٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


وننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو: طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان؛ بم تكون؟ وكيف تكون؟

قبل الإسلام، كانوا إذا أصاب البولُ أرضًا، قُطعت هذه الأرض بالفؤوس، وأزيل التراب، ثم جيء بتراب مكانه لتستوي الأرض. وإذا أصاب البول ثوبًا، قُطِعَ ذلك الثوب، أي: الجزء الذي أصابه البول.
أما الإسلام، فهو دين الرحمة: ))مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج(( (الحج: ٧٨).
وقال -صلى الله عليه وسلم- ((إن الدِّين يُسر، ولا يشادّ الدين أحد إلا غلبه)).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن هذا الدِّين متين، فأوغل فيه برفق؛ فإن المُنبَتَّ لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطَع)).
وقال تعالى في آيات الصوم في سورة (البقرة): ))يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْر(( (البقرة: ١٨٥).
وما أرسل -صلى الله عليه وسلم- سَرِيَّةً أو داعية من دعاته إلا وأوصاه أو أوصى القائد بالتيسير لا بالتعسير؛ فيقول لمعاذ وأبي موسى عندما أرسلهما إلى اليمن: ((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا)).


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان



٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


أولًا: يجب أن يقرأ الحديث قراءة صحيحة؛ لأنه لو أخطأ إنسان في قراءة حديث لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترتّب على هذا الخطأ أحكام خاطئة.
الحديث الذي معنا من الأحاديث المتَّفق عليها، ومعنى "متفق عليه" عند علماء الحديث: أنه من رواية البخاري ومسلم، وهذا يُعتبر من أعلى الأحاديث في الصحة؛ إذْ أصح الأحاديث التي جاءت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم-. ثم بعد ذلك: ما انفرد به البخاري. ثم بعد ذلك في الدرجة الثالثة: ما انفرد به مسلم. ثم في الدرجة الرابعة: ما كان على شرطهما ولم يخرجاه. ثم في الدرجة الخامسة: ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه. ثم في الدرجة السادسة: ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه. ثم في الدرجة السابعة: ما كان صحيحًا عند غيرهما.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


يحكي الحديث: أن أعرابيًّا بال في المسجد، والأعراب هم: ساكنو البادية. والأعراب لسكنهم في البادية بهم غلظة وجفاء، وكثيرًا ما كانوا يخطئون مع الناس، بل ومع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. والقرآن الكريم وصفهم فقال: ))الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ((. لكن منهم صحابة ومؤمنون صالحون، لكن يغلب عليهم الغلظة والشدة لنشأتهم في الصحراء، وبيئة الصحراء بيئة شديدة غليظة. فكان الأعرابي يأتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويشد ملحفته أو بُردته التي على عنقه -صلى الله عليه وسلم- ويقول: "يا محمد، أعطني من هذا المال الذي عندك؛ فليس مالك ولا مال أبيك!"، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتركه، ويعفو عنه، ويطلب من صحابته -إذا أرادوا أن يقتصوا منه-: أن يعفُوا عن ذلك الرجل. فكثيرًا ما كانوا يأتون ويؤذون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويتحمل إساءتهم، لبعدهم عن الحضارة وعن المَدَنيَّة.
والعربي: إما أن يكون أعرابيًّا، وإما أن يكون حضريًّا. فالأعرابي لا يقابل العربي، وإنما يقابل الحضري. والعربي يقابله الأعجمي، لا الأعرابي.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


جاء هذا الرجل الأعرابي فعلًا، وصنع أمرًا يدل على أنه بعيدٌ عن الحضارة، ولا يعرف شيئًا عن قواعد الإسلام الأساسية. فيبدو أنه حديث عهد بإسلام. جاء هذا الرجل وبمجرد أن دخل المسجد عقَل ناقته، ثم تقدم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه، فقال: "اللهمَّ ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا!". فدل هذا على غلظته وشدّته وجهله. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((لقد ضيَّقتَ واسعًا يا رجل، -أو- تحجَّرتَ واسعًا يا رجل)). فرحمة الله واسعة تسَع الدنيا والآخرة. يجب على الإنسان إذا دعا بالرحمة: أن يدعوَ له وللناس جميعًا؛ فرحمة الله واسعة، قال تعالى: ))وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ((.
يقول رواة الحديث: "ثم ما لَبِثَ الرجل أن أخذ ناحية من نواحي المسجد، فبال فيها". فعلمنا: أنه غير فقيه، لأنه يبول في أي مكان في المسجد، بل في أي مسجد؟ في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأطهر بقاع الأرض: المساجد. وأفضل المساجد بعد المسجد الحرام: مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك يبول هذا الرجل فيه! وما زلنا في مجال الرحمة؛ فالرسول الرحيم بالإنسانية، الرحيم بالكلب والهرة -كما سبق أن تحدثنا في الحديث السابق- تظهر رحمته أيضًا هنا في هذا الحديث مع هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


ظهرت رحمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الجليل بهذا الصحابي، ورفْقُه به وتعليمُه له، بل ورفقُه بأمّته كلِّها. فمن الممكن أن يخطأ أي إنسان مثل هذا الصحابي، والصحابة كانوا يخطئون، لنتعلم منهم ومن كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوجيهه لهم فلا نَعتب على ذلك الصحابي، ولا نضحك من فعْله أو نسخر منه في بوله في المسجد؛ إذْ لو لَمْ يفعل ذلك ما وصل إلينا هذا التشريع، ولا عرفنا الحكم. فهذا الرجل لما بال في المسجد، قام إليه الصحابة الكل يحاول أن يضربه، وبعضهم يشتمه، وبعضهم يقول له: "مه! مه!"، أي: "اكفف! اكفف!".


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


شرح الحديث

وهنا ظهرت رحمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي هي شأنه وطبعه، فقال لهم: ((دعُوه!))، وفي رواية: ((لا تَزْرِمُوه!)) يعني: لا تحبسوا بوله لأنه قد يُضَرّ؛ بل إنه قد يضر أكثر من الضرر الذي يلحق المسجد، وسيجري وهو يبول فيقع المحظور. فبدلًا من أن كنا نخاف من أن يُنجِّس شبرًا في شبر، أو ذراعًا في ذراع، سينجِّس المسجد كلَّه، فقال لهم: ((دعوه!))، والأمر هيِّن يسير.
))هريقوا)) يعني: أريقوا على بوله.
((سَجْلًا)) يعني: دلوًا مملوءًا بالماء، أو ((ذَنُوبًا من ماء))، و"الذَّنوب" هو: الدلو المملوء بالماء.
وعند ذلك تنتهي المشكلة. هذا الصحابي عُرِفَ اسْمُهُ وهو: ذو الخويصرة اليماني -رضي الله عنه وأرضاه-. الرواية المتفق عليها هي: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه وأرضاه- يقول فيها: "جاء أعرابيٌّ -وعندنا في الأولى يقول: "قام أعرابي"-، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس. -والمراد بالناس :الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلما قضى بولَه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذَنوب من ماء، فأهريق عليه".


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


مباحث الحديث

في هذا الحديث: مباحث فقهية عظيمة جاءت في كتب كثيرة جمَعها عالم من علماء الأمة المحدِّثين -أطال الله في عمرهم، وبارك فيهم-، وكتب بقلمه كلامًا طيبًا حول هذا الحديث يكفيني ويكفي كل من يقرأ هذا الكلام؛ وهو كلام فضيلة الإمام -إمام المحدثين في هذا العصر- فضيلة الأستاذ الدكتور: الشيخ موسى شاهين لاشين -نائب رئيس جامعة الأزهر سابقًا- يقول في فقه هذا الحديث: يتعرض الحديث إلى: تطهير المتنجس. ويحسن بنا أن نستعرض باختصار مذاهب العلماء في التطهير. والتعبير الدقيق: أن نطلق على عيْن النجاسة وجِرْمها لفظ: "نَجِس"، وعلى ما أصابته من مائع أو جامد: لفظ: "مُتَنَجِّس". يعني: العين القذرة النجسة تسمَّى: "نَجِسًا" أو "نَجَسًا". أما الشيء الذي يصيب هذا النجس يسمَّى: "متنجّسًا"، يعني: من الممكن أن يتطهَّر.
أما النَّجِس فلا يمكن أن يتطهر. ففعلُنا وإراقتنا للماء لا تُطَهِّر البول، ولا تطهِّر الشيء القذر، وإنما هي تطهر الشيء الذي أصابته النجاسة، والعين النجسة لا تطْهر إلا ما كان من جلود الميتة، فإنها تطهر بالدبغ على خلاف بين العلماء.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


أما ما كان من العين النجسة كالبول والعذِرة، فإنه لا يطهر في ذاته أبدًا، وكل ما نفعله إذا أصاب ثوبًا أو جامدًا: أن نُزيله ونحوِّله عنه.
أما عين النجاسة فتظل نجسة. وإذا أصاب مائعًا أو ماءً، علينا أن نكثر المائعَ أو الماء كثرة تُضْعِفُ أو تُخْفِي تَأْثِيرَ هذا الشيء النجس، فيصلح المائع أو الماء للاستعمال.
وإزالة النجاسة لا تجوز إلا بالماء عند الشافعية والجمهور، وأصح الروايتين عن أحمد. وهو منقول عن مالك.
وقال أبو حنيفة: يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع -كالخل، وماء الورد-.

ولو وَقَعَتِ النجاسة في شيء جامد؛ ماذا نفعل؟

نزيل النجاسة، ونستعمل ما حولها. فلو وقعت النجاسة في جامد كالفأرة تموت في السمن، أُخْرِجَتْ وما حولها ثم انْتُفِعَ بالباقي.
والحديث الذي نحن بصدده في: النجاسة تقع على الأرض؛ فالحنفية يرون: أنه إذا أصابت الأرضَ نجاسة رطبة كالبول، فإن كانت الأرض رخوة صُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ حتى يتسفَّلَ فيها، يعني: حتى ينزل، وتشربه الأرض. وإذا لم يبقَ على وجهها شيء من النجاسة وتسفّل الماء، حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا. وإن كانت الأرض صلبة، تُغْسَلُ مرة ومرة، ويرفع الماء. ولا نكتفي بصب الماء -كما في الحديث الذي معنا؛ لأن أرض المسجد -مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومها كانت رخوة تشرب الماء.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


فإن كانت عاليةً هرمية، حُفِرَ في أسفلها حفرة لينزل الماء الذي نغسل به، ويُصَبّ الماء عليها ثلاث مرات أو أكثر، حتى نعتقد، ويغلب على ظننا أنها طهرت، ويَتَسَفَّل إلى الحفيرة ثم تكبس الحفرة وتُمْلَأ بالتراب. وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء، لا تُغْسَلُ، لعدم الفائدة في الغسل؛ بل يُحْفَرُ مكان النجاسة إن أمكن، أو يُغْسَلُ ويرفع الماء مرات.
واستدلوا ببعض روايات الحديث عند الدارقطني: ((احفروا مكانه، ثم صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا)). وعند أبي داود: ((خذوا ما بال عليه من التراب، فألْقُوه، وأهريقوا على مكانه ماءً)). وفي "مصنَّف" عبد الرزاق: ((احفِروا مكانَه، واطرحوا عليه دلوًا من ماء)).
والشافعية والجمهور على: أنه لا حفْر، وأنَّ الأرض صلبة أو رخوة تطْهر بصبِّ الماء عليها كما هو ظاهر هذا الحديث. وهذا الرأي رحمة بالأمّة، وأخذ بالتخفيف عليها.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


فوائد الحديث

وفي هذا الحديث فوائد كثيرة، من هذه الفوائد التي استفادها العلماء:
أنَّ الاحتراز من النجاسة كان مقررًا في نفوس الصحابة. يعني: الصحابة متحرِّزون، ويتحرزون عن النجاسة. من أجل ذلك هَبُّوا إلى هذا الرجل، أرادوا أن يمنعوه؛ بل أراد بعضهم أن يشتمه ويضربه، فنهاهم عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
أنَّ بول الآدمي نجِس، وهذا أمر مجمَع عليه؛ لكن بول الصبي الصغير يكفي الرَّش منه، وبول الصبَّية الصغيرة -يعني: وهي في الرضاعة- يُغْسَلُ؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: ((إنما يُرَشُّ من بول الصبِيِّ، ويُغسل من بول الجارية)).
تعيين الماء لإزالة النجاسة عن الأرض المتنجِّسة، ولا يكفي الجفاف بالريح أو الشمس كمذهب الشافعي ومالك والحنابلة. وقال أبو حنيفة: هما مطهِّران؛ لأنهما يحيلان الشيء. يعني: الريح والشمس تطهِّر المكان المتنجِّس. كما اسْتُدُلَّ به على عدم نضوب الماء؛ لأنه لو اشْتُرِطَ لتوقف طهارة الأرض على الجفاف، وهذا لم يقل به أحد. وكذلك لا يشترط عصر الثوب، وإنما يُغْسَل حتى يغلب على الظن الطهارة، عُصر أو لم يُعصر.


٢.٤ طهارة الأرض التي يصيبها بول الإنسان


المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع.
الرفق بالجاهل لتعليمه.
أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أرأفَ الناس، وأرحم الناس بالناس -صلى الله عليه وسلم-.