٢.٣ سؤر الهرَّة


ما زلنا أيضًا في بعض الحيوانات التي تَرِد على الماء وتشرب منه، أو تلغ فيه. من هذه الحيوانات: الهرّة –القطة- إذا شربت من الماء، هل يتعلق بها نفس الحكم الذي يتعلق بالكلب؟ يعني: هل يجب غسل الإناء سبع مرات إذا ولغت أو شربت منه القطة؟ وهل يجب أن يراقَ الماء الذي شربت منه كما يراق الماء الذي شرب منه الكلب؟ أمْ أن الحكم يختلف؟ وإذا كان اختلف الحكم، فلماذا؟

الحكم يختلف. فلا يجب غسل الإناء من الولوغ أو من شرْب القطة أو الهرة سبع مرات، ولا حتى مرة واحدة. ولا يجب إراقة الماء، وإنما يستعمل الماء الباقي –وهو: سؤر الهرة- في الأكل وفي الشرب وفي الطهارة. فهذا تخفيف من الله، ولأنه لا ضرر من بقية مائها –يعني: من سؤرها-، ولأنها طاهرة، ولأن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات)). يعني: يصعب الاحتراز من القطة.




٢.٣ سؤر الهرَّة


فالإنسان يفاجأ بالقطة في أي مكان لا يدري من أين أتت؛ لذلك سنتناول الحديث التالي:

هذا الحديث رواه الخمسة -أي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وَعَنْ عائشة أيضًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنه كان يُصغي إلى الهرة الإناءَ حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضْلها"، الحديث رواه الإمام الدارقطني. يعني عمل أبي قتادة في إصغاء الإناء للهرة لتشرب، ثم يتوضأ، لم يعمله هو من نفسه، وإنما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- سبقه بهذا الفعل.
كما روت عائشة -رضي الله عنها-: "أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتوضأ يوماً، فجاءت الهرة تريد أن تشرب، فأصغى لها الإناء فشربت. ثم توضأ بباقي الماء بسؤرها". وهذا ما فعله أبو قتادة بعد ذلك.


٢.٣ سؤر الهرَّة


راوي الحديث

أبو قتادة: صحابي جليل له مواقف عظيمة وجليلة في الإسلام. وهو الذي سقطت عَيْنُهُ في غزوة أحد على يده، واحتملها في كفه، وذهب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في الحديث الصحيح في كتب المناقب في كتب السنة، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: ((اصْبِرْ يَا أَبَا قَتَادَةَ)). فقال -رضي الله عنه-: "إني أخاف أن أُعَيَّرَ يا رسول الله"، في بعض الروايات: "تعيِّرني زوجتي". والإنسان دائمًا يحب أن يكون منظره حسنًا، فقال: "أُعَيَّرُ" أو "أستحي من امرأتي، يا رسول الله". فردَّها النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده، فكانت أجود عينيه، ولم ترمد أبدًا حتى توفاه الله -سبحانه وتعالى-.
ابنه -ابن أبي قتادة هذا-: زوج كبشة -راوية هذا الحديث-، دَخَلَ يومًا على سيدنا معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- في وفدٍ من الوفود. وكان ابن أبي قتادة من ضمن أحباب وشيعة سيدنا علي -رضي الله عنه وأرضاه-، فإذا بمعاوية -رضي الله عنه- يسأله مستنكرًا، وهو يعرفه -كأنه يريد أن يقلل من شأنه- فقال له: "من أنت؟"، فقال ابن أبي قتادة -وهو اسمه: عبد الله-:

      راوي الحديث       فرُدَّت بكفِّ المصطفى أحسنَ الرَّدِّ


٢.٣ سؤر الهرَّة


شرح الحديث

ولنرجع إلى الحديث:

سكبت كبشة لأبي قتادة وَضوءًا أي: أعدَّت له الوضوء ليتوضأ. سكبته له في إناء واسع مفتوح.
و"الوَضُوء" بفتح "الواو" هو: الماء الذي يُتوضأ به. أما "الوُضوء" فهو: فعْل الوضوء أي: غسل الأعضاء. "سكبت" يعني: وضعت له الماء في إناء واسع ليتوضأ منه، فجاءت هرة تشرب منه.
أما قوله: "أصغى لها الإناء" فهو بـ"الصاد" المهملة، بعدها "غين" معجمة، وقال: " أصغى الإناء" ذكره في "الأساس". وقال: "أصغى الإناءَ للهرة": أماله. وقال في "القاموس": وأصْغى: استمع، وإليه: مال بسمعه، والإناءَ: أماله.
"فأصغى لها الإناء"-يعني: أمال الإناء على فمها لتشرب.
فإذا بكبشة تتعجب من هذا الفعل. إن الكلب لو فعل ذلك يجب أن يراق الماء، بل يجب أن يغسل الإناء؛ أليست كلها دواب؟ أو أليست كلها من الأشياء التي يجب أن نبتعد عنها، ونستقذر منها؟!


٢.٣ سؤر الهرَّة


فلما رآها أبو قتادة متعجِّبة، قال: "أتعجبنَ يابْنة أخِي؟"، قالت: "نعم". فأزال عجبها بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفعْله، قال لها: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنها ليست بنجس))".
هنا جاء الحكم: أن القطة طاهرة، وليست نجسة. أما الكلب فهو نجس. قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) أي: من الدواب التي تدور عليكم ليلًا ونهارًا، كالخدم الذي يدخل عليكم في أي وقت، ولا تستطيعون الاحتراز منه.
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) فهو: تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة؛ فهؤلاء يدخلون في أي وقت وفي كل وقت وعند الحاجة، ويصعب الاحتراز من دخولهم. فكذلك الهرة يصعب الاحتراز منها. فإذا شَرِبَتْ من الماء، كان الماء الباقي طاهرًا وطهورًا يجوز التوضؤُ به واستعماله في كل شيء. فهي طاهرة على الراجح، وهو ظاهر وصريح بأنها طاهرة الفم، طاهرة البدن، وسؤرها طاهر.
ورواية السيدة عائشة -رضي الله عنها- تؤكِّد هذا المعنى فتقول: "إنه -صلى الله عليه وسلم- يُصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها".


٢.٣ سؤر الهرَّة


والدليل أيضًا على طهارة القطة: أن أبا هريرة -رضي الله عنه- لُقِّبَ بأبي هريرة من أجل رعاية هرة كان يحملها في كُمِّه ويداعبها ويرعاها، ويرعى أولادها. وقف يومًا على مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والهرة في كمِّه، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((ماذا في كمِّك يا عبد الرحمن -أو- يا عبد الله؟))، والأشهر عنه: عبد الله، أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي. قال: "هرة، يا رسول الله، أتعهَّدها وأولادها". فقال له -صلى الله عليه وسلم-: ((اجلسْ، أبا هر!))، ولم يَنهَه عن ذلك -صلى الله عليه وسلم-؛ فكانت كنيته. فلو كانت نجسة، لنبَّهَه -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا عبد الله أو يا عبد الرحمن، لا تعد لمثل ذلك، ولا تحمل الهرة في ثيابك مرة أخرى؛ فإنها تنجس ثيابك. لكنه داعبه وقال له: ((اجلس، أبا هر)). وظل أبو هريرة يتعهد الهرة وأولادها؛ فلو كانت نجسة، لنهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك.


٢.٣ سؤر الهرَّة


تخريج الأحاديث، وشرح بعض ألفاظها

هذا الحديث الذي روَتْهُ كبشة أخرجه البيهقي، وأخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: "حسن صحيح".
وبعض العلماء يقولون: إن قول الترمذي: "حسن صحيح": أنه من أعلى درجات الحديث. أي: أنه حديث صحيح، وحسن العمل به، أي: استحسنه العلماء وقبلوه. فهناك من الأحاديث الصحيحة التي لم يعمل بها العلماء، والعلماء مختلفون في تفسير قول الإمام الترمذي: "حسن صحيح".
قال بعضهم: إنه حسن من طريق، صحيح من طريق آخر، أو أنه حسن ولم يصل إلى الصحيح، فقال الترمذي:"حسن صحيح" يعني: في درجة بينهما.
وقال بعضهم: إنه أجود ما في الصحيح، أي: إنه صحَّ واستحسن العلماء العمل به.


٢.٣ سؤر الهرَّة


وهذا الحديث صححه البخاري، والعقيلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني. لكن الإمام ابن منده أعلَّه بأن الرواية عن كبشة، وكبشة: مجهولة. والإمام ابن منده إمام عظيم من أئمة الحديث؛ لكن تعقبه الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: بأن كبشة ليست مجهولة؛ فلقد رَوَتْ حديثًا في: تشميت العاطس، وروت أيضًا حديثًا آخر، وروت حديثًا آخر، فلها ثلاثة أحاديث، فهي خارجة عن الجهالة. وكبشة من النساء التي روت الأحاديث فهي ليست مجهولة؛ فالحديث صحيح كما صححه البخاري.
قال ابن منده: "إن حميدَة الراوية لهذا الحديث عن كبشة: مجهولة. وكذلك كبشة، ولم يُعْرَفْ لهما إلا هذا الحديث". وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس، رواه أبو داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، وقد روى عنها مع إسحاق: ابنه يحيى وهو: ثقة عند ابن معين؛ فارتفعت جهالة حُميدَة.
وأما كبشة فقيل: إنها صحابية. والجهالة بالصحابي لا تضر. فإن ثبت أنها صحابية لا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة. وفي هذا الباب عن جابر عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ مثله.
والحديث الذي رواه الدارقطني عن عائشة قد اخْتُلِفَ فيه على عبد ربه وهو: عبد الله بن سعيد المجبري، ورواه الدارقطني من وجه آخر عن عائشة وفيه الواقدي. وروي من طرق أُخَر كلها واهية. ولكن الحديثَيْنِ معًا يدلَّان على: طهارة فم الهرة، وطهارة سؤرها، وهذا ما يدور حوله هذا الحديث.


٢.٣ سؤر الهرَّة


دلالة الحديث

هل العلماء متفقون على طهارة القطة، وطهارة سؤرها؟ الحديث يؤيد ذلك، وظاهره مع القائلين بالطهارة، ولكننا سنتعرض الآن إلى ما قاله العلماء، وما قاله أئمة المذاهب في الهرة، وفي سؤر الهرة؛ فما حكم طهارة الهرة؟ وما حكم سؤرها؟

وإليك كلام الأئمة على ما جاء في كتب الشروح.


٢.٣ سؤر الهرَّة


ذهب الشافعي والإمام الهادي: بأن فم الهرة طاهر، وسؤرها طاهر.
والدليل على ذلك: هذان الحديثان اللذان معنا، ألا وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنها ليست بنجس. إنها من الطوافين عليكم والطوافات))، وبالحديث الثاني الذي جاء عن عائشة -رضي الله عنها-: "أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها". واقتدى به أبو قتادة فتوضأ بسؤرها، وأصغى لها الإناء فشربت.