١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


الحديث الأول

ولنبدأ في الأحاديث المتعلقة بموضوعنا بالحديث الأول:


هذا الحديث رواه الخمسة -الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أبو داود في "سننه"، والإمام الترمذي في "سننه"، والإمام النسائي في "سننه"-، وقال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".

دراستنا لهذا الحديث تتركز على الجوانب الفقهية فيه؛ لكننا باعتبار تخصص المادة لا بد أن نعرّج على التعريف بالراوي ولو تعريفًا يسيرًا. فهذه مادة تخصصية في "فقه السُّنة"، والذين يقومون بدراسة السُّنة لا بد أن يعرفوا شيئًا عن الرواة.

١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


فراوي هذا الحديث هو: الصحابي الجليل: سيدنا أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-. وهو يعرف عند المحدِّثين بالراوي الأعلى؛ لأن الصحابي الذي يروي الحديث والذي يكون في آخر السند -أي: سلسلة الإسناد- يطلقون عليه: "الراوي الأعلى". فالراوي الأعلى في هذا الحديث هو: سيدنا أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي. هذا الصحابي الجليل دخل في الإسلام في العام السابع الهجري أثناء فتح خيبر أو بعد فتح خيبر -أي: في سنة فتح خيبر -رضي الله عنه وأرضاه-. ولازم النبي -صلى الله عليه وسلم- ملازمة شديدة. وكان متفرغًا للعلم، ومتفرغًا للعمل في سبيل الله. فكان زعيمًا لجماعة تصِل إلى سبعين صحابياً يمكثون في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم الذين يُعرفون بأهل الصُّفة. يقول: "بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام وشبع بطني". لم يطلب من الدنيا القليل ولا الكثير، وإنما تفرَّغ للعلم؛ ولذلك كثرت مرويَّاته جدًّا حتى وصلت في بعض الكتب إلى (٥٥٧٥) حديث تقريبًا.
وقد أخذ عليه بعض الناس كثرة مروياته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "والله ما أكثرت. إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثَّ لي وعاءيْن من العلم، بثثت لكم أحدَهما، ولو بثثتُ الآخَر لقُطِعَ منِّي هذا الحلقوم"، وأشار -رضي الله عنه- إلى حلقومه. وقد فسرها العلماء بأنه يظل يحدّث بما عنده من علمٍ، ولا ينهي ما عنده من علمٍ -رضي الله عنه وأرضاه-.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


ثم بيَّن -رضي اله عنه- السبب الذي أوصله إلى هذه الدرجة في هذا العلم: علم الحديث، فيقول: "إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يتحدث يومًا، فقال: ((من يبسط رداءه حتى أنهي مقالتي))، فبسطت ردائي. فبعدما أنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- مقالته قال: ((اضمُم إليك رداءك، يا أبا هريرة)) بعدما غرف ثلاث غرفات بيده الكريمة من السماء، ثم وضعها في ردائي، فضممته". قيل: "بِمَ فسَّرْت ذلك يا أبا هريرة؟" قال: "فسَّرته بالعلم. والله ما نسيتُ شيئًا حفظتُه بعد ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وفي رواية أخرى صحيحة أيضًا يقول: "دخلت المسجد يومًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا بغلامين من الأنصار يجلسان في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويدعوان الله -سبحانه وتعالى-بدعوات كثيرة. فقلت: "يا رسول الله، إني أسأل الله تعالى ممَّا سأله صاحباي هذان. وأسأله علمًا لا يُنسى". فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم آمين)). فجاء الغلامان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالا: "يا رسول الله، ونحن نسأل الله تعالى علمًا لا يُنسى"، فقال لهما -عليه الصلاة والسلام-: ((سبقكما بها الغلام الدوسي)). فهذا الدعوة صارت من نصيب سيدنا أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


ومن أسباب كثرة أحاديثه أيضًا التي وصلت إلينا وعمَّت الآفاق: أنه عُمِّر بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يقرب من نصف قرن، يحدّث بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقال كثيرًا، وروى كثيرًا من الأحاديث التي سمعها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن صحابته. صحيحٌ أنه لم يلازم النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلما لازمه أبو بكرٍ أو عمر؛ لأن فترة إقامته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت قليلة، لكن أبا بكر شُغِلَ بالخلافة فما حدّث بكل ما عنده، وكان بقاؤه بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدة يسيرة: ثلاثون شهرًا. وعمر بن الخطاب أيضًا علْمه كثيرٌ وغزيرٌ، ولكنه شُغِلَ بالخلافة، ويوم أن دفن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقف أبو هريرة على قبره، وقال: "اليوم دُفن تسعة أعشار العلم".
فأبو هريرة تفرَّغ لإذاعة ما عنده من علم ونشْره، ولم يكن مشغولًا بالخلافة أو بسياسة المسلمين. ثم إنه طال عمره حتى تُوفي -رضي الله عنه- في سنة (٥٩هـ)، أي ما يقرب من نصف قرن، بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحدّث بأحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


تفرَّغ -رضي الله عنه- للعلم وللجهاد؛ فكان زعيمًا لجماعة تُعرف بأهل الصُّفة تمكث في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وثبت أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد مرة أن يُعطيه أُعطياته فما قبِل، وقال:"ما على هذا بايعتك يا رسول الله؛ إنما بايعتك على الإسلام والعلم".
وبعدما تُوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عرضها عليه سيدنا أبو بكر الصديق فأبى، وقال: "ما كنت لأردَّها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم أقْبَلها منك". وبعد ما تولَّى الخلافة عمرُ بن الخطاب، عرضَها عليه، فقال مثلما قال لأبي بكرٍ الصديق. فجمع عمر الصحابة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال لهم: "اشهدوا يا صحابة رسول الله، فإنِّي أعرض على أبي هريرة أُعطياته فلم يَقبلْها، حتى لا يأتي يوم القيامة يطالبني بها".


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


شرح ألفاظ الحديث

هذا الحديث أخرجه غير الخمسة الذين ذكرناهم -وهم أئمة الحديث-. أخرجه أيضًا: الإمام ابن خزيمة والإمام ابن حبان في "صحيحهما"، وابن الجارود في "المنتقى"، والحاكم في "المستدرك"، والدارقطني والبيهقي في "سننهما"، وابن أبي شيبة. وحكى الترمذي عن البخاري تصحيحه، وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحًا عنده لأخرجه في "صحيحه"؛ ولكن رُدَّ على ابن عبد البر في هذا: بأن البخاري لم يلتزم إخراج كلِّ الصحيح في كتابه؛ بل قال في مقدمة كتابه: "أخرجتُ في كتابي هذا أصحَّ الصحيح، وما تركت من الصحاح أكثر، مخافةَ الطُّول".

مَن السائل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا السؤال؟

وهو: "إننا نكون في البحر ومعنا الماء، إذا توضأنا عطشنا". السائل: اسمه: عبد الله، وقيل: بل هو: عبد، أبو زمعة البلوي.

قال ابن منيع: "بلغني: أن اسمه: عبد، وقيل: اسمه: عُبيد بالتصغير". وقال السمعاني في "الأنساب": اسمه: العركي، وغلط في ذلك؛ وإنما العركي وصْف له، وهو: ملاح السفينة.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


و"الطهور" عند الشافعية هو: المطهِّر، وبه قال أحمد. وحكى بعض أصحاب أبي حنيفة عن مالك، وبعض أصحاب أبي حنيفة: أن "الطهور" هو: الطاهر. واحتج الأولون: بأن هذه اللفظة جاءت في لسان الشرع للمطهِّر كقوله تعالى: ((مَاءً طَهُورًا)) (الفرقان: ٤٨).
وأيضًا السائل إنما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التطهّر بماء البحر، لا عن طهارته. ويدل على ذلك أيضًا: قوله -صلى الله عليه وسلم- في بئر بضاعة: ((إن الماء طهور))، لأنهم إنما سألوه عن الوضوء به. قال: فإن قيل: لِمَ لمْ يُجبهم بـ"نعم"؟ لأنه لو أجابهم بـ"نعم" لكان الحكم للوضوء فقط، وإنما قال لهم: ((هو الطهور ماؤه)) ليبيِّن أنه يصلح للوضوء، ويصلح للغسل والاغتسال، ويصلح لتنظيف الأواني، ويصلح للطعام وللشراب؛ من أجل ذلك لم يقل لهم: "نعم" فيكون الجواب عن حكم الوضوء فقط، وإنما أجاب إجابة كافية شافية -عليه الصلاة والسلام-.
يقول الإمام الشوكاني: "لِمَ لَمْ يُجبهم بـ"نعم" حين قالوا: "أفنتوضأ به؟"؛ لأنه يصير مقيَّدًا بحال الضرورة، وليس كذلك. وأيضًا فإنه يُفهم من الاقتصار على الجواب بـ"نعم": أنه إنما يُتوضَّأ به فقط، ولا يُتطهَّر به لبقية الأحداث والأنجاس".


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


لماذا سألوا هذا السؤال عن ماء البحر؟

قيل: سألوا هذا السؤال لأنهم شكُّوا في جواز الوضوء بماء البحر. ويحتمل هذا الشك: أنه جاءهم من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا تركب البحر إلا حاجًّا، أو معتمرًا، أو غازيًا في سبيل الله؛ فإنَّ تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا))، أخرج هذا الحديث: أبو داود، وسعيد بن منصور.
وقد رُوي موقوفًا على ابن عمر: "ماء البحر لا يُجزئ من وضوء ولا جنابة؛ إن تحت البحر نارًا، ثم ماءً، ثم نارًا"، حتى عَدَّ سبعة أبحرٍ وسبعة أنيار. ورُوي أيضًا عن ابن عمرو بن العاص: أنه لا يُجزئ التطهُّر به.
ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع. فحديث ابن عمر وحديث ابن عمرو بن العاص لا يعارضان هذا الحديث، ولا يُعمل بهما؛ لأنه لا حُجَّة في قول الصحابي، خاصة إذا عارض حديثًا مرفوعًا، أو إجماعًا لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


فقه الحديث

هذا الحديث الذي معنا فيه الكثير من الأمور الفقهية التي استنبطها العلماء. ففي الحديث: جواز الطهارة بماء البحر؛ وبه قال جميع العلماء، إلا ابن عبد البر، وابن عمر، وسعيد بن المسيب. وكما قدمت، لا يُعتدُّ بقولهم في هذا الأمر؛ لأنه يعارض حديثًا مرفوعًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهو يعارض الإجماع، وروي مثل ذلك عن أبي هريرة، وروايته تردُّه.
تعريف الطهور بـ"اللام الجنسية" المقيّدة للحصر: لا ينفي طهورية غيره من المياه، لوقوع ذلك جوابًا للسؤال، فأجاب فقط عن السؤال.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


فوائد هذا الحديث

ومن فوائد هذا الحديث:

مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل، لقصد الفائدة وعدم لزوم الاقتصار. فهم سألوا عن الوضوء فقط، فأجابهم -صلى الله عليه وسلم- عن الوضوء، وعن الغسل، وعن استعمال ماء البحر في كلِّ شيء. ثم أجابهم -صلى الله عليه وسلم- وأفادهم إفادة أخرى لم تتطرق إلى ذهنهم، وهي: أنَّ ما في البحر من حيوانات هل يؤكل أو لا يؤكل؟ وقد كانوا سيسألون هذا السؤال ربما فقصر عليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- الطريق، فقال لهم: ((هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته)). وهذا ما يُعرف عند البلغاء بأسلوب الحكيم، وهو: أن تجيب السائل عن سؤاله، وتُعطيه فائدة أخرى.
وقد عقد البخاري لذلك بابًا، فقال: "باب: من أجاب السائل بأكثر ممّا سأله"، وذكر حديث ابن عمر: "أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما يلبس المحرم؟"، فقال: ((لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبًا مَسَّه الورس أو الزعفران. فإن لم يجد النعليْن فلْيلبس الخُفَّيْن ولْيقْطعهما حتى يكونا تحت الكعبين)). فكأنه سأله عن حالة الاختيار فأجابه عنها، وزاد حالة الاضطرار، وليست أجنبية عن السؤال لأن حالة السفر تقتضي ذلك.


١.٢ حديث أبي هريرة في: السؤال عن ماء البحر


قال الخطابي: "وفي حديث الباب: دليلٌ على: أن المفتي إذا سُئل عن شيءٍ، وعلِم أن للسائل حاجة إلى ذكْر ما يتَّصِل بمسألته، استُحب تعليمه إياه، ولم يكن ذلك تكلُّفًا لما لا يعنيه؛ لأنه ذكَر الطعاموهم سألوه عن الماء، لِعِلْمه أنه قد يُعوزهم ذلك بعد ذلك. وأما ما وقع في كلام كثير من الأصوليين: أن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالطاقة: عدم الزيادة؛ بل المراد: أن الجواب يكون مفيدًا للحكم المسئول عنه". وللحديث فوائد كثيرة.
قال ابن الملقن: "إنه حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ من أصول الطهارة، مشتمل على أحكام كثيرة، وقواعد مُهمَّة كلها في فقه الحديث، استنبطها العلماء. وكلنا يعلم: أن فقه الحديث مهم؛ فلقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من يُردِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين؛ وإنما أنا قاسمٌ، والله -عز وجل- يُعطي)).