٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


الحديث المتعلق بعذاب القبر بسبب البول

الحديث الأول فيها: روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "مرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانيْن يُعذَّبان في قبورهما. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير))، ثم قال: ((بلى! كان أحدُهما لا يستتر من بوله. وكان الآخَر يمشي بالنميمة)). ثم دعا بجريدة رطبة فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منهما كسرة. فقيل: "يا رسول الله، لِمَ فعلتَ هذا؟"، فقال: ((لعلَّه أن يُخفّف عنهما ما لم يَيْبَسا)).

شرح الحديث

هذا الحديث ما زال في الأحكام المتعلقة بالبول، والأحاديث التي جاءت في أحكام البول كثيرة جدًّا. فلماذا كل هذا الاهتمام بهذا الموضوع؟ لأنه لا بد من الغسل أو الرش من بول الصبي بالثوب الذي يصيبه بول الصبي، والغسل من بول الجارية؛ لأن الأمر يتعلق بأمر خطير وهو: قبول الصلاة وعدَمه.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


فهذا الحديث يبيِّن لنا: أن البول الذي لا يَتحرَّز منه المسلم يكون سببًا في عذابه في قبره، لماذا؟ لأنه سيترتب على هذا البول الذي يُصيب الثوب: أن يتنجس الثوب، فيقف المسلم ليصلِّي فلا تُقبل صلاته؛ ومن هنا جاءت أحاديث في هذا المعنى، تدل على: أن عذاب القبر أغلبه من البول. يقول حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ ((أكثر عذاب القبر من البول)).
والحديث الذي معنا يمر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- على قبرين من قبور المدينة أو قبور مكة، الراوي يشك: هل كانت هذه الحادثة في قبور مكة أو في قبور المدينة، فأتى باللفظين معًا؛ وهذا دليل على أمانة الراوي إذا شك في لفظ أتى باللفظين حتى يخرج من العهدة. فوجد -صلى الله عليه وسلم-: أنَّ صاحبَي القبرين يعذبان. الذين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الصحابة لم يسمعوا، ولم يروا، أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسمعه ربُّه، فسمع هذا العذاب في القبر. ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- لم ترض نفسه بأن يمر ويتركهما في العذاب؛ بل طلب من ربه التخفيف، ولجأ إلى أن يضع على قبريْهما شيئًا، لعل ذلك الشيء يكون سببًا في تخفيف عذابهما.
هذا الحديث الذي نحن بصدده يتعلق بعذاب القبر بسبب البول. يثبت لنا: أن في القبر عذابًا. ويردّ الحديث على المنكرين لذلك؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يُعذَّبان((.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


وثبت عذاب القبر في أحاديث أخرى. فلقد قال -صلى الله عليه وسلم- ((القبر إمَّا روضة من رياض الجنة، وإمَّا حفرة من حفر النار))، وبيَّن -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره، والذي معناه: أن الميت عندما يوضع في قبره يأتيه ملكان، فيسألانه، فالموفَّق يقول: "ربي الله، وديني الإسلام"، فيقولان له: "ماذا تقول في الرجل الذي بُعث إليكم؟"، فيقول: "هو: عبد الله ورسوله"، فيقولان له: "نَم نومة العروس". ثم يُفتح له بابٌ في قبره إلى الجنة، فيأتيه من رَوْحها وريحانها. والآخر غير الموفَّق يُسأل: "من ربك؟"، فيقول: "لا أدري"، "ما دينك؟"، "لا أدري"، "ماذا تقول في الرجل الذي بُعث إليكم؟"، فيقول: "لا أدري، سمعت الناس يقولون فيه قولًا فقلتُ مثلما قالوا"، فيضربانه بحديد في أيديهما، ويقولان له: "لا دَريت ولا تليْت". ثم يُفتح له باب إلى جنهم، فيأتيه من حرِّها ولهبها إلى يوم القيامة".
والقرآن الكريم أثبت عذاب القبر في آيات كثيرة: فقد قال تعالى: ))يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ(( (إبراهيم: ٢٧). فهذا التثبيت يكون في القبر، على أرجح الأقوال في تفسير هذه الآية.
وقال تعالى عن آل فرعون: أنهم يعذبون في هذه الدنيا، ويوم القيامة سيكون هناك العذاب الأشد، والتنكيل. فأين يكون العذاب في الدنيا إلا في القبر بعد موتهم وهلاكهم؟ قال تعالى: ))النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(( (غافر: ٤٦). إذًا هنا يعرضون: ))غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ((.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


ثم هناك آية أخرى في سورة (نوح)، قال تعالى بعدما أغرق قوم نوح، وجاء الطوفان، قال تعالى: ))مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارا (((نوح: ٢٥). بمجرد أن غرقوا دخلوا النار، "الفاء" للترتيب والتعقيب عند علماء اللغة، أما "ثم" فللترتيب والتراخي. لو قال: "ثم أُدخلوا النار" لكان من الممكن أن يكون هناك تراخٍ، ولا تكون النار إلَّا يوم القيامة، لكنه قال في الآية الكريمة: ))مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارا((: بمجرد غرقهم أدخلوا في النار.
فهذه الآيات وهذا الحديث وغيره إنما يُثبت عذاب القبر.
أما صاحبا القبر: هل هما مسلمان؟ أم كافران؟ الحديث يدل على أنهما مسلمان لأنهما يُعذبان من البول، والعذاب من البول يكون من أجل الصلاة، وهما كانا لا يصليان.
وقال بعض الشراح: أنه مر بقبور الكفار، ولكن لرحمته -صلى الله عليه وسلم- لم تقبل نفسه أو لم ترض نفسه وأبت نفسه الكريمة أن يدَعهما في العذاب، فطلب من ربه أن يخفف عنهما العذاب ولو أيامًا، ما دامت الجريدة رطبة.
ثم قال -صلى الله عليه وسلم- ((وما يُعذَّبان في كبير)) أي: يعذبان في أمر ليس بكبير. ثم قال: ((بلى)) أي: إنه كبير. فهل هذا تردد بعدما ينفي أنه كبير، يعلن في الوقت نفسه أنه كبير، وهو -صلى الله عليه وسلم- أفصح العرب؟ ليس في هذا خطأ لغوي، إنما أراد -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: وما يعذبان في كبير في نظركم، يعني: هو شيء هيِّن في أعيننا، وهو: أثر البول والنميمة وهي: نقل الكلام للإفساد.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


قد يظن بعض الناس: أن هذا أمر يسير صغير، فقال: ((وما يعذَّبان في كبير)) في نظركم؛ لأنه كبير عند الله -سبحانه تعالى- في الحساب يوم القيامة، بل عجل العذاب في الدنيا، فرأوا أثره قبل يوم القيامة. فهما يعذبان في قبورهما، فقال ((وما يُعذَّبان في كبير، -ثم قال:- بلى، إنه كبير)).
وبيَّن -صلى الله عليه وسلم- السبب، فقال ((كان أحدهما لا يستتر من بوله))، أو ((كان أحدهم لا يستتر من بوله)) هما اثنان، وهنا قال: ((كان أحدهم)) على لغة مَن يجعل الجمع لأكثر من واحد، ولو مشى على السياق المثنى: قبرين وإنسانين، لقال ((كان أحدهما)). الأول: ((لا يستتر من بوله)).
((لا يستتر)) جاءت روايات أخرى في هذه الكلمة: ((لا يستتر))، ((لا يستبرئ))، ((لا يستنزه))، وكلها تدور حول: أنه كان يترك بعض البول يلحق جسده أو ثيابه، ثم يقوم بعد ذلك فيتوضأ مثلًا ويصلَّي، وصلاته تكون مردودة عليه.
فهذا ((لا يستتر)) يعني: لا يأخذ لنفسه سترة تقيه من البول، تقي جسده وثيابه، يستقبل الريح مثلًا والريح تردّ عليه البول ولا يهتم بذلك؛ فهو ((لا يستتر من بوله)) يعني: لا يأخذ سترة ووقاية لبوله ليقي جسده وثيابه منه، أو لا يستتر عن أعين الناس، ويترك الناس يرون عورته، ويرونه وهو يبول.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


أو ((لا يستبرئ)) يعني: لا يتتبع البول إلى آخِره حتى يخرجه. وقد بيَّن الفقهاء الاستبراء من البول، فقالوا: هناك عملية تسمى أو تعرف بـ"السَّلت والنتر"، وهو: أن الرجل يمسك ذكَره بأصبعيه السبابة والإبهام، ثم يمرر بيده على ذكَره، ثم ينتره ليخرج ما تبقى فيه من بعض المياه أو من رذاذات البول القليلة حتى يتنظف، ويكون أنهى البول الذي عنده كلَّه. أما إذا ترك هذا الأمر، وما استبرأ فسيخرج منه بول، فلا يكون قد تطهر تطهيرًا صحيحًا.
أو ((لا يستنزه)) من: النزاهة، يعني: لا ينزِّه نفسه عن البول. هذا أول سبب جعل واحدًا من أصحاب القبرين يُعذَّب في قبره.
أما الثاني: فكان نمامًا. و"النمام" هو: الذي ينقل الحديث بين الناس للإفساد والإيقاع بهم. أما الذي ينقل الكلام بين الناس ويريد أن يصلح بينهم فينقل الخير ولا ينقل الشر، ينقل الخير من أجل أن يصلح بين المتخاصمين، فهذا لا يكون نمامًا، ولا يكون مصيره كمصير هذا الرجل الذي يُعذَّب في قبره؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ((ليس بنمَّام -أو- ليس بكذَّاب مَن قال خيرًا أو نمَى خيرًا)).
فهذا النَّمَّام ينقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد، ليفسدهم ويوقع الشقاق بينهم، ويجعلهم يتقاتلون ويتناحرون، أو يحصل الخلاف بين الرجل وزوجته حتى يصل الأمر إلى الفراق. هذا هو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام- ((لا يدخل الجنّة نمَّام))، وفي رواية: ((لا يدخل الجنة قتَّات))، و"القتَّات" هو: النمام.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


ماذا فعل الرحيم -صلى الله عليه وسلم- لما رآهما يُعذَّبان؟ هل مر ومضى وتركَهما؟ أبدًا، إنه رحمة مهداة للدنيا كلها، قال تعالى: ))وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين(( (الأنبياء: ١٠٧). رق قلبه الشريف كعادته، فدعا أصحابه، وقال: ((ائتوني بجريدة رطبة))، فجاءوا بها إليه، ونظروا ماذا يفعل بها -صلى الله عليه وسلم-. فأمر بها، فكسر كسرتين، صارت قطعتين، فوضع على كل قبر منهما كسرة -قطعة من هذه الجريدة الخضراء. ثم سئل -صلى الله عليه وسلم-: "لِمَ فَعلت هذا، يا رسول الله؟"، قال -عليه الصلاة والسلام-: ((لعله أن يخفّف عنهما ما لم ييبسا -أو- لم تيبس الجريدة)).
((ما لم ييبسا)) أي: الكسرتان،-أو ((ما لم تَيْبس)) أي: الجريدة؛ لأن في الشيء الخضِر -الأخضر- معنًى ليس في الشيء اليابس. ففيهما تسبيح أوضح من اليابس، كما أن في الحي تسبيح أوضح من الميت، وإن كان كل شيء بنص القرآن الكريم يُسبِّح بحمد الله -سبحانه وتعالى-؛ قال تعالى: )وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ(( (الإسراء: ٤)، فاختار الخضراء؛ لأن التسبيح فيها أوضح وأظهر.
فهل لنا أن نفعل ذلك على أمواتنا؟ ونضع على القبر جريدة خضراء من أجل تخفيف العذاب كما فعل رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟
قال بعض العلماء: لنا أن نفعل ذلك، اقتداء به -صلى الله عليه وسلم-. وفَهم ذلك اثنان معروفان من السلف الصالح هما: بُريدة بن الخصيب، وأبو برزة الأسلمي. فقد أوصى كلّ منها: أن يوضع على قبره جريد، اقتداءً بفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


ولكن هناك جماعة أخرى من العلماء قالوا: إن هذا العمل خصوصية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فليس لنا أن نأتي بجريدة خضراء ونضعها على قبر من القبور رجاء تخفيف العذاب. ثم قالوا: والدليل على أنه خصوصية للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه -صلى الله عليه وسلم- سمع العذاب ونحن لم نسمع، ثم أعلمه ربه سبب العذاب وهو: البول وعدم الاحتراز من البول، وعدم التنزه، وعدم الاستتار منه، والسعي بالنميمة، والمشي بالنميمة بين الناس. أما نحن فلا نعلم إذا كان صاحب القبر يُعذَّب أم لا، ولا ندري ما سبب العذاب؟ فإن النبي -صلى الله عليه سلم- أعلمه ربه ذلك.
والصحابة سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأجابهم، وقد قال العلماء: إذا رأى الناس على أحد من الناس شيئًا غريبًا لا يفهمونه، فعليهم أن يسألوا ليعلموا. ثم قالوا: وعلى السائل الذي فعل ذلك الأمر الغريب: أن يبيِّن لهم، ولا يَدَعهم في الحيرة، أو لا يتركهم يحتارون في أمره.
هذا الحديث فيه: نهي لكل مسلم عن النميمة؛ فهو يدعو المسلمين إلى: أن يشيع بينهم ما يدعو إلى الحب والتواد والتصافي، لا أن يشيع بينهم وينقل ما يدعو إلى الشحناء والبغضاء.
والحديث صريح أيضًا في: أن عدم الاستبراء من البول، وأن عدم التنزه من البول: أمر خطير يُبطل صلاة المسلم، ويترتب عليه عذابه في قبره قبل عذابه يوم القيامة. وقد صحح ابن خزيمة حديث: ((أكثر عذاب القبر من البول)) أي: بسبب ترك التحرز من البول.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


ويرى جمهور العلماء: أنه من الكبائر، ويؤيِّدهم هذا الحديث، وما جاء في بعض الروايات عند البخاري: ((وما يُعذَّبان في كبير؛ بل إنه كبير)). وهي الرواية التي معنا قال: ((بلى)). ومعنى ((بلى)) أي: إنه كبير. جاءت رواية صريحة في قوله ((بل، إنه كبير)) فهذا يعطينا: أن عدم التنزه والاحتراز والاستتار من البول كبيرة من الكبائر. أعاذنا الله منها.
وفي سبب كونه كبيرًا قيل: إنه يؤدِّي إلى بطلان الصلاة لتنجيسه الثوب والبدن، فترْكه كبيرة، ولا شك.

فقه الحديث، وما يُستفاد منه

هذا الحديث له فوائد كثيرة، فيؤخذ منه:
أنه حجة لمذهب أهل السنة في ثُبوت عذاب القبر، خلافًا للمعتزلة.
ويؤخذ منه: نجاسة الأبوال مطلقًا، قليلها وكثيرها؛ وهو مذهب عامة الفقهاء.
وذهب أبو حنيفة إلى: العفو عن قدر الدرهم الكبير، للمشقة. وفي "الجواهر" للمالكية: أن البول والعذِرة -أي: مخلّفات الإنسان من بني آدم الآكلين دون الرضَّع- كل ذلك نجس. إنما الرضيع ليس بنجس. وهما طاهران من كل حيوان مباح أكله.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


فيه أيضًا حرمة النميمة وهي: كبيرة بلا خلاف.
واستدل به بعضهم أيضًا على: استحباب وضع الجريد الأخضر على القبور. ومثله -أي: مثل الجريدة-: كل ما فيه رطوبة من الأشجار، والزهور، وغيرها؛ لأنها تسبِّح الله - سبحانه وتعالى-. وهذا هو السبب في تخفيف العذاب، لكونها تسبِّح ما دامت رطبة، وليس لليابس تسبيح كتسبيح الرطب.
ولكن الإمام الخطابي أنكر مثل هذا الفعل، وقال عن الحديث: "إنه دعا لهما بالتخفيف مدة النداوة، لا أن في الجريدة معنًى يخصّها، ولا أن في الرطب معنًى ليس في اليابس". وجعلها بعضهم خصوصية للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
واستدل به بعضهم أيضًا على استحباب قراءة القرآن على المقابر؛ لكن هذا مَرْدُودٌ عند بعض العلماء.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


حديث أم سليم في السؤال عن الغسل من الجنابة

الحديث الذي سنتناوله الآن في الطهارة أيضًا، وفيه من الفوائد العظيمة الكثير والكثير. فإنه يدل دلالة صريحة على: أن المرأة المسلمة منذ القدم حريصة على تعلُّم أمور دينها، والمحافظة على العبادات حتى تؤديها صحيحة. فهي تسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أمور خاصة جدًّا، لو كان هناك عذر لعدم التعلم لكان ذلك عذرًا. فتسأل عن الحيض كيف تغتسل منه؟ وهذا شأن نساء الأنصار.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "نعم النساء نساء الأنصار! لم يمنَعْهن الحياءُ من التفقه في الدين".
هذا الحديث الذي معنا يؤيِّد ذلك. فهذه امرأة أنصارية تسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن غسلها من المحيض كيف تغتسل؟ ويبيِّن لها -صلى الله عليه وسلم- الغسل؛ لكنه يخفَى عليها، فتأخذها عائشة -رضي الله عنها- وتعلِّمها كيف تغتسل الغسل الصحيح، وماذا تفعل في أثر دم الحيض. هذا شأن الأنصاريات -رضي الله عنهن-.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


إن أمَّ سليم -أم سيدنا أنس بن مالك- سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- سؤالًا، لو كان الحياء يمنع من تعلُّم العلم لاستحيت أن تسأل، فقالت: "يا رسول الله، إن الله لا يستحْيي من الحق. هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟" بمعنى: أنها رأت في منامها أنها تُجامَع. فأجابها -صلى الله عليه وسلم- إجابة صريحة، قال: ((نعم، إذا رأت الماء))، لأن هذا دين لا بد أن يُتعلَّم. وصل الأمر إلى: أن السيدة أم سلمة -أم المؤمنين رضي الله عنها- غطَّت وجهها حياء من هذا السؤال، وجذبت أم سليم إليها، وقالت: "لقد فضحتِ النساء". لكن هذا ليس يه فضيحة، وإنما هو تعلّم لأمور الدِّين حتى يؤدِّي المسلم والمسلمة العبادة صحيحة سليمة، لتقبل عند الله سبحانه وتعالى.
من هذه الأحاديث التي لم تلتزم فيها المرأة المسلمة بما يصدُّها عن السؤال: هذا الحديث الذي معنا:
عن عائشة -رضي الله عنها-: "أن امرأة سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن غسلها من المحيض. فأمرها كيف تغتسل، قال: ((خذي فِرصة من مِسك فتطهَّري بها)). قالت: "كيف أتطهَّر بها؟"، قال: ((سبحان الله! تطهَّري)). تقول عائشة -رضي الله عنها-: فاجتذبْتُها إليَّ، فقلتُ: "تتبعي بها أثر الدم"، الحديث من روايات الإمام البخاري في "صحيحه".


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


المرأة السائلة هي: أسماء بنت شَكَلَ الأنصارية. سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن غسلها من المحيض، المراد: عن كيفية غسلها، وليس المراد عن حُكم غسلها. فهي تعرف الحكم مسبقًا، فلا بد من الاغتسال من الحيض. إن موجبات الغسل منها: الحيض، ومنها النفاس، ومنها الجماع؛ فهي تعلم: أن الغسل واجب، لقوله تعالى: ))وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ...((، قال بعض العلماء: فإذا اغتسلن بعد طُهرهن ))فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(( (البقرة: ٢٢٢). وليس: "الطاهرين" فقط، إنما ))الْمُتَطََهِّرين(( أي: المغتسلين كما جاء في بعض التفاسير.
ومن هنا، نرى النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرها كيف تغتسل، ولم يأمرها بالغسل. فسؤالها عن الغسل عن الكيفية. إذًا الجواب -كما ترى في الحديث-: "فأمرها كيف تغتسل". قال بعدما علَّمها بأن تفيض على نفسها الماء، وتدلك جسدها، وتبدأ بالميامن، ولا تترك شيئًا من جسدها لا يصل إليه الماء، وتدخل أصابعها -أصابع يدها- في أصول شعرها حتى تصل إلى فروة الرأس تحت الشعر، وتعمم ذلك كله بالماء وتدلكه. وفي النهاية: تأخذ قطعة من القماش أو قطعة من قطن فتضع عليها مِسكًا أو أي نوع من الطيب، ثم تتبع به أثر الدم في فرجها".


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


فهذا كله أشار إليه -صلى الله عليه وسلم- ولكن بتورية، وبأعظم أنواع البلاغة، فقال لها -عليه الصلاة والسلام-: ((خذي فِرصة)) يعني: قطعة من مسك، قطعة قماش ممسّكة، أو قطعة قطن ممسَّكة، وهذا معنى ((فرصة من مسك))، فأطلق الحال وأراد المحلّ، يعني: أراد قطعة القماش التي يحلّ بها المسك، أو أي طيب إن لم يوجد المسك، لكن المسك أفضل؛ لأنه هو الذي جاء في الحديث. قال -عليه الصلاة والسلام- ((خذي فرصة من مسك فتطهَّري بها)) هذا كلامه -عليه الصلاة والسلام-.
سألت مرة أخرى "كيف أتطهر بها؟"، فقال لها -عليه الصلاة والسلام-: ((سبحان الله! تطهري)). لا يتكلم بأكثر من ذلك -عليه الصلاة والسلام- إنما قال ((سبحان الله!)) مستغربًا. ((سبحان الله! تطهّري))، وهذا ما يجب على المسلم أن يقوله. فعند الاستغراب يقول: "سبحان الله!".
هنا يأتي دور أمهات المسلمين -دوْر السيدة عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-، فتجذبها إليها، وتضمّها إليها، وتقول لها: "تتبَّعي بها أثر الدم"، أي: تبيِّن لها: أن المراد من كلام رسول الله -عليه والصلاة والسلام-: أنك تأخذين قطعة من قماش، فتضعين عليها مسكًا أو أيَّ طِيب، ثم تضعيها في فرجك -في المكان الذي يخرج منه الدم- لأن في هذا المكان دم قد خرج، والدم يترك أثرًا، ويترك رائحة كريهة فلا يطيِّبها إلا المسك.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


وكان ذلك سببًا من أسباب تعدّد زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن يبلِّغن الناس، ويعلِّمن النساءَ أمورًا لا يستطيع -عليه الصلاة والسلام- أن يصرِّح بها، فتقوم إحدى نسائه بتعليم المرأة التي تسأل عن ذلك.
فقالت عائشة -رضي الله عنها- "فاجتذبتها إليَّ، فقلت: تتبَّعي بها أثر الدم".
الإسلام في هذا الحديث: شجّع المرأة على أن تسأل، بل أمرها أن تسأل، وشجعها إلى أن تخرج إلى المساجد، فتتعلم. بل وكان للنساء حلقة خاصة بهن عندما قلن: "يا رسول الله، غلبَنَا عليك الرجال؛ فاجعلْ لنا يومًا تَعِظنا فيه". فكان لهن يومًا يَعِظهنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
شجع الإسلام المرأة: أن تخرج إلى المسجد، وأن تسعى لطلب العلم. وطلب مِن الرجال: أن يأذنوا لنسائهم في الخروج إلى المساجد، لتتمكن المرأة من أداء رسالتها، وفهْم أمور دِينها، فقال -صلى الله عليه وسلم- ((لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله)). وخرجت المرأة من بيتها، ودخلت مَيدان الثقافة.
تلك أسماء الأنصارية -أسماء بنت شكل الأنصارية- لم يمنعها الحياء الذي جُبلت عليها المرأة من أن تسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أخص شئونها. تسأله عن أمر تستحْيي منه قرينتها، وتستحيي منه النساء عادة، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وزوجته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- حاضرة، فقالت: "يا رسول الله، كيف أغتسل من حيضي؟ كيف أتطهر؟".


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


إن الغسل من الجنابة ومن الحيض كان معلومًا عند النساء، وغير مجهول لأسماء، وإنما تسأل فقط عن الكيفية؛ لكنها كانت مؤدَّبة ومهذبة في سؤالها، إنها قصدت ما وراء الغسل من نقاوة لمكان الحيض. وفَهِم الرسول -صلى الله عليه وسلم- مرادها، وكان أكثر منها أدبًا؛ فهو الذي أدَّبه ربُّه فأحسن تأدبيه، فأجاب -صلى الله عليه وسلم- بالبلاغة والتورية. أجاب عن الشيء، ثم أتبعه مستلزماته المقصودة.
ولما كان التطهر في فَهم أسماء عبارة عن: الوضوء والغسل، تعجبت كيف تتطهر بقطعة القطن التي وُضع فيها المسك؟ لكن حياء النبي -صلى الله عليه وسلم- جعله يتعجّب فقط، ولا يَبُوح بأكثر من ذلك، فقال ((سبحان الله! تطهري)). فلقد كان -صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء. وفهمت عائشة مقصد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجذبت أسماء إليها بعيدًا، وأسرَّت إليها في أذنها بمنتهى الأدب وطهارة اللفظ، قالت: "تتبَّعي بها أثر الدم"، وامسحي بها المكان الذي خرج منه الدم. وفهمت أسماء، وقالت عائشة في ذلك الموقف -رضي الله عنها: "نِعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من أن يتفقَّهن في الدِّين".
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: "السنة في حق المغتسِلة من الحيض: أن تأخذ شيئًا من مسك، فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها، وتدخلها في فرجها بعد اغتسالها. ويستحب هذا للنفساء أيضًا". الإمام النووي جعل ذلك العمل سُنة من سنن الإسلام التي ينبغي أن تتحلَّى وتتجمّل بها المرأة بعدما ينتهي حيضها ونفاسها وتغتسل.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


وذهب بعض العلماء إلى: استحباب تطييب ما حول الفرج من الخارج مع الداخل؛ لأن الدم يصيب هذه الأماكن. ما الحكمة في هذا التتبع بهذا المسك الطيِّب لأثر الدم أو لمكان الدم وما حول المكان من الفرج؟
الحكمة في استعمال المسك: تطييب المحلّ -أي: المكان-، ورفع الروائح الكريهة. وقيل: لأنه يؤدي إلى سرعة العلوق والحمل، وهذا بعيد أو باطل؛ لأنه يقتضي أن يخصّ ذلك بذوات الأزواج، يعني: المرأة المتزوجة فقط التي تفعل ذلك، والمرأة ليست المتزوجة فقط، إنما التي زوجها حاضر، أما غيرها فليس هذا من شأنها. لكن الحديث صريح في: أن أي امرأة بعد أن تغتسل من حيضها تتبع أثر الدم بهذا المسك الموضوع في قطعة من القماش أو من الصوف أو من القطن، لزوال الرائحة الكريهة الناتجة عن الدم. وهذا يستحب لكل مغتسلة، سواء ذات زوج أو غيرها.
فإن لم تجد مسكًا، تستعمل أي طيب. فإن لم تجد أي طيب، تستعمل أي شيء مكانه يزيل الرائحة الكريهة. ما الحكم لو تركت هذا التطيب مع التمكن؟ مكروه. يُكره لها هذا، إذا تمكنت من الإتيان بالمسك أو أي طيب وتركته وهي قادرة عليه، صار ذلك الأمر مكروهًا منها.
أما إذا لم تكن متمكِّنة من إحضار الطِّيب ولم تتطيَّب، عُذرت ولم يكن ذلك أمرًا مكروهًا، أي: لا كراهة في ذلك؛ لأنها مضطرة إلى ذلك.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


فوائد الحديث

هذا الحديث له فوائد عظيمة:
منها: سعي النساء لتعلّم أحكام الدين، وألا تستحي المرأة أو الرجل عما يكون مبيِّنًا وموضِّحًا لأمور الدين، ولا يخاف من خدش الحياء. فهذا دين يجب أن يُتعلم حتى تصحّ العبادة. وتسأل المرأة الرجل العالِم عن أحوالها التي تحتشم منها، فلا حياء في تعلم أمور الدين.
عندما يرى الإنسان أمرًا عجيبًا أو غريبًا يُسبِّح. والتسبيح من أعظم الكلمات، ولا يقول ألفاظًا مريبة كالتي نسمعها من بعض الناس عندما يرون أمرًا غريبًا. إنما الأمر المشروع هو كما قال -صلى الله عليه وسلم- ((سبحان الله!)).
وعلى العالم أن يستعمل الكنايات والتورية. فإذا فُهمت كفى، فإذا لم تفهم كان لا بد من الإفصاح. ولو وُجدت امرأة فأفصحت وبيَّنت لكان ذلك أوْلى وأفضل كما فعلت السيدة عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها وأرضاها-. فيستعمل الكنايات فيما يتعلق بالعورات، ويكتفي بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجَنة.


٣.٢ الأحكام المتعلقة بالبول، والغسل من الجنابة


ثم إن الحياء مشروع ومستحب عند ذكر ما يُستحيا منه، ولا سيما في حضرة الرجال والنساء؛ فالحياء مطلوب، قال -عليه الصلاة والسلام- ((الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شُعبة من الإيمان))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن لكل دِين خُلقًا، وخُلق الإسلام: الحياء))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((الحياء خير كلُّه)). ورأى -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يَعِظ أخاه في الحياء، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: ((دعْه! فإن الحياءَ لا يأتي إلا بخير)).
كما يستفاد من هذا الحديث أيضًا: أن العالِم إذا تكلم بكلام غامض لم يفهمه الحاضرون، وهناك من يستطيع أن يُفهم الحاضرين، فعليه أن يُفهمهم، كأن تكون لغته مستعجمة، أو أنه لا يفهم إلا بلغة خاصة، والحاضرون لا يفهمون لغته، أو كان الأمر فيه حياء شديد، فتقوم المرأة فتعلم المرأة، ويبتعد الرجال عند تعليمها.
وفي الحديث أيضًا: الأخذ من المفضول مع حضور الفاضل.
وفي الحديث أيضًا: الرفق بالمتعلم، وحُسن خُلقه -صلى الله عليه وسلم- وتواضعه، وتعليمه لأمّته.