
![]() |
أما تخريج الحديث -أي: المصادر التي ذكرت وروت هذا الحديث-، فله ألفاظٌ كثيرةٌ هذا واحد منها.و |
![]() |
في الباب أحاديث منها: عن عبد الله بن مغفّل، وحديث ابن عمر في القلّتين، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ)). |
![]() |
وقد استُدلّ بهذا الحديث -حديث ولوغ الكلب في الإناء- على: نجاسة آسار البهائم. |
![]() |
أما "الولوغ" فهو: أن يشرب الكلب من الماء بطرف لسانه، ثم يحرِّكه فيه. قال ثعلب -وهو إمام من أئمة اللغة العربية-: "هو أن يُدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع، فيحرِّكه فيه. وأما إذا كان غير مائع، فيكون لعقًا وليس ولوغًا. فاللّعق للجمادات، أما الولوغ فللمائعات أي: السوائل". زاد ابن درستويه: "شَرب أو لم يشرب". فما دام أدخل لسانه في الماء، فالماء تأثّر بذلك، شرب أو لم يشرب. كذلك إذا لَعِقَ الإناء أو لعق أيّ جامد، فإنه يتنجّس ويتأثّر بذلك. |
![]() |
قوله: ((في إناء أحدكم)) ليس المراد بـ"الإناء": الإناءَ حقيقيةً، وإنما كلّ ما فيه ماء، ظاهره: العموم في الآنية، وهو يُخرج ما كان المياه في غير الآنية؛ ولكن الحكم جارٍ على الآنية وغيرها؛ وإنما ذكر الإناء للتغليب فقط. قال العراقي: "ذكر "الإناء" خرج مخرج الأغلب لا للتقييد. |
![]() |
إذًا لو ولغ الكلب في الماء الذي في الإناء: هل يُراق الماء أو لا يراق؟ |
![]() |
هذه قضية أثارها العلماء: قال النسائي: "لم يذكر ((فَلْيُرِقْهُ)) غير علي بن مسهر". وقال ابن منده: "تفرّد بذكر الإراقة فيه: علي بن مسهر، ولا يُعرف عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بوجه من الوجوه". لكنّ العلماء ردّوا عليهم في ذلك، وقالوا: إنه جاءت روايات بلفظ: ((فَلْيُرِقْهُ)) أي: يُرِقِ الماءَ الذي وَلَغَ فيه الكلب. |
![]() |
قال الحافظ بن حجر: "وَرَدَ الأمر بالإراقة عند مسلم -أي في "صحيح" مسلم، وهو من أصحّ الكتب كما يعلم أهل الحديث والفقه وأغلب علماء المسلمين-، من طريق الأعمش عن أبي صالح، وأبي رزين عن أبي هريرة". وقد حسّن الدارقطني حديث الإراقة -يعني قال: "هذا حديث حسن"، الذي ورد فيه لفظ: ((فليُرقْه))-. أخرجه أيضًا بلفظ الإراقة: ابن حبان في "صحيحه"، ورواه مسلم بزيادة: ((أولاهنّ بالتّراب)) أي: يترّب عند أوّل غسلة. |
![]() |
واختُلِفَ في عدد مرّات الغسل للإناء الذي ولغ فيه الكلب: هل هو سبْع؟ أم يكفي ثلاث؟ أم أن العدد غير مراد؟ |
![]() |
قال بعض العلماء: أن السبْع واجب، لورودها في ألفاظ الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقال بعضهم: إنه مندوب؛ وذلك لما أنّ هناك روايات أخرى وردت بثلاث. |
![]() |
والواجب هو: اللّازم المحتم فعله. أما المندوب فهو: الجائز، وبه يصلح الأمر، ويكون الإنسان قد نفّذ ما طلبه منه. |
![]() |
قال العلماء: الحديث يدل على: وجوب الغسلات السبْع من ولوغ الكلب. هذا هو المذهب الأول: يجب الغسلُ للإناء الذي يلغ فيه الكلب سبع مرات. ذهب إلى القول بالوجوب: ابن عباس من الصحابة -رضي الله عنه وأرضاه-، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيدة، وداود. إذًا قال بالوجوب: المذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنفي، والإمام الأوزاعي. وقال به أهل الظاهر داود زعيم الظاهرية، ومن الصحابة مَن قال به وعلى رأسهم: الحَبر ابن عباس -رضي الله عنهما-. |
![]() |
أما الذين قالوا بأن السبْع مندوب، ويكفي الثلاث، فهُم: الحنفية والعترة. فقد اكتفوا بثلاث، وحملوا حديث السبع على: النَّدب. ودليلهم في ذلك: ما رواه الإمام الطحاوي، والدارقطني موقوفًا على أبي هريرة: "أنه يُغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات". |
![]() |
وهذا الحديث موقوف على أبي هريرة، ومعروف: أن الحديث الأوّل مرفوع، والموقوف إذا عارض المرفوع يقدّم المرفوع على الموقوف، خاصّة: أنّ الراوي للمرفوع هو نفسه الراوي للحديث الموقوف. فراوي الحديث المرفوع بالغسل سبع مرات هو: أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-. ويأتي الدارقطني والطحاوي برواية موقوفة عليه بأنه يُغسل ثلاث مرات، وهو الراوي -أي: أبو هريرة- لحديث الغسل سبعًا؛ فثبت بذلك نسخُ السبْع. |
![]() |
هذا رأي من قال بأنه مندوب وهم: العترة والحنفية: قالوا: ما دام الراوي قال بثلاث فإذًا فقد نسخ السبْع، وهو مناسبٌ لأصل بعض الحنفية من: وجوب العمل بتأويل الراوي وتخصيصه ونسخه، وغير مناسب لأصول الجمهور مِن: عدم العمل به. يعني: عند الحنفية: أن الراوي إذا عمل خلاف ما قال، فإن ذلك يكون نسخًا، أي: قد وصَله نسخ. أما الجمهور فيقدِّمون المرفوعَ على الموقوف حتى وإن عمل به الراوي. |
![]() |
الذين قالوا بوجوب الغسل سبعًا ولا يكفي أقل من سبع قالوا: يحتمل أن أبا هريرة نسي رواية السبع، أو أنه كان يعتقد: أن رواية السبع مندوبة لا واجب. |
![]() |
وأيضًا قد ثبت عنه: أنه أفتى مرّة بالغسل سبعاً. إذًا هنا مرة أفتى بالغسل سبعًا، ومرة أفتى بالغسل ثلاثًا؛ لكن روايته بالغسل سبع. إذًا الراجح أن يكون الغسل سبعاً. |
![]() |
وأيضًا قد ثبت عنه: أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتواه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر. |
![]() |
أما من حيث الإسناد: فالموافقة وردتْ من رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه؛ وهذا من أصح الأسانيد. والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه؛ وهو دون الأول في القوّة بكثير. قال ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري". |
![]() |
وأما من حيث النظر: فظاهر، كما أنه قد روى التسبيع غير أبي هريرة، فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره. |
![]() |
وعلى كل حال، فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلقد ظهر صراحةً: أن الغسل سبعًا هو الواجب. فلقد جاء الحديث الذي معنا بهذا اللفظ: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فلْيرقْه، ثم ليغسلْه سبع مرات)). هذا لفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ولا يحاجّ ولا يعارَض بأيّ قول من الأقوال، ما دام قد صحّ هذا عنه -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
ومن جملة الأعذار التي اعتذر بها الذين قالوا بأن السبع: مندوب وليس بواجب فيكفي الثلاث، قاسوا غسلَ الإناء على العَذِرة، فقالوا: إن العذِرة أشدّ نجاسةً من سؤر الكلب، ولم تقيَّد بالسبع؛ فيكون الولوغ كذلك من باب أوْلى. |
![]() |
والمراد بـ"العَذِرة": ما يخرج من الإنسان. فما يخرج من الإنسان إذا أصاب شيئًا، يكفي أن يُغسل مرةً أو مرتين أو ثلاثاً. والسبع ليست محدّدةً. فقاسوا سؤر الكلب على ما تصيبه العذِرة. |
![]() |
ولكن رُدّ عليهم بأنه: لا يلزم من كونه أشدّ في الاستقذار ألا يكون الولوغ أشدّ منها في تغليظ الحكم، ثُمّ إنه قياسٌ في مقابلة النصّ الصريح، ولا يصحّ القياس في مقابلة النصّ الصريح. |
![]() |
كما أنهم حاولوا أيضًا: أن يدلّلوا على: أن السبع ليس بواجب بل مندوب بأمر آخَر. قالوا: إن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهى -صلى الله عليه وسلم- عن قتل الكلاب، نُسِخَ الأمرُ بالغسل سبع مرات إلى أنه يكفي أيّ عدد، وأرجحه: الثلاث كما جاءت في روايات عنه -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
تعقّب العلماء ذلك -القائلين بوجوب السبع- قالوا: إن الأمر بقتلها كان في أول الهجرة، والأمر بالغسل كان متأخِّرًا؛ إذًا الأمر بالغسل لم يصاحب الأمر بقتل الكلاب، فلا يرتبط أحدهما بالآخَر. |
![]() |
هذا رد الجمهور: أن الأمر بالغسل سبع مرات متأخِّر جدًّا؛ لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع من الهجرة. والأمر بقتل الكلاب في السنوات الأولى من الهجرة. إذًا مصاحبة الأمر سبع غسلات بقتل الكلاب لا يتَّفق، وسياق حديث بن مغفّل يدلّ على: أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب. |
![]() |
وقد اختُلف أيضًا في وجوب التتريب: ((وترِّبوه في الأخيرة)). |
![]() |
فقال بعضهم: إن التتريب -أي: دعك الإناء بالتراب- إنما يكون في الغسلة الأخيرة، أو في الغسلة الأولى، أو في أي غسلة من الغسلات السبع. رواية تقول في أوَّلهن، ورواية تقول في إحداهن، ورواية تقول في أخراهن؛ من أجل ذلك جاء الخلاف. |
![]() |
اختلفوا في وجوب التتريب للإناء الذي ولغ فيه الكلب كما اختلفوا في العدد. |
![]() |
واستدل بهذا الحديث على: نجاسة الكلب؛ لأنه لو كان طاهرًا ما أُمِرَ بالغسل من لعابه الذي أصاب الإناء، أو إراقة الماء الذي وَصَلَ إليه لعابُ الكلب. لو كان طاهرًا لما أريق الماء، ولما استدعى الأمر أن يُغسل الإناء سبع مرات، بل يدعك بالتراب في واحدة منهن. فاستدلوا بهذا الحديث على نجاسة الكلب؛ لأنه إذا كان لعابه نجسًا -وهو عرَق فمه- ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه؛ وذلك لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه، فإذا كان أشرف ما فيه نجسًا فبقية بدنه أوْلى. وقد ذهب إلى ذلك القول: الجمهور. |
![]() |
لكن قال عكرمة ومالك في رواية عنه: إنه طاهر، والنجس: لعابه فقط. |
![]() |
أما دليل من قال: إنه طاهر: |
![]() |
فقوله تعالى: ))فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ(( (المائدة: ٤) يعني: عندما يصيد الكلب بأسنانه، وبالتأكيد سيصل لعابه إلى ما صاده. فلو كان نجسًا لعابُه لتنجّس ما يصيده ولا يُؤكل. فلا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم يؤمر بغسله. | |
![]() |
ولكن الذين قالوا بنجاسة الكلب -حتى لعابه- أجابوا عن ذلك بأن إباحة الأكل: ))مِمَّا أَمْسَكْنَ(( لا تنافي وجوب تطهير ما تنجّس من الصيد، فيجب غسله. وإذا أبيح أكله، فيجب غسله، وعدم الأمر بغسله لأنه أمرٌ ظاهرٌ لا يحتاج إلى تنبيه. |
![]() |
قالوا: عدم الأمر بالغسل للاكتفاء بما في أدلّة تطهير النجس من العموم، ولو سلِم فغايته: الترخيص في الصيد. يعني: لو سلّمنا بأن الصيد يؤكل من غسل، لكان هذا ترخيصًا في الصيد فقط، وما بعد ذلك كلّ ما يصيبه الكلب أو لعابه يكون نجسًا. | |
![]() |
كما استدلوا أيضًا -الذين قالوا بطهارة الكلب - بما ثبت عند أبي داود من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- بلفظ: "كانت الكلاب تُقبل وتُدبر زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد". كان مسجد النبي -عليه السلام- في بادئ الأمر ليس عليه أبواب، فكانت الكلاب تدخل فيه وتخرج، فلو كانت نجسةً لَأُمِرَ بغسل المكان ورشِّه؛ ولم يثبت ذلك. وهذا الحديث أيضًا في البخاري، وأخرجه الترمذي بزيادة: "وتبول". | |
![]() |
وردّ بأن البول مجمَعٌ على نجاسته؛ فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حُجَّةً يعارَض بها الإجماع. | |
![]() |
وأما مجرّد الإقبال والإدبار في المسجد، فلا يدلّان على طهارة الكلاب؛ لأنه يُحتمل أن يكونَ تَرَكَ الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة. أيّ شيء نغسله؟ ما دام يدور في كل المسجد فليس المكان محددًا حتى يغسل. يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة أو طهارة الأرض بالجفاف. تخرج الكلاب، وتجفّ الأرض فيطهر المكان. فهناك قاعدة عليها أغلب العلماء "أنَّ كل جاف طاهر". |
![]() |
قال الحافظ المنذري -رحمه الله تعالى-: "إنها كانت تبول خارج المسجد -ما بالت في المسجد- إنما تبول في مواطنها، ثم تُقبل وتُدبر في المسجد. | |
![]() |
قال الحافظ ابن حجر: "والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة في أول الأمر؛ لأن المسجد كان لم يكن به أبواب. ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعلِ الأبواب عليها". إذًا كان هذا مباحًا في أول الأمر، أي: دخول الكلاب وخروجها للضرورة، ليس على المساجد أبواب. ثم جاء الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها. | |
![]() |
واستدلوا على الطهارة أيضًا بحديث سيأتي بعد ذلك، وهو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخّص في اقتناء كلب الصيد، وكلب الماشية، وكلب الزرع؛ لكنّ العلماء أيضًا الذين قالوا بنجاستها أجابوا بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، غاية الأمر: أنه تكليفٌ شاقٌّ، وهو لا ينافي التعبد به. |
![]() |
التتريب -الغسل بالتراب- ورد في الحديث في هذه الراوية: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فيغسلْه سبعًا)). هذه الرواية -كما سبق- متّفقٌ عليها. وزاد الإمام أحمد والإمام مسلم: ((طهور إناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلبُ: أن يغسلَه سبعَ مرّاتٍ، أوّلهنّ بالتراب)). |
![]() |
حديث آخر من رواية عبد الله بن مغفل قال: "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما بالُهم وبالُ الكلاب؟)). ثم رخَّص في كلب الصيد، وكلب الغنم، وقال: ((إذا وَلَغَ الكلبُ في الإناء، فاغسلوه سبْع مرّات، وعفِّروه الثامنة بالتراب)). إذًا زاد عن السبع: يغسل مرّة زائدة بالتراب، وهي: المرة الثامنة. |
![]() |
من هنا وقع الخلاف. الروايات جاءت متعددة: ((إحداهن))، ((أولاهن))، ((أخراهن))، ((فعفِّروه في الثامنة))؛ من أجل جاء هذا الاختلاف. فالحديثان يدلّان على: أنّه يُغسل الإناء الذي وَلَغَ فيه الكلبُ سبع مرّات. |
![]() |
أما قوله في الرواية الأولى: ((أوَّلهنّ بالتراب))، فلفظ الترمذي والبزار: ((أوَّلهنّ)) أو ((أخراهن)). يبقى إذًا الرواية: ((أوّلهنّ)) أو ((أخراهن)). ولأبي داود ((السابعة بالتراب)) حدّدت السابعة. وفي رواية صحيحة للإمام الشافعي: ((أوّلهن أو أخراهن)) بالتخيير، المهمّ: أن تكون واحدة منهن بالتراب. وفي رواية لأبي عبد القاسم بن سلام في: كتاب "الطهور" له: ((إذا وَلَغَ الكلب في الإناء، غُسِلَ سبع مرات، أوّلهن -أو- إحداهن بالتراب))، وعند الدارقطني بلفظ: ((إحداهن)) أيضًا، وإسناده ضعيف، فيه: الجارود بن يزيد وهو: متروك. والذي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الباب بلفظ: ((وعفِّروه الثامنة بالتراب)) أصحّ من رواية: ((إحداهن)). قال في "البدر المنير": "بإجماعهم". وقال ابن منده: "إسناده مجمَع على صحته، وهي زيادة ثقة، وهي قوله: ((وعفروه في الثامنة)): زيادة من ثقة. وعلماء الحديث مجمعون على: أن الثقة زيادته مقبولة، فهي زيادة من ثقته، فتعين المصير إليها". وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك. واعتذار الشافعي -رحمه الله تعالى- بأنه لم يَقِفْ على صحة هذا الحديث الذي فيه الزيادة: ((وعفِّروه في الثامنة)) لا ينفع الشافعية. فإذا كان لم يقفِ الشافعي على هذا الحديث وعلى صحته، فقد وقف على صحته غيره، وأوصى الشافعي بنفسه: أن الحديث إذا صحّ فهو مذهبه. فلقد صح عنه -رحمه الله تعالى-: أنه قال "إذا صح الحديث فهو مذهبي"؛ فتعيّن حملُ المطلق على المقيَّد. |
![]() |
وأما قول ابن عبد البر: "لا أعلم أحداً أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبْع بالماء غير الحسن"، فلا يقدح ذلك في صحة الحديث أيضًا. يعني الإمام ابن عبد البر يقول: لم يفتِ أحدٌ في الدنيا بأنّ أحدًا غسل ثماني مرات، وإنما الغسل سبع، ويترَّب في السابعة. ولم يقل بالتتريب بالثامنة غير الحسن. هذا كلام ابن عبد البر. |
![]() |
قوله: "وهذا لا يقدح في صحة رواية: ((وعفِّروه في الثامنة))"، فلا يقدح ذلك في صحة الحديث. وتحتم العمل به أيضًا. فقد أفتى بذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره. وروي عن مالك أيضًا: بأنه يترّب في الثامنة؛ ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. |
![]() |
يقول البيهقي: "إن أبا هريرة أحفظ من غيره، فروايته أرجحُ، وليس فيها هذه الزيادة". |
![]() |
وقول البيهقي هذا مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفّل زيادة، وهو مجمع على صحته وصحة روايته، والسلسلة التي جاءت بهذا الحديث، وزيادة الثقة يتعيّن المصير إليها إذا لم تقع منافيةً. |
![]() |
وقد خالف الحنفية والعترة في: وجوب التتريب بعدما اختلفوا في: أي غسلة يكون التتريب. هل هو في الأولى؟ أو في إحداهن؟ أو في أخراهن؟ أو في الثامنة؟ جاء خلاف آخر في حكم التتريب: هل التتريب واجب؟ أم غير واجب؟ وسيأتي الكلام عن هذا كله. |
![]() |
قال بعض العلماء بأن حكم التتريب، يعني: الغسل مرةً بالتراب، سواء الأولى أو الأخيرة أو السابعة أو في الثامنة: أمرٌ واجب. |
![]() |
وقد خالفتِ الحنفيةُ والعترة في: وجوب التتريب، كما خالفوا في التسبيع. ووافقهم هنا المالكيّة. فالمالكية أوجبوا التسبيع، ولم يوجبوا التتريب، قالوا: لأن التتريب لم يقع في رواية مالك. |
![]() |
قال القرافي منهم: "قد صحّت فيه الأحاديث؛ فالعجب منهم لم يقولوا بها!". وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة؛ لأنها ذكرت بلفظ: ((أولاهن))، وبلفظ: ((أخراهن))، وبلفظ ((إحداهن))، وفي رواية: ((السابعة))، وفي رواية: ((الثامنة)). والاضطراب يوجب طرحَ الرواية. |