اليدين- إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه".فالحديث يفيد صفة المسح للرأس، وهو: أن يأخذ الماء بيديه فيُقبل بهما ويُدبر.وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: |
![]() |
القول الأوَّل: أن يبدأ بمقدَّم الرأس الذي يلي الوجه، فيذهب إلى القفا، ثم يردُّهما إلى المكان الذي بدأ منه.وهو مبتدأ الشَّعر من حدِّ الوجه، وهذا هو الذي يعطيه ظاهر قوله: "بدأ بمقدّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما، حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، إلا أنه ورد عن هذه الصفة: أنه أدبر بهما وأقبل لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال.هذا هو المذهب الأول في كيفية مسح الرأس في: أنه يبدأ من مقدّم الرأس، أو يأتي من المؤخرة إلى المقدمة. ولكن أجيب عن هذا: بأن "الواو" لا تقتضي الترتيب؛ فالتقدير "أدبر وأقبل" يعني: فيحتمل أنه أتى من مؤخرة الرأس، ويحتمل أنه أتى من مقدّمة الرأس. | |
![]() |
المذهب الثاني: أن يبدأ بمؤخّر الرأس، ويمر إلى جهة الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر، محافظة على ظاهر لفظ: "أقبل وأدبر".فالإقبال إلى مقدم الوجه، والإدبار إلى ناحية المؤخر.وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح: "بدأ بمؤخّر رأسه"، ويحتمل الاختلاف في لفظ الأحاديث على تعدّد الحالات. |
![]() |
المذهب الثالث: أن يبدأ بالناصية، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه؛ وهو: الناصية.ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله: "بدأ بمقدم رأسه"، مع المحافظة على ظاهر لفظ: "أقبل وأدبر"؛ لأنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ بمقدّم رأسه، وصدق أنه أقبل أيضًا فإنه ذهب إلى ناحية الوجه وهو القبل.وقد أخرج أبو داود من حديث المقدام: "أنه -صلى الله عليه وسلم- لما بلغ مسح رأسه، وضع كفيْه على مقدّم رأسه فأمرَّهما حتى بلغ القفا، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه"؛ وهي عبارة واضحة في المراد.والظاهر: أن هذا من العمل المخيَّر فيه المسلم، وأن المقصود من ذلك: تعميم الرأس بالمسح. |
![]() |
أما مسح الأذنين، فلم يردْ ذلك في حديث عثمان بن عفان.والمعروف: أن مسح الأذنين سُنة، ظاهرهما وباطنهما.والدليل على مشروعية مسح الإذنين، وأنه من سنن الوضوء: الحديث الذي رواه ابن خزيمة وصححه.ورواه أبو داود، والنسائي، وهو: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- في: صفة الوضوء قال: "ثم مسح برأسه -صلى الله عليه وسلم-، وأدخل إصبعيه السباحتيْن في أذنيْه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيْه". |
![]() |
والمراد بـ"السبّاحتين": السبابتين، لكن اللفظ المؤدب عند المسلمين بدلًا من قولهم: "السبابة" يقولون: "السبّاحة"، أو المسبِّحة.الحديث كالأحاديث الأُوَل التي رويناها في: صفة الوضوء، إلا أنه فيه مسح الأذنين الذي لم يَرِدْ في الأحاديث التي سلفت أن ذكرناها. |
![]() |
ومسح الأذنيْن قد ورد في عدَّة من الأحاديث.وجاء في حديث المقدام بن معدي كرب عند أبي داود والطحاوي بإسناد حسن.ومن حديث الربيع، أخرجه أبو داود أيضًا، ومن حديث أنس عند الدارقطني، والحاكم، ومن حديث عبد الله بن زيد، وفيه: "أنه -صلى الله عليه وسلم- مسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه"، قال فيه البيهقي: "هذا إسناد صحيح"؛ وإن كان قد تعقَّبه ابن دقيق العيد وقال: "الذي في ذلك الحديث: "ومسح رأسه بماء غير فضل يديه"، ولم يذكر الأذنين". |
![]() |
واختلف العلماء: هل يؤخذ للأذنين ماء جديدٌ، أم يُمسحان ببقية ما مُسحت به الرأس؟ |
![]() |
والأحاديث قد وردت بهذا وبهذا. |
![]() |
ثم يبقى في الوضوء أيضًا: أنه يُطلب من المسلم: أن يسبغ الوضوء، وأن يخلل بين الأصابع، وأن يبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائمًا. |
![]() |
والمراد بالإسباغ: تعميم أعضاء الوضوء بالماء. |
![]() |
والمراد بالتخليل: أن يدخل أصابعه بعضها في بعض.فعن لقيط بن صبرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أسبغوا الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا))، أخرجه هذا الحديث: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة.ولأبي داود: ((إذا توضأت فمضمضْ)). |
![]() |
وأيضًا من هذه الأحاديث المتعلقة بالوضوء: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخلل لحيته -أي: يدخل أصابعه في شعر لحيته حتى يصل إلى البشرة.فعن عثمان -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخلل لحيته في الوضوء"، أخرج ذلك الترمذي، وصححه ابن خزيمة.هذا ما جاء في الوضوء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
والوضوء له فضل عظيم؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- قال: ((إن أمتي يأتون يوم القيامة غرًّا محجَّلين من أثر الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّته فليفعل))، والحديث متفق عليه.والمراد بـ"الغُرَّة": البياض الذي يكون في جبين الفرس، أو في وجه الفرس، و"التحجيل" هو: البياض الذي يكون في رجْل الفرس.فيأتي المسلم يوم القيامة مضيئًا منه هذان المكانان: الوجه، والقدمان.وتكون علامة يعلم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمَّته يوم القيامة، فيسقيهم من حوضه الشريف شربة لا يظمؤون بعدها حتى يدخلوا الجنة. |