:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


الحديث الثاني

هذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وروى الجماعة كلهم نحوَه من حديث أبي هريرة. فرواية حذيفة عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه.
أما حديث أبي هريرة والذي بنفس اللفظ، فهو رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وحديث أبي هريرة المشار إليه بألفاظٍ منها: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لقيَه في بعض طُرق المدينة وهو جُنبٌ-فانخنس". فرواية حذيفة: "فحادَ"، ورواية أبي هريرة: "فانخنس منه"، والمعنى واحد، أي: هرب وذهب بعيدًا، ودخل في مكان ما، حتى لا يكلِّم ولا يَلمس رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو جُنبٌ.
يقول أبو هريرة: "فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت. ثم جئت. فقال لي -عليه الصلاة والسلام-: ((أين كنتَ، يا أبا هريرة؟))، قال: "كنتُ جُنبًا فكرهتُ أن أجالسَك وأنا على غير طهارة". فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((سبحان الله! إن المؤمن لا يَنجَس)).


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


هذا الحديث يُعطينا مدى حبِّ الصحابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومدى تقديرهم له، ومدى احترامهم له.
فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا أبو هريرة الصحابي الجليل، لا يقتربان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهما على غير طهارة؛ بل يذهبان بعيدًا فيغتسلان، ثم يعودان ليجلسا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقبل أن أتناول الحديث بالشرح، وكما سبق في الحديث السابق، فلا بد أن نعرف شيئًا ولو يسيرًا عن سيدنا حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه وأرضاه-.
هو: حذيفة بن اليمان العبسي: من كبار الصحابة. كان أبوه أصاب دمًا، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل؛ فسماه قومه: اليماني لكونه حالف اليمانية. وتزوج والدة حذيفة، فولدت له بالمدينة حذيفة. وأسلم حذيفة وأبوه، وأرادا الاثنان شهود بدرٍ، فهدَّدهما المشركون. وشهد أبوه أُحدًا، فاستشهد اليمان بها؛ روى ذلك البخاري. وشهد حذيفة الخندق، وله بها ذكرٍ حسَن. وشهد ما بعد الخندق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وروى كثيرًا من الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعن كثير من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب وغيره...
واستعمله عمر -رضي الله عنه- على المدائن؛ فلم يزل بها حتى مات بعد قتل سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وبعد بيعة علي -رضي الله عنه- بأربعين يومًا في سنة (٣٦هــ).


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


وكان صاحب سرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال حذيفة: "لقد حدَّثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كان، وما يكون حتى تقوم الساعة"، رواه مسلم.
وفي "الصحيحين": "أن أبا الدرداء قال لعلقمة: "أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره" يعني: حذيفة. وفي "الصحيحين" أيضًا عن عمر: "أنه سأل حذيفة عن الفتنة.
وشهد -رضي الله عنه- فتوح العراق، وله بها آثار كثيرة. عن سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- قال: قال حذيفة: "خيَّرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الهجرة والنصرة، فاخترت النصرة".


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


الحديث يقول: "وهو جُنب" يعني: نفسه، وفي رواية أبي داود: "وأنا جُنب"؛ فإذًا عندنا روايتان، فما الفرق بينهما؟
من الناحية اللُّغوية:
"وهو جُنب": هذا نوعٌ من التجريد كما يسميه العلماء: يجرِّد من نفسه إنسانًا آخَر يتحدث عنه.
أما قوله: "وأنا جُنب" فهو: يتحدث عن نفسه. وهذا نوع من الفصاحة والبلاغة والبيان.
و كلمة "جُنب" فتقع على الواحد، وعلى الاثنين، وعلى الجمع، وعلى المذكر، وعلى المؤنث. قال الله تعالى ))وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا(( (المائدة: ٦). وقال بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إني كنتُ جنبًا" وهي امرأة.
وقد يقال: جُنبان وجُنُبون، وأجناب، ولكن "جُنُب" أفصح.
وقوله: "فحاد" أي: عدل ومال وابتعد عن طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقوله: ((لا يَنْجَس)) فيها لغتان مشهورتان: ضمّ "الجيم" وفتحها.
قوله: ((إن المسلم لا يَنجُس))؛ فهل الكافر يَنجس؟
اختلف العلماء في ذلك؛ لكن عقيدة الكافر: نجسة بلا خلاف؛ ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ))إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ(( (التوبة: ٢٨) المراد: نجس العقيدة.


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


وتمسك بقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إن المسلم لا ينجس)) بعض أهل الظاهر على: أن الكافر نجس العين، وقوَّوْا رأيَهم بقوله تعالى: ))إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا(( ( التوبة: ٢٨). وأجاب الجمهور، وهم القائلون بأن المراد منه: أنّ المسلم طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفّظه عن النجاسة. وأجابوا عن الآية: بأن المراد: أنهم نجسٌ في الاعتقاد والاستقذار. وحجّتهم على صحة هذا التأويل: أن الله تعالى أباح نساء أهل الكتاب؛ فلو كان الكافر نجِسَ العين ما أُبيحت الكتابيَّة للمسلم.
ومن أجوبتهم أيضًا قالوا: مفهوم حديث الباب أن ذلك تنفيرٌ عن الكفار وإهانة لهم. وهذا وإن كان مجازًا فقرينته: ما ثبت في "الصحيحين" من: "أنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ من مزادةِ مشركةٍ -أي: قِربة امرأة مشرِكة-، وربط ثمامة بن أثال وهو مشركٌ بسارية من سواري المسجد. ولو كان نجسَ العين ما ربطه في المسجد، ولا أبقاه في المسجد. كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكل من الشاة التي أهدتْها له يهودية من خيبر، وقال لصحابته: ((إن الشاة تحدثني أنها مسمومة)). كما أنه -صلى الله عليه وسلم- أكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى؛ أخرج ذلك الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-. وأكل -صلى الله عليه وسلم- من خبز الشعير والإهالة لمَّا دعاه إلى ذلك يهودي. وسيأتي في: باب: آنية الكفار، وما سلف من مباشرة الكتابيات، والإجماع على: جواز مباشرة المرأة المسبيَّة قبل إسلامها، فلو كانت نجِسة العين لا نجسة العقيدة لامتنع المسلم من الاقتراب منها؛ لأنه سيصيبه قطعًا منها شيء ولو حتى عرَقها.


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


أيضًا تحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية (المائدة)، وهي آخِر ما نزل من القرآن الكريم، وإطعامه -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسلٍ للآنية، ولا أمر به بعدما طعموا، ولم يُنقل توقِّي رطوبات الكفار عن السلف الصالح، ولو نُقل ذلك لشاع بين الناس. قال ابن عبد السلام: "ليس من التقشف أن يقول: "نشتري من سمن المسلم، لا من سمن الكافر"؛ لأن الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك.


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


هذا الحديث يرشد إلى أشياء كثيرة؛ فهو: أصل في طهارة المسلم حيًّا وميتًا. أما الحيُّ فإجماع. وأما الميتُ، ففيه خلاف:
فذهب أبو حنيفة، ومالك، ومن أهل البيت: الهادي، والقاسم، والمؤيد، وأبو طالب إلى: نجاسة الميت. واستدلوا على النجاسة بنزح زمزم من الحبشي لما مات فيها. وهذا مع كونه من فعل ابن عباس كما خرّج الدارقطني عنه، وقولٌ للصحابي وفعْله لا ينهض للاحتجاج به على الخصم، فيُحتمل أن يكون للاستقذار لا للنجاسة. وهو معارَض بحديث الباب: ((المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا)). وبحديث ابن عباس أيضًا عند البيهقي: ((إن ميتكم يموت طاهرًا، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)).وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ورواية غيره من الغرائب التي يدرى ما الحامل عليها.
وذهب غيرهم -أي: غير أبي حنيفة ومالك- كالإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم... ذهبوا إلى: طهارة الميت المسلم أيضًا.
وفي الحديث من الفوائد أيضًا: مشروعية الطهارة عند ملابسة الأمور العظيمة، واحترام أهل الفضل وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات. إنما حاد حذيفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: ابتعد عنه لمَّا كان جنبًا، وانخنس أبو هريرة أيضًا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يعتاد مماسحة أصحابه إذا لقيَهم، ويدعو لهم؛ هكذا رواه النسائي، وابن حبان من حديث حذيفة. فلما ظنا: أن الجُنب يتنجس بالحدَث، خشيا أن يماسحهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كعادته، فبادرا إلى الاغتسال.

:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


وإنما ذكر الإمام الشوكاني هذا الحديث في جملة أبواب الطهارة في: باب طهارة الماء المتوضأ به لقصْد تكميل الاستدلال على عدم نجاسة الماء المتوضأ به؛ لأنه إذا ثبت أنَّ المسلم لا ينجَس فلا وجْه لجعْل الماء نجسًا بمجرَّد مماسَّته له.
فهذا الحديث الذي معنا، والذي جعله الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- أصلًا من أصول الطهارة: رواه الجماعة: البخاري في "صحيحه"، ومسلم في "صحيحه"، والإمام أبي داود في "سننه"، والإمام الترمذي في "جامعه" المعروف بـ"السنن"، والإمام النسائي في "سننه"، والإمام ابن ماجه في "سننه"؛ هؤلاء هم الأئمة المعروفون بأصحاب "الكتب الستة".


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


"فقه الحديث"
ويجب علينا ما دمنا سنتحدث في علم الحديث، وبخاصة في "فقه الحديث": أن نعرف الكلام المتردَّد على ألسنة العلماء. فيقولون مرّة: "رواه الخمسة"، ومرّة أخرى: "رواه الستة". فما المراد بقول العلماء: رواه الخمسة؟ والمراد بقولهم: رواه الستة؟

المراد من قول العلماء: "رواه الخمسة" أي: رواه الإمام البخاري في "صحيحه"، والإمام مسلم في "صحيحه"، والإمام أبو داود في "سننه"، والإمام الترمذي في "سننه"، والإمام النسائي في "سننه".
والذين يقولون: "رواه الستة" إنما يريدون: رواه الإمام البخاري، والإمام مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ويزيدون عليهم: الإمام ابن ماجه.
وكان إلى نهاية القرن السادس الهجري العلماء لا يقولون إلا: "رواه الخمسة"، ولا يُعرف عندهم: "رواه الستة"، حتى جاء علماء القرن السادس، ووجدوا: أن ما يُشترط في الكتب الخمسة من صحة الأحاديث، وثقات الرواة، وغير ذلك من المصطلحات الحديثية، وجدوها متوفِّرة في "سنن" ابن ماجه؛ فأضافوا هذا الكتاب إلى "الكتب الخمسة"؛ فصارت "الكتب الستة".


:١.٣ حديث حذيفة بن اليمان


من كان في بيته هذه "الكتب الستة"، كان في بيته أصول أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني: كل حديثٍ لا يوجد في هذه "الكتب الستة" نجد له شاهدًا ودليلًا عليه فيها. فمن حاز "الكتب الستة" كأنما حاز في بيته أصول سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وجمع الإمام ابن الأثير في كتاب سماه: "جامع الأصول" هذه "الكتب الستة".
وأعظم هؤلاء الستة وإمامهم هو: الإمام البخاري، واسمه: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري. هذا الرجل وصل إلى مرتبة: أمير المؤمنين في الحديث. ولقب "أمير المؤمنين" في الحديث يطلقه علماء الحديث على: الذي يحفظ على الأقل ثلاثمائة ألف حديثٍ بأسانيدها. وقد صرح البخاري عن نفسه، فقال: "أحفظ مائة ألف حديثٍ صحيحٍ، ومائتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ".
ووصل أيضًا إلى هذه المرتبة: الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-، والإمام سفيان الثوري، والإمام الدارقطني، والإمام شعبة بن الورد العتكي. هؤلاء هم أئمة الحديث -أيها الطلاب الأحباب- أردت أن أعرفكم بهم.