"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
حديث الماء الذي يقع فيه الذباب
إذا وقع الذباب في الإناء أو في الطعام، ماذا يُفْعَلُ به؟ إليكم الحديث النبوي الشريف الذي جاء في هذا الموضوع:
 |
هذا الحديث رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والإمام البخاري في "صحيحه"، والإمام أبو داود السجستاني في "سننه"، وابن ماجه في "سننه"، ولأحمد وابن ماجه، من حديث أبي سعيدٍ نحو هذا الحديث. |
 |
هذا الحديث يُعْتَبَرُ من المعجزات النبوية أو فيما يُعْرَفُ عند أهل الحديث بأنه: من أعلام النبوَّة؛ حيث بَيَّنَ حقيقة علمية ما اكتُشفت إلا بعد التقدم الهائل في العلم الحديث، خاصةً في المعلومات الطبية. |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
 |
والحديث له روايات متعددة بألفاظٍ كثيرة جاءت: ((فلْيَغْمِسْه))، وفي رواية ((فليمْقُلْه)) والمعنى واحد. |
 |
هذا الحديث اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُعْجِزَةٍ طِبِّيَّةٍ، واستُدلّ به من الناحية الفقهية على: أن الماء القليل لا يصير نجِسًا بموت الذباب فيه، أو بما لا نَفْسَ له سَائِلَةٌ، أي: ما ليس فيه دمٌ. |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
تخريج هذا الحديث
 |
حديث أبي سعيد: لفظه ((في أحد جناحَي الذباب سُمّ، وفي الآخر شفاء. فإذا وقع في الطعام، فامْقلوه فيه- أي: اغمسوه-؛ فإنه يُقَدِّمُ السم ويؤخِّر الشفاء)). وهذه علّة أخرى في الغمس، وهي: أن الذباب إذا وقع في الإناء، إنما ينزل بأحد جناحيْه أولًا، وينزل بالجناح الذي فيه السم. فإذا غُمِسَ كُلُّهُ فِي الإناء -في الْمَاءِ-، تَعَادَلَ السُّمُّ مع الشفاء، فلا يَضُرُّ من يشرب الماء. وهذا الشرب ليس بأمرٍ، والغمس ليس بأمرٍ؛ إنما هو لمن أراد أن يشرب. ومن لم يُرد أن يشرب، وأراد أن يريق إناءه، فله ذلك. |
 |
ولكن الحديث يُبيح للمسلم إذا أراد أن يشرب الماء الذي سقط فيه الذباب: أن يغمسه حتى لا يُضَرّ بسبب الجناح الذي فيه الداء الذي ينزل به. فإذا أراد الشراب، فليغمسه ليتعادل الداء مع الدواء، أو يتعادل السم مع الشفاء، فلا يضر المسلم ما شرب من ماءٍ في هذا الإناء. |
 |
وأخرجه أيضًا النسائي، وابن حبان، والبيهقي. وفي الباب من حديث أنس نحوه عند ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير"، قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده صحيح". |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
شرح الحديث
ولنعد إلى كلمات الحديث:
 |
((فلْيَغْمِِسْه)): هذا لفظُ البخاري. وعند أبي داود، وابن خزيمة، وابن حبان: ((وإنَّه يتَّقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كلَّه، ثم لِيَنْزِعْه)). بَيَّنَتْ رواية البخاري وأبي داود، وابن خزيمة وابن حبان: أن الذبابَ يَنْزِلُ بالجناح الذي فيه الداء. فنص الحديث على: أن المسلم إذا أراد أن يشرب هذا الماء، فعليه أن يغمس الذبابة كلها في الإناء، ثم لينزعها، ولا يتركها في الماء ثم بعد ذلك يشرب الماء؛ وهذا دليل على: نظافة المسلم، ونظافة الإسلام. فإنه لا يأمره أن يترك الذباب في الإناء، وإنما هو مجرّد غمسٍ، ثم يُخرَج وينزع من الماء. |
 |
وَرَوَاهُ أيضًا الدارمي وابن ماجه، وابن السكن رواه بلفظ: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدِكم، فليمْقُلْه (أي: يغمسه ((فإنّ في أحدِ جناحيه دواء، وفي الآخَر داء)) أو قال: ((سُمًا)). |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
دلالات هذا الحديث
 |
هذا الحديث يدل على: أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفْس له سائلة فيه؛ إذ لا يفصل بين الموت والحياة. وقد صُرِّحَ بذلك في حديث الذباب والخنفساء اللَّذيْنِ وجدهما -صلى الله عليه وسلم- ميِّتيْنِ في الطعام، فأمر بإلقائهما والتسمية عليه والأكل منه. |
 |
وهذا الحديث يدل أيضًا على: جواز قتل الذباب بالغمس؛ لأنه بفعله هذا وسقوطه في الماء صار بذلك عقورًا، وأبيح لنا وأُمِرْنا بضرب العقور؛ فعلى ذلك جاز قتل الذباب لأنه صار عقورًا بفعله هذا. |
 |
كما أن الحديث يدلّ على: تحريم أكل الْمُسْتَخْبَثِ، للأمر بطرحه. فالأمر الخبيث المستخبث الذي لا تقبله النفس، على الإنسان أن يتركه، وأن لا يأكل منه؛ فهو حرام. فإننا أُمِرْنَا بنزع الذباب من الماء، ثم نطرحه ولا نأكله؛ فالحديث يدل على: تحريم أكل المستخبث، للأمر بطرْحه. |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
 |
ورواية: ((إناءِ أحدِكم)) ليس المراد: حقيقة الإناء. فقد يقع الذباب في أيِّ طعام، فيُفعل به ذلك، فهي أعمّ من رواية: ((شرابِ أحدِكم))؛ لأن الشراب يتوقف على الماء، أما أي طعامٍ يسقط فيه الذباب، فعلى المسلم: أن يغمسه كلّه إذا أراد أن يأكل من ذلك الطعام، ثم ليطرحه. ورواية أخرى: ((ثم لِيَنْزعه)) يعني: لِينزع الذباب ويطرحه بعيدًا عن الطعام، أو بعيدًا عن الشراب. |
 |
والفائدة في الأمر بغمس الذبابة بجميع أجزائها هي: أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام والشراب، كما اتصل به الداء؛ لأنك لا تدري أين يكون الشفاء؟ فإنه قد يكون في الجناح الذي لم يدخل الماء، فعليك أن تغمسها كلَّها ليتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر. |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
التطهر من بول الغلام
سنروي هذه الأحاديث أولًا، ثم نشرحها، ونبيِّن ما يستفاد منها من أحكام:
عن أم قيسٍ بنت محصن -رضي الله عنها-: "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبال على ثوبه. فدعا -صلى الله عليه وسلم- بماءٍ، فنضَحَه عليه، ولم يغسله". رواه الجماعة.
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بول الغلام الرضيع يُنْضَحُ، وبول الجارية يُغْسَلُ)). قال قتادة: "وهذا ما لم يَطعَما، فإذا طعِما غُسِلَا جميعًا"، أي: شَرْطُ النضح والاكتفاء به عند الولد الصبي: أن يكون ذلك قبل أن يتناول الطعام، أي: الطعام غير اللبن. فإذا أكل طعامًا غير اللبن، وصل إلى هذا السن، فلا بد من غَسل بوله كما يُغسل بول الجارية.
رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال الترمذي: "حديث حسن".
والحديث الحسن تتوافر فيه كل شروط الحديث الصحيح، إلا أنه في صفة الضبط يكون الضبط فيه خفيفًا. وهو حجة، ويحسن العمل به في كلِّ الأمور الفقهية.
عن عائشة قالت: "أُتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصبيٍّ يُحنِّكه، فبال عليه، فأتبعه الماء"، رواه البخاري وأحمد وابن ماجه، وزاد ابن ماجه: "ولم يَغسله". ولمسلم في "صحيحه": "كان يؤتى بالصبيان، فيبرِّك عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويُحنِّكهم -أي: يدعو لهم بالبركة-، فَأُتِيَ بصبيٍ فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه بولَه ولم يَغسله".
معنى ذلك: أنه اكتفى بالنضح أو بالرش، ولم يغسله الغسل المعتاد.
ومعنى "يُحنِّكه": أنه يمضغ تمرةً ويضعها في فم الصبي. كما كان -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك للتبرك أو لتصل بركته ورحمته إلى الأطفال في صغرهم. وصارت سُنَّةً مِن بعده -صلى الله عليه وسلم- أعني: عملية التحنيك هذه.
عن أبي السمح خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ((يُغسل من بول الجارية) (أي: البنت الصغيرة التي في سن الرضاعة) (ويُرشّ من بول الغلام))، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وعن أم كرزٍ الخزاعية -رضي الله عنها- قالت: "أُتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بغلامٍ، فبال عليه، فأمر به فنُضح. وأُتي بجارية فبالت عليه، فأمر به فَغُسِلَ". رواه أحمد في "مسنده".
وعن أم كرز أيضًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل))، رواه ابن ماجه. والفرق بين الروايتين عن أم كرز: أن الرواية الأولى هي في: فعْل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والرواية الثانية هي في: قوله -صلى الله عليه وسلم- ليبيِّن لنا الحديث: أن سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- أقوال وأفعال.
وعن أم الفضل لبابة بنت الحارث -رضي الله عنها- أمِّ سيدنا عبد الله ابن العباس الحبْر، زوجة سيدنا العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنهما- قالت: "بال الحسين بن علي في حِجر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: "يا رسول الله، أعطني ثوبك، والبسْ ثوبًا غيره حتى أغسله"، فقال -عليه الصلاة والسلام: ((إنما يُنضح من بول الذكر، ويُغسل من بول الأنثى))"، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
هذه أحاديث، كلها تدور حول هذا المعنى، وهو: أن ثوب المسلم إذا أصابه بول من صبي صغير رضيع لم يَصِل إلى مرحلة أكل الطعام غير اللبن، يكفي فيه النضح -أو الرش-، أو مجرد إتباع الماء. أما إذا كان البول من جارية -صبية أنثى صغيرة- ما زالت في سن الرضاعة أيضًا، لم تستغنِ عن اللبن، فإنه لا بد من غسل الثوب. فإذا وصل الولد والبنت إلى مرحلة تناول الطعام غير اللبن، فَيُغْسَلُ بول الولد كما يُغْسَلُ بول البنت.
هذه الأحاديث وردت من كتبٍ أصلية في السنة، كتبٍ معترف بها، والكل مُسَلَّمٌ بأنها كتب أساسية في تشريع الفقه الإسلامي، ومَراجع أساسية في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
تخريج الأحاديث:
ولأزيدكم توكيدًا لهذا المعنى، أُعَرِّجُ على تخاريج هذه الأحاديث، زيادةً في توكيد صحتها:
 |
فحديث علي الذي فيه قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بول الغلام الرضيع يُنضح، وبول الجارية يُغسل)) أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسنادٍ صحيح؛ لأنه من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه عنه. وأخرجه أيضًا أبو داود موقوفًا، من حديث مسدد، عن يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة بالإسناد السابق إلى عليٍّ موقوفًا بلفظ: ((يُغسل من بول الجارية، ويُنضح من بول الغلام ما لم يَطعم)). وإن كان موقوفًا، فعليٌّ قد أخذ هذا المعنى من الأحاديث المرفوعة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الموصولة إليه -عليه الصلاة والسلام-. |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام
دلالات الأحاديث
فهذه الأحاديث كلها دليل على: أنه يُنْضَحُ أو يُرَشُّ من بول الغلام ما لم يَطعم، ويُغسل بول الجارية -أي: الصبية- طعِمت أم لم تطعَم.هذه القاعدة الفقهية التي أخذت من هذا الحديث؛ فما المراد بالطعام؟ أليس اللبن طعامًا؟
 |
المراد في الحديث: الطعام غير اللبن. قال العلماء: قوله: "لم يأكل الطعام". المراد بـ"الطعام": ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يُحنَّك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، وغير ذلك... فقد يحنك بالتمر وهو طعام يصل إلى بطنه، وقد يُلعق العسل للتداوي يوصف له العسل، وهو يرضع اللبن؛ فهذا كله لا يدخل في الطعام وإنما ينضمّ إلى اللبن. |
 |
وقيل: المراد بالطعام: ما عدا اللبن فقط. ذكر الأول النووي في "شرح مسلم" و"شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" تبعًا لأصلها الثاني. وقال في "نكت التنبيه": إن لم يأكل غير اللبن وغير ما يُحنّك به وما أشبهه. وقيل: لم يأكل -أي: لم يستقل بجعل الطعام في فمه-، ذكره الموفق الحموي في "شرح التنبيه". |
 |
قال الحافظ ابن حجر: "والأول أظهر وهو: اللبن. ولا يضر بلعق العسل، أو التحنيك بالتمر". وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره... وقال ابن التين: "يُحْتَمل: أنها أرادت: أنه لم يتقوَّت بالطعام، ولم يستغنِ بالطعام عن الرضاع. ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليُحنِّكه -صلى الله عليه وسلم-، فيُحمل النفي على عمومه". |
"٣.١ الماء الذي يقع فيه الذباب، والتطهر من بول الغلام