"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


حديث الماء الذي يقع فيه الذباب

إذا وقع الذباب في الإناء أو في الطعام، ماذا يُفْعَلُ به؟ إليكم الحديث النبوي الشريف الذي جاء في هذا الموضوع:


هذا الحديث رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والإمام البخاري في "صحيحه"، والإمام أبو داود السجستاني في "سننه"، وابن ماجه في "سننه"، ولأحمد وابن ماجه، من حديث أبي سعيدٍ نحو هذا الحديث.
هذا الحديث يُعْتَبَرُ من المعجزات النبوية أو فيما يُعْرَفُ عند أهل الحديث بأنه: من أعلام النبوَّة؛ حيث بَيَّنَ حقيقة علمية ما اكتُشفت إلا بعد التقدم الهائل في العلم الحديث، خاصةً في المعلومات الطبية.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


والحديث له روايات متعددة بألفاظٍ كثيرة جاءت: ((فلْيَغْمِسْه))، وفي رواية ((فليمْقُلْه)) والمعنى واحد.
هذا الحديث اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُعْجِزَةٍ طِبِّيَّةٍ، واستُدلّ به من الناحية الفقهية على: أن الماء القليل لا يصير نجِسًا بموت الذباب فيه، أو بما لا نَفْسَ له سَائِلَةٌ، أي: ما ليس فيه دمٌ.

"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


تخريج هذا الحديث

حديث أبي سعيد: لفظه ((في أحد جناحَي الذباب سُمّ، وفي الآخر شفاء. فإذا وقع في الطعام، فامْقلوه فيه- أي: اغمسوه-؛ فإنه يُقَدِّمُ السم ويؤخِّر الشفاء)). وهذه علّة أخرى في الغمس، وهي: أن الذباب إذا وقع في الإناء، إنما ينزل بأحد جناحيْه أولًا، وينزل بالجناح الذي فيه السم. فإذا غُمِسَ كُلُّهُ فِي الإناء -في الْمَاءِ-، تَعَادَلَ السُّمُّ مع الشفاء، فلا يَضُرُّ من يشرب الماء. وهذا الشرب ليس بأمرٍ، والغمس ليس بأمرٍ؛ إنما هو لمن أراد أن يشرب. ومن لم يُرد أن يشرب، وأراد أن يريق إناءه، فله ذلك.
ولكن الحديث يُبيح للمسلم إذا أراد أن يشرب الماء الذي سقط فيه الذباب: أن يغمسه حتى لا يُضَرّ بسبب الجناح الذي فيه الداء الذي ينزل به. فإذا أراد الشراب، فليغمسه ليتعادل الداء مع الدواء، أو يتعادل السم مع الشفاء، فلا يضر المسلم ما شرب من ماءٍ في هذا الإناء.
وأخرجه أيضًا النسائي، وابن حبان، والبيهقي. وفي الباب من حديث أنس نحوه عند ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير"، قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده صحيح".


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


شرح الحديث

ولنعد إلى كلمات الحديث:

((فلْيَغْمِِسْه)): هذا لفظُ البخاري. وعند أبي داود، وابن خزيمة، وابن حبان: ((وإنَّه يتَّقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كلَّه، ثم لِيَنْزِعْه)). بَيَّنَتْ رواية البخاري وأبي داود، وابن خزيمة وابن حبان: أن الذبابَ يَنْزِلُ بالجناح الذي فيه الداء. فنص الحديث على: أن المسلم إذا أراد أن يشرب هذا الماء، فعليه أن يغمس الذبابة كلها في الإناء، ثم لينزعها، ولا يتركها في الماء ثم بعد ذلك يشرب الماء؛ وهذا دليل على: نظافة المسلم، ونظافة الإسلام. فإنه لا يأمره أن يترك الذباب في الإناء، وإنما هو مجرّد غمسٍ، ثم يُخرَج وينزع من الماء.
وَرَوَاهُ أيضًا الدارمي وابن ماجه، وابن السكن رواه بلفظ: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدِكم، فليمْقُلْه (أي: يغمسه ((فإنّ في أحدِ جناحيه دواء، وفي الآخَر داء)) أو قال: ((سُمًا)).


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


دلالات هذا الحديث

هذا الحديث يدل على: أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفْس له سائلة فيه؛ إذ لا يفصل بين الموت والحياة. وقد صُرِّحَ بذلك في حديث الذباب والخنفساء اللَّذيْنِ وجدهما -صلى الله عليه وسلم- ميِّتيْنِ في الطعام، فأمر بإلقائهما والتسمية عليه والأكل منه.
وهذا الحديث يدل أيضًا على: جواز قتل الذباب بالغمس؛ لأنه بفعله هذا وسقوطه في الماء صار بذلك عقورًا، وأبيح لنا وأُمِرْنا بضرب العقور؛ فعلى ذلك جاز قتل الذباب لأنه صار عقورًا بفعله هذا.
كما أن الحديث يدلّ على: تحريم أكل الْمُسْتَخْبَثِ، للأمر بطرحه. فالأمر الخبيث المستخبث الذي لا تقبله النفس، على الإنسان أن يتركه، وأن لا يأكل منه؛ فهو حرام. فإننا أُمِرْنَا بنزع الذباب من الماء، ثم نطرحه ولا نأكله؛ فالحديث يدل على: تحريم أكل المستخبث، للأمر بطرْحه.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


ورواية: ((إناءِ أحدِكم)) ليس المراد: حقيقة الإناء. فقد يقع الذباب في أيِّ طعام، فيُفعل به ذلك، فهي أعمّ من رواية: ((شرابِ أحدِكم))؛ لأن الشراب يتوقف على الماء، أما أي طعامٍ يسقط فيه الذباب، فعلى المسلم: أن يغمسه كلّه إذا أراد أن يأكل من ذلك الطعام، ثم ليطرحه. ورواية أخرى: ((ثم لِيَنْزعه)) يعني: لِينزع الذباب ويطرحه بعيدًا عن الطعام، أو بعيدًا عن الشراب.
والفائدة في الأمر بغمس الذبابة بجميع أجزائها هي: أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام والشراب، كما اتصل به الداء؛ لأنك لا تدري أين يكون الشفاء؟ فإنه قد يكون في الجناح الذي لم يدخل الماء، فعليك أن تغمسها كلَّها ليتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر.

"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


التطهر من بول الغلام

وننتقل إلى موضعٍ آخر وهو: ماذا يفعل المسلم إذا بال على ثوبه طفل رضيع. هل يصلِّي بثيابه؟ أم لا بد من غسْلها؟ أم يكفي نضْحُها ورشُّها؟ وهل هناك فرقٌ بين بول الصبيِّ وبول الجارية؟ أم أن الحكم واحد فيهما؟
جاءت أحاديث كثيرة في هذا الموضوع. فقد بال بعض الأطفال في حِجر رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فلننظر ماذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما بال هؤلاء الأطفال في حِجره -صلى الله عليه وسلم-.
من هؤلاء الأطفال: ابن لأم قيس، بال في حِجر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. ومن الأطفال الذين بالوا في حِجره -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: سيدنا الحسين بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فماذا فعل -صلى الله عليه وسلم-؟
جعلت مَن كانت تحمل الحسين عندما بال في حِجر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تَقرصه بأصابعها، وتدفعه -أي: الحسين- بين كتفيه حتى بكى، فقال لها صلى الله عليه وسلم ((لقد آذيتِ ابني)).


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


التطهر من بول الغلام

سنروي هذه الأحاديث أولًا، ثم نشرحها، ونبيِّن ما يستفاد منها من أحكام:

عن أم قيسٍ بنت محصن -رضي الله عنها-: "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبال على ثوبه. فدعا -صلى الله عليه وسلم- بماءٍ، فنضَحَه عليه، ولم يغسله". رواه الجماعة.

"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


هذه أحاديث، كلها تدور حول هذا المعنى، وهو: أن ثوب المسلم إذا أصابه بول من صبي صغير رضيع لم يَصِل إلى مرحلة أكل الطعام غير اللبن، يكفي فيه النضح -أو الرش-، أو مجرد إتباع الماء. أما إذا كان البول من جارية -صبية أنثى صغيرة- ما زالت في سن الرضاعة أيضًا، لم تستغنِ عن اللبن، فإنه لا بد من غسل الثوب. فإذا وصل الولد والبنت إلى مرحلة تناول الطعام غير اللبن، فَيُغْسَلُ بول الولد كما يُغْسَلُ بول البنت. هذه الأحاديث وردت من كتبٍ أصلية في السنة، كتبٍ معترف بها، والكل مُسَلَّمٌ بأنها كتب أساسية في تشريع الفقه الإسلامي، ومَراجع أساسية في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

تخريج الأحاديث:

ولأزيدكم توكيدًا لهذا المعنى، أُعَرِّجُ على تخاريج هذه الأحاديث، زيادةً في توكيد صحتها:
فحديث علي الذي فيه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بول الغلام الرضيع يُنضح، وبول الجارية يُغسل)) أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسنادٍ صحيح؛ لأنه من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه عنه. وأخرجه أيضًا أبو داود موقوفًا، من حديث مسدد، عن يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة بالإسناد السابق إلى عليٍّ موقوفًا بلفظ: ((يُغسل من بول الجارية، ويُنضح من بول الغلام ما لم يَطعم)). وإن كان موقوفًا، فعليٌّ قد أخذ هذا المعنى من الأحاديث المرفوعة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الموصولة إليه -عليه الصلاة والسلام-.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


فعليٌّ لم يقل هذا من نفسه. فهي قاعدة فقهية: لا يتجرّأ عليه أي أحد إلا إذا كان سمعها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وأخرجه أيضًا مرفوعًا من حديثه بدون ((ما لم يطعم))، وجعله من قول قتادة. وكذلك أخرج عن أم سلمة: "أنها كانت تصب على بول الغلام ما لم يَطعم، فإذا طعِم غسلتْه. وكانت تغسل بول الجارية".
وحديث أبي السمح: أخرجه أيضًا البزار وابن خزيمة من حديث بلفظ: "كنت أخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتي بحسنٍ أو بحسين، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: ((يُغسل من بول الجارية، ويُنْضَحُ من بول الصبي))". وصححه الحاكم. قال أبو زرعة والبزار: "ليس لأبي السمح غير هذا الحديث، ولا يُعْرَفُ اسمه". وقال البخاري: "حديث حسن".
وحديث أم كرز، الأول والثاني: في إسنادهما انقطاع؛ لأنهما من طريق عمرو بْنِ شعيب عنها، ولم يدركها. وقد اخْتُلِفَ فيه على عمرو بن شعيب، فقيل عنه: عن أبيه عن جده -كما رواه الطبراني-.
وحديث أم الفضل أخرجه أيضًا: ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم والطبراني.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


دلالات الأحاديث

فهذه الأحاديث كلها دليل على: أنه يُنْضَحُ أو يُرَشُّ من بول الغلام ما لم يَطعم، ويُغسل بول الجارية -أي: الصبية- طعِمت أم لم تطعَم.هذه القاعدة الفقهية التي أخذت من هذا الحديث؛ فما المراد بالطعام؟ أليس اللبن طعامًا؟
المراد في الحديث: الطعام غير اللبن. قال العلماء: قوله: "لم يأكل الطعام". المراد بـ"الطعام": ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يُحنَّك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، وغير ذلك... فقد يحنك بالتمر وهو طعام يصل إلى بطنه، وقد يُلعق العسل للتداوي يوصف له العسل، وهو يرضع اللبن؛ فهذا كله لا يدخل في الطعام وإنما ينضمّ إلى اللبن.
وقيل: المراد بالطعام: ما عدا اللبن فقط. ذكر الأول النووي في "شرح مسلم" و"شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" تبعًا لأصلها الثاني. وقال في "نكت التنبيه": إن لم يأكل غير اللبن وغير ما يُحنّك به وما أشبهه. وقيل: لم يأكل -أي: لم يستقل بجعل الطعام في فمه-، ذكره الموفق الحموي في "شرح التنبيه".
قال الحافظ ابن حجر: "والأول أظهر وهو: اللبن. ولا يضر بلعق العسل، أو التحنيك بالتمر". وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره... وقال ابن التين: "يُحْتَمل: أنها أرادت: أنه لم يتقوَّت بالطعام، ولم يستغنِ بالطعام عن الرضاع. ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليُحنِّكه -صلى الله عليه وسلم-، فيُحمل النفي على عمومه".


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


قوله: "على ثوبه" أي: بال على ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقد أغرب ابن شعبان -وهو من علماء المالكية- فقال: "المراد به: ثوب الصبي"، وهذا أَمْر فيه غَرَابَة. فالمراد: ثوب النبي -عليه الصلاة والسلام-. أما الصبي: فيُغسل ثوبه أو ينضح، فلا يصلي الصبي فيه.
ما هو النضح؟ وما هو الغسل؟
"الغَسل" هو: التعميم بالماء والدَّعك.
أما "النَّضْح": فمجرد إتباع الماء برشٍّ خفيف. هناك رواية تقول: "رشّ"، ورواية تقول: "نضح"؛ فما الفرق بينهما؟ قوله: "فنضحه" في "صحيح" مسلم، من طريق الليث، عن ابن شهاب، "فلم يزد على أن نضح بالماء". وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب: "فَرَشَّهُ"، زاد أبو عوانة في "صحيحه": "عليه". قال الحافظ: "ولا تخالف بين الروايتين -أي: بين النضح والرش-؛ لأن المراد به: أن الابتداء كان بالرش، وهو تنفيض الماء، فانتهى إلى النضح وهو: صب الماء. أي: يبدأ بالرش الخفيف، ثم يزداد الرش فيكون نضحًا. هذا معنى ما أراده الإمام النووي عندما شرح ذلك.
وتؤيده رواية مسلم في حديث عائشة، من طريق جرير عن هشام: "فَدَعَا بِمَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ". ولأبي عوانة: "فصبَّه على البول يتبع إليه". والذي في "النهاية" و"الكشاف" و"القاموس": أن النضح هو: الرش.
قوله: "ولم يغسله" هو بول الصبي. ادَّعى الأصيلي: أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب، يعني: مُدرَجة في الحديث. يعني: أتبعه بماءٍ، ولم يغسله.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


والإدراج في الحديث هو: أن يأتي الراوي بجملة من عنده يوضِّح بها معنًى من معاني الحديث، فيأتي مَن بَعْدَه فيظن أنها من جملة الحديث. جاء في الحديث "ولم يغسله"، فهل هذه الكلمة من متن الحديث، أم زادها بعض الرواة ليشرح بها ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
ادَّعى الأصيلي: أن هذه الجملة -أي: "ولم يغسله"- من كلام ابن شهاب الزهري -رحمه الله تعالى- راوي الحديث، وأن الحديث المرفوع انتهى عند: "فنضحه". قال: "وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: "فرشَّه"، ولم يزد على ذلك".
إذًا فهذا الكلام: "ولم يغسله" تُعْتَبَر زيادة من ابن شهاب، وتعرف عند علماء الحديث بالإدراج؛ لكن الحافظ ابن حجر العسقلاني ردَّ هذا، واعتبر: أن هذا من أصل الحديث، وليس فيه إدراج أو زيادة من ابن شهاب كما ادَّعى ذلك الأصيلي.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادَّعاه من الإدراج -أي: ما ادَّعاه الأصيلي من الإدراج-. فقد أخرجه عبد الرزاق بنفس السياق؛ لكنه لم يقل: "ولم يغسله"، وقد قالها مع ذلك الليث، وعمرو ابن الحرث، ويونس بن يزيد، كلهم عن ابن شهاب؛ أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده".
نعم زاد معمر في روايته: "قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يُرَشّ بول الصبي، ويُغسل بول الجارية". فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك ومَن تبعه، لأمكن دعوى الإدراج؛ لكنها غيرها، فلا إدراج. وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة، فلا اختصاص له بذلك؛ فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره، وبيَّنا أنها مخالفة لرواية مالك.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


قوله: "بول الغلام الرضيع": هذا تقييد للفظ "الغلام" بكونه رضيعًا، فلا بد أن يكون في سن الرضاعة. وهكذا يكون التقييد للفظ "الصبي"؛ لأن الصبي قد يكون ليس برضيع، والغلام قد يكون ليس برضيع، فإذا قيل: "غلام"، فليقل: "غلام رضيع"، وإذا قيل: "صبي"، فليُقَل: "صبي رضيع"؛ هكذا يكون التقييد. والصغير والذكر والأنثى الوارد في بقية الأحاديث.
وقد شذ ابن حزم فقال: "إنه يُرَشُّ من بول الذكر -أيِّ ذكرٍ كان-، وهذا يعتبر شذوذًا من ابن حزم؛ لأنه إذا كان الذكر كبيرًا هل يرش منه أيضًا؟ أم لا بد من غسله؟
إن العلماء أجمعوا على: أنه إذا وصل إلى مرحلة الطعام، وتعدَّى مرحلة الرضاعة باللبن والاكتفاء باللبن، فيجب الغسل ذكرًا كان أو أنثى. لكن شذَّ ابن حزم فقال: إنه يرش من بول الذكر أي ذكرٍ كان، وهو إهمال للقيد الذي يجب حمْل المطلق عليه. والقيد هنا: ((ما لم يطعم)) كما تقرر في الأصول. ورواية الذكر مطلقة، وكذلك رواية الغلام مطلقة، فَتُطْلَقُ على ما لم يطْعَمْ أو على أنه الرضيع؛ لأنه كما قال في "القاموس" لمن طُرَّ شاربه أو من حين يولد إلى أن يشبَّ، فهذا يسمَّى: غلامًا. وقد ثبت إطلاقه على مَن دخل في سن الشيخوخة، ومنه قول علي-رضي الله عنه- في يوم النهروان:

         أنا الغلام القرشي المؤتمن        أبو حسين فاعلمنَّ والحسنْ


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


فـ"الغلام" يُطْلَقُ عَلَى الطِّفْلِ، وَعَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَعَلَيْهِ حَتَّى يدخل في سن الشيخوخة -كما رأيت-؛ فمن هنا لا بد من ذكر القيد، أو لا بد من معرفة القيد؛ لأنه عندما يكون رضيعًا -أي: ما لم يطْعَمْ- كما جاءَ في الروايات التي ذكرناها.
وقوله: "بصبي": مَن هذا الصبي الذي بال على حِجر النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو في حجر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؟
قال الحافظ ابن حجر: "يظهر لي: أنه ابن أم قيس. ويُحْتَمَلُ أن يكون الحسن بن علي، أو الحسين بن علي؛ فقد روى الطبراني في "الأوسط" من حديث أم سلمة بإسنادٍ حسن قالت: "بال الحسن أو الحسين على بطن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتركه حتى قَضَى بَوْلَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عليه"، ولأحمد عن أبي ليلة نحوه.
ورواه الطحاوي من طريقه قال: "فجيء بالحسن" ولم يتردّد. فالصبي عند الطحاوي هو: الحسن قولًا واحدًا، وكذا للطبراني عن أبي أمامة". ورجح الحافظ أنه غيره، أي: غير الحسن.
"فأتبعه بالماء": أي مرَّ بالماء على الثوب.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


أما "التحنيك": قال أهل اللغة: "التحنيك": أن يمضغ التمر أو نحوه ثم، يُدلَكُ به حنك الصغير الطفل، فَيُبَرَّكُ عليهم أي: يدعو لهم بالبركة. وفي هذا التحنيك: سُنة. وفي هذا التبريك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيضًا سنة. فمن السنة: أن نحنك الطفل عندما يولد، وأن يحنكه رجل صالح، فيمضغ تمرًا ثم يحنِّكه به، ويدعو له ويبرِّكه كما دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأطفال الذين كانوا يأتونه فيحنِّكهم ويبرِّك عليهم -صلى الله عليه وسلم- أي: يدعو لهم بالبركة، أو يمسح عليهم. وأصل البركة: ثبوت الخير.

دلالات الأحاديث

هذه الأحاديث فيها دلائل كثيرة. فقد استدل العلماء بهذه الأحاديث على: أن بول الصبي يخالف بول الصبية في كيفية استعمال الماء، وأن مجرّد النضح يكفي في تطهير بول الغلام، وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه يكفي الرش فيهما، أو النضح فيهما.
والثاني: أنه يجب غسلهما جميعًا.
والرأي الثالث: فرّق بين بول الولد وبول البنت، طبعًا في مرحلة الرضاعة باللبن.


"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام


وإليك المذاهب على ما جاءت في كتب العلم كما ذكر ذلك الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار". يقول: في ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية؛ وهو قول عليٍّ -عليه السلام-، وعطاء، والحسن، والزهري، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم...
المذهب الثاني: يكفي النضح فيهما؛ وهو مذهب الأوزاعي. وحكي عن مالكٍ والشافعي.
المذهب الثالث: هما سواء في وجوب الغسل؛ وهو مذهب العترة، والحنفية، وسائر الكوفيين والمالكية.
وأحاديث الباب تردّ المذهب الثاني والمذهب الثالث، وترجِّح الأول. والمذهب الأول هو: الراجح، وهو ما يؤخذ من جملة هذه الأحاديث، ألا وهو: أنه يُغسل من بول الجارية، ويُرَشّ ويُنضح من بول الصبي.
وقد استدل أهل العلم للمذهب الثالث القائل بالغسل لبول الصبي وبول الصبية بحديث عمار المشهور وفيه: ((إنما تغسل ثوبك من البول))، وهو مع اتفاق الحفاظ على ضعْفه لا يعارض أحاديث الباب؛ لأنها خاصة بطفل رضيع، وهذا عام، والعام لا يعارض الخاص.
ولكن جماعة من أهل الأصول، ومنهم مؤلف "البحر" لا يبنون العام مع الخاص إلا مع المقارنة على كل المذاهب. فالراجح بعد ذلك - بعد ما استعرضنا كل المذاهب وكل الآراء-: أنه يُغْسَلُ من بول الصبية، ويُرَشّ من بول الصبي. فهذه الأحاديث التي رويناها في مجموعها دلّت على ذلك، وكلّ ما عارضها فيه مقال.