٢.٢ حكمُ قتل الكلاب


بقي معنا في الحديث: حكم بقتل الكلاب: هل كلّ الكلاب تُقتل؟ ولماذا؟ وهل هذا الأمر ما زال موجودًا، أم نُسخ؟ وهل هذا يعتبرُ رحمةً بالحيوان، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- نبي الرحمة؟


٢.٢ حكمُ قتل الكلاب


شرح الحديث

أمّا الأمر بقتل الكلاب، فقد اشتُهِرَ في السُّنّة؛ وسبب ذلك كما في "صحيح" الإمام مسلم: "أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وَعَدَهُ أمينُ الوحي سيدنا جبريل –عليه السلام- بأنه يأتيه في يوم من الأيام. وانتظره رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فلم يأتِه. انتظره كثيرًا فلم يأته. فإذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم يدور في بيته، فيقع على جروٍ-أي: كلب صغير- تحت سرير له، فأزاله من البيت فأخرجه. فإذا بجبريل يأتي، فيسأله –عليه الصلاة والسلام-: "لماذا تأخرت؟"، فيقول: "كان في البيت جرو، والملائكة لا تدخل البيت الذي فيه كلب". هنا أمر –صلى الله عليه وسلم- بقتل الكلاب.
جاء في "صحيح" مسلم: "أنه –صلى الله عليه وسلم- وعده جبريل –عليه السلام- أن يأتيَه، فلم يأته. فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((أما والله! ما أخلفني)). فظلّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يومَه ذلك. ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط له، فأمر به فأخُرج، فأتاه جبريل. فقال له: ((قد كنت وعدْتَني أن تلقاني البارحة))، فقال: "أجل يا محمد، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب". فأصبح رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فأمر بقتل الكلاب".


٢.٢ حكمُ قتل الكلاب


ثم ثبت عنه –صلى الله عليه وسلم- النهيُ عن قتلها، ونَسخه،. وقد عقد الإمام الحازمي لذلك بابًا. وثبت عنه –صلى الله عليه وسلم-: الترخيص بأن يُقتنَى كلب الصيد، وكلب الزرع، وكلب الماشية. فإذا كان الكلب لغير ذلك، يمتنع اقتناؤه. وإذا كان للزينة كما نرى في هذه الأيام، فإن ذلك يمتنع. وأخبر –صلى الله عليه وسلم-: أنه من اقتنى كلبًا غير كلب صيد، أو حراسة، أو زرع، نقص من أجره كل يوم قيراط". فإذا كان الكلب للصيد، أو للزرع، أو لحراسة الماشية، جاز اقتناؤه. أما غير ذلك، فلا يُقتنى؛ قال –صلى الله عليه وسلم-: ((من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية، نقص من عمله كل يوم قيراط)). وثبت عنه الأمر بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين، وقال: ((إنه شيطان)) أي يأتي الشيطان في صورته، فأمر –صلى الله عليه وسلم- عندئذ بقتله، وهو الذي يقطع صلاة المصلِّي، فقال –عليه الصلاة والسلام-: ((إنه شيطان)).
هذا الحديث يبيِّن لنا معجزةً من معجزات رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ويبيِّن لنا: أن المسلم نظيفٌ، وأنه يجب أن يبتعد عن القذارة وكلِّ ما يُستقذر. فإذا وَلَغَ الكلبُ في الإناء، فالنفس لا تقبل أن تشرب من ذلك الإناء أو تأكل فيه إلا بعد أن يُغسل مرةً ومرةً ومرات كما أمر بذلك رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. وكما قلتُ: فقد ثبت: أنّ في لعاب الكلب ميكروب يصيب الإنسان، فإذا لم يغسل مرات ويُدعك ويغسل بالتراب، فإن ذلك يكون سببًا في إيذاء المسلم أو في إيذاء الإنسان الذي يتناول ذلك الأمر.


٢.٢ حكمُ قتل الكلاب


ولم يكتفِ الحديث بأن يرشدنا إلى: أن نغسل الإناء مرّات ومرات، بل أمرنا أيضًا بإراقة الماء؛ لأن النفس لا تقبل أولًا أن يُشرب ذلك الماء الذي شرب منه الكلب وولغ فيه. كيف يتناوله الإنسان بعد ذلك؟ فأُمِرَ بإراقته أولًا للاستقذار، ثانيًا: للمرض الذي قد ينتقل من الكلب إلى الإنسان إذا لم يُرق هذا الماء. والسبع للتوكيد؛ لأن المرة لا تكفي، والثانية لا تكفي، فكان الأمر بسبع، والأمر بالتتريب زيادة في النظافة وقتل للميكروبات.
ويرشدنا الحديث إلى: أن نغطي آنيتنا، ونبعدها عن ولوغ الكلاب. فإذا ولغ الكلب في الإناء وجب علينا أن نفعل ما مرّ في ذلك الحديث؛ فمن هنا يجب علينا كمسلمين أن نغطِّي آنيتنا، ولقد أمرنا- صلى الله عليه وسلم- بتغطية الإناء، وأن نضع شيئًا عليه مخافة من مثل ذلك الأمر.
وأمّا ترخيصه –صلى الله عليه وسلم- في كلب الصيد أن يُقتنى، وفي كلب الغنم –أي: الكلب الذي يحرس الغنم، وهو: كلب الماشية-، والكلب الذي يحرس الزرع، فهذه رحمة من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بنا؛ حيث إننا محتاجون إلى هذه الكلاب في حراسة المواشي، وفي حراسة الزرع، وفي حراسة الأغنام. فإذا اقتني الكلب لغير ذلك، فإنما ذلك يكون ترفيهًا وزينة تُخرج المسلم عن عادته، وتخرج الإنسان عن طبيعته، ويكفي في ذلك أن ذلك يمنع دخول المَلك بيت المسلم؛ إذ امتنع جبريل –عليه السلام- من الدخول على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أو من الإتيان إليه بعد أن وعده أن يأتيه بسبب كلب صغير كان في بيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. فلمّا أمر –صلى الله عليه وسلم- بإخراجه، جاءه الملك جبريل –عليه السلام-، وأخبره: بأن المَلك لا يأتي إلى بيت أو لا يدخل بيتًا فيه كلب؛ وهذا ما جاء في حديث آخر: ((لا تصحب الملائكةُ الرفقة التي بها جرس، والبيت الذي به كلب)).


٢.٢ حكمُ قتل الكلاب


هذه أمور يجب على كل مسلم: أن يتنبّه إليها، وأن يعيَها، وأن يتمسّك بها. فما أجملَ أن نتمسّك بسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وأن نعمل بها، وأن نقتدي به –صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ))لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(( (الأحزاب: ٢١). وعندما يأمر –صلى الله عليه وسلم-، علينا أن نعمل بأمره حتى ولو لم نَصِلْ إلى العلّة، رغم أنّ العلل قد ظهرت في هذا الحديث. فنحن المسلمين إذا صحت الرواية عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وجب علينا أن نعمل بها ظهرت لنا العلة أم لا، قال تعالى: ))وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(( (الحشر: ٧)، وقال تعالى: ))وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(( (الأحزاب: ٣٦). فهذا قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم، فلْيغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب، -أو- أولاهنّ بالتراب، -أو- أخراهن بالتراب، -أو- فعفِّروه في الثامنة))..
فكل هذه الروايات قد وردتْ في هذا الحديث الشريف، وكان المؤمنون عندما يستمعون قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يعملون به، ويقولون: "آمنَّا به"؛ قال تعالى: ))إِِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا(( (النور: ٥١) وقال تعالى: ))مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً(( (النساء: ٨٠)، وقال –صلى الله عليه وسلم-: ((والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به)). وقال –صلى الله عليه وسلم-: ((كلكم يدخل الجنة إلا من أبى)). قالوا: "ومَن يأبى يا رسول الله؟"، قال: ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)).

٢.٢ حكمُ قتل الكلاب


فهذه الأحاديث التي نحن بصددها إن ظهرت لنا العلة، ودلّ الفقهاء عليها، ونبهوا عليها، فأهلًا بها ونعمت. وإلا لم نصل إلى علّة لها، وجب علينا العمل بها، وسيأتي القادمون ومن بَعْدنا ليصلوا إلى الأحكام الشرعية فيها، ويعلموا صدق رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.