٣.٣ ما فُصِل من بدن المسلم من أجزاء، ودبغ جلد ميتة مأكول اللحم
الأحاديث التي جاءت في طهارة جسد المسلم كلِّه، حتى ما فُصِل منه
المسلم طاهر الجسد والشَّعر، وجميع أجزاء بدنه طاهر حتى ما فصل منه.
ولنبدأ بالأحاديث التي وردت في طهارة جسد المسلم كله حتى ما فُصل منه:
مضى أن المسلم لا ينجس، وهو عامّ في الحي والميت. قال البخاري وقال ابن عباس: "المسلم لا ينجس حيًّا ولا ميتًا". ولعلكم تتذكرون قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لحذيفة بن اليمان ولأبي هريرة، عندما أراد كلّ منهما وهو جُنب: أن يبتعد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي: لكل واحدٍ منهما على حِدة في حادثته التي انفرد بها: ((إنَّ المؤمن لا يَنجس)).
عن أنس بن مالكٍ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رمَى الجمرة، ونحر نسُكه، وحلَق، ناول الحلاق شِقَّه الأيمن فحلَقه. ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إيَّاه، ثم ناوله الشِّقَّ الأيسر فقال: ((احلقه)) فحلَقه، فأعطاه أبا طلحة، وقال: ((قسِّمْهُ بين الناس))، وهذا الحديث متفق عليه.
وعن أنسٍ قال: "لما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحلق الحجَّام رأسه، أخذ أبو طلحة بشعر أحد شقَّي رأسه -صلى الله عليه وسلم- بيده، فأخذ شعره فجاء به إلى أم سليم، قال: وكانت أم سليم تدوفه في طيبها".
وعن أنس أيضًا: "أن أم سليم كانت تبسط للنبي -صلى الله عليه وسلم- نطعًا فيقيل عندها على ذلك النطع. فإذا قام أخذت مِن عَرَقه وشعره فجمعتْه في قارورة، ثم جعلته في سُكٍّ. قال: فلما حضرت أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يُجعل في حَنوطه" أي: يُجعل في حَنوطه شيء من عَرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وفي حديث صلح الحديبية من رواية مِسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم: "أن عروة بن مسعود قام من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد رأى ما يصنع به أصحابه، ولا يبصق بُصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه".
وعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدحٍ من ماء، فجاءت بجلجُلٍ من فضة فيه شعر من شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان إذا أصاب الإنسانَ عين أو شيء بعث إليها بإناء، فخضخضتْ له فشرب منه. فاطَّلعتُ في الجلجل، فرأيت شعرات حمرًا"، رواه البخاري.
وعن عبد الله بن زيد -وهو صاحب الأذان- "أنه شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- عند المنحر، ورجل من قريشٍ وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه شيء ولا صاحبه. فحلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسه في ثوبه، فأعطاه منه، وقسم منه على رجال. وقلَّم أظفاره فأعطى صاحبه. قال: وإن شعره -صلى الله عليه وسلم- عندنا لمخضوب بالحناء والكتَم"، رواه الإمام أحمد في "مسنده".
٣.٣ ما فُصِل من بدن المسلم من أجزاء، ودبغ جلد ميتة مأكول اللحم
 |
أما ما كان في صلح الحديبية، وما رآه عروة الثقفي -عروة بن مسعود من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم يقفون حوله، ويدافعون عنه. رأى منهم عجبًا: رأى أنه لا يسقط بُصاق من بصاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى الأرض، وإنما يبتدرونه فيأخذونه ويمسحون به وجوههم وأيديهم، ويمسحون به رؤوسهم، تبرُّكًا بهذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. |
 |
كما ذكر عروة: أنه لا تسقط شعرة من شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وأخذها أصحابه، واحتفظوا بها. وعندما احتفظوا بهذا الشعر، بيَّنت الرواية التي رواها عثمان بن عبد الله بن موهب: أنه أرسل يومًا - أرسله أهله- إلى أم سلمة بقدحٍ من ماء، فجعلت الماء في جُلجل وخضخضته، وأعطته الماء، ليستشفي به المعيون -أي: الذي حُسِد-، ومن كان به أي داء يستشفي بذلك الذي وُضعت فيه شعرة من شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. |
 |
الحديث الآخر الذي بيَّن فيه عبد الله بن زيد -وهو: صاحب الأذان-: أنه شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- عند المنحر وهو يقسم الأضاحي -إذًا هذا يعطينا: أن الإنسان يقسِّم أضحيته-، وبيَّن أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حلق، فوزَّع شعره، ووزَّع قلامة أظفاره على الحاضرين، وبين أنه يحتفظ بشعرة مخضوبة بالحناء من شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. |
٣.٣ ما فُصِل من بدن المسلم من أجزاء، ودبغ جلد ميتة مأكول اللحم
دباغ جلد ميتة مأكول اللحم يطهره
تطهير الجلد -أي: جلد الحيوان- مأكول اللحم بالدباغ، وإن كان ميتًا. يعني: لو مات الحيوان مأكول اللحم ننتفع بجلده، بشرط أن ندبغه.
جاءت أحاديث كثيرة تؤيِّد ذلك، وتدل على: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أباح لنا أن ننتفع بجلد الميتة بعد دبغه، مجرد الانتفاع وليس الأكل. فالأكل ممنوع، أما الانتفاع بعد الدبغ، كأن يتخذ قربةً أو شنًّا بعد دبغه؛ فهذا أمر مشروع أقرَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وجاءت بعد ذلك أحاديث نفَت أو منعت الانتفاع بجلد الميتة، كما سأبين أن هذه الأحاديث التي منعت الانتفاع بجلد الميتة حتى ولو دبغ هي أحاديث فيها إرسال، وانقطاع، واضطراب، فلا ترقى لِأَن تكون ناسخةً للانتفاع بجلد الميتة بعد دبغه؛ لأن ذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
٣.٣ ما فُصِل من بدن المسلم من أجزاء، ودبغ جلد ميتة مأكول اللحم
الحديث الذي جاء في هذا الموضوع
٣.٣ ما فُصِل من بدن المسلم من أجزاء، ودبغ جلد ميتة مأكول اللحم
 |
والأحاديث المذكورة في هذا الباب تدل على: عدم اختصاص هذا الحكم بنوعٍ من أنواع الميتة. |
 |
وقد اختلف أرباب العلم في ذلك الموضوع على سبعة أقوال، ذكرها الإمام النووي -رحمه الله تعالى-. |
 |
والراجح: أنها طهرت بدباغها، فالأحاديث في ذلك صريحة وصحيحة. |