١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "قيل: "يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئرٌ يُلقى فيها الحيَض، ولحوم الكلاب، والنتن؟"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الماء طهور لا يُنجِّسه شيء)).
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ". وقال أحمد بن حنبل: "حديث بئر بضاعة صحيح".
وفي رواية لأحمد، وأبي داود: "إنه يستقَى لك من بئر بضاعة، وهي بئرٌ تُطرح فيها محايِض النساء، ولحم الكلاب، وعذِر الناس"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إن الماء طهورٌ لا يُنجِّسه شيء)). قال أبو داود: "سمعت قتيبة بن سعيد قال: "سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها قلت: "أكثر ما يكون فيها الماء؟"، قال: "إلى العانة"، قلت: "فإذا نقص؟"، قال: "دون العورة". قال أبو داود: "قدَّرت بئر بضاعة بردائي فمددتُه عليها ثم ذرَعْته، فإذا عَرضُها ستّة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان، فأدخلني إليه: "هل غُيِّر بناؤها عمّا كان عليه؟" فقال: "لا"، ورأيت فيها ماءً متغيِّر اللون".


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


هذا الحديث أخرجه أيضًا: الإمام الشافعي في كتابه "الأم"، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وصحَّحه غير من سبق: الإمام يحيى بن معين، وابن حزم، والحاكم، وجوَّده أبو أسامة.
هذا الحديث حكَم بأن الماء طهور لا ينجِّسه شيء.
أغلب علماء الحديث صحّحوا هذا الحديث، لكن ورد في بعض الطرق: أن فيه زيادة، وهي: جملة: ((إلا إن تغيّر ريحه، أو لونه، أو طعمه بنجاسة تحدث فيه)). فعن أبي أُمامة عند ابن ماجه والطبراني رواه بهذا الاستثناء: ((إن الماء طهور، إلا إن تغيّر ريحه، أو لونه، أو طعمه بنجاسة تحْدُث فيه))، من طريق عطية بن بقية، عن أبيه، عن ثور، عن رشدين بن سعد، عن أبي أُمامة. وفيه تعقب على مَن زعَم أن رشدين بن سعد تفرَّد بوصله. ورواه الطحاوي أيضًا بهذه الزيادة، والدارقطني. وصحّح أبو حاتم إرساله. وقال الشافعي: "لا يُثبت أهل الحديث مثله". وقال الدارقطني: "لا يثبت هذا الحديث الذي هو بالاستثناء، الذي فيه: ((إلا إن تغيَّر ريحُه، أو لونه، أو طعمه بنجاسة تحدُث فيه)).


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


وقال النووي: "اتفق المحدِّثون على تضعيفه". قال في "البدر المنير": "فتلُخص: أن الاستثناء المذكور ضعيف؛ فتعين الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي، والبيهقي وغيرهما"، يعني: الإجماع على: أن المغيَّر بالنجاسة ريحًا، أو لونًا، أو طعمًا: نجس. يعني: هذا الحكم على المغيّر لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة: نجس ليس من نص الحديث؛ فنص الحديث الذي فيه هذا الاستثناء ضعيف، ولكن أُخذ ذلك بالإجماع، والإجماع: مصدرٌ من مصادر الشريعة الإسلامية. وكذا نقل الإجماع ابن المنذر، فقال: "أجمع العلماء على: أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيَّرت له طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا، فهو: نجس. وكذا نقل الإجماع المهدي في "البحر".


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


هذا الحديث فيه بعض الكلمات التي تحتاج إلى شرحها:
" بئر بضاعة" هي: بئر كانت في المدينة. هذه البئر يُلقى فيها الحِيَض، المراد بالحيَض: الخرق التي تنظف به المرأة نفسها من الحيض، أو التي تستثفر بها حتى لا ينزل الحيض على ثيابها.
و"النتن" هو: الشيء الكريه الرائحة.
و"محايض النساء" هي: نفس الحِيض.
و"عذِر الناس" أي: العَذِرة أي: الغائط.
يقول أبو داود: "سمعت قتيبة بن سعيد قال: "سألت قيِّم بئر بضاعة".
"قيِّم": أي القائم عليها: العامل الذي يرعاها.
سأله عن عمقها ليرى هل الماء الذي في بئر بضاعة الذي لا ينجِّسه شيء، هل هو قليلٌ أو كثيرٌ؟ فقال له: "إذا كان الماء كثيرًا فيها وصل إلى العانة".


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


و"العانة": قال الأزهري وجماعة من أهل اللغة: هي موضع منبت الشعر فوق قُبِل الرجل والمرأة.
"إذا نقص يكون دون العورة": المراد عورة الرجل؛ لأن المرأة كلها عورة. فالمراد بـ"دون العورة": عورة الرجل، والمراد: دون الركبة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((عورة الرجل ما بين سُرَّته وركبته)). يعني: الماء إذا نقص في بئر بضاعة يكون إلى غاية الركبة.
ثم قاسها أبو داود بنفسه بأن وضع رداءه عليها.
"ثم ذرَعْتُه" أي: ثم قاسه بذراعه. فإذا عَرض هذه البئر ستة أذرع. وبذلك يتبيَّن: أن الماء كان كثيرًا، وهذا الذي جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكم بطهارته؛ إذ سيأتي حديثٌ بعد ذلك يُبيِّن: أن الماء إذا بلغ قُلَّتيْن من قِلال هجَر، فإنه لا يَحمل نجاسة. وهذا الحكم المطلق مقيَّد بعدم تغيُّر اللون، أو الطعم، أو الرائحة. فلو تغيَّر اللون، أو الطعم، أو الرائحة، فإن ذلك يجعل الماء لا يصلح للطهارة. فشرط التطهير بالماء: أن لا يتغير لونه، ولا طعمه، ولا ريحُه.
"أنتوضأ من بئر بضاعة؟" بـ"النون" في رواية من روايات الحديث: "أتتوضأ" يعني: الصحابة يستفهمون من الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "أتتوضأ أنت من بئر بضاعة، وهي كذا وكذا؟"، استغرابًا منهم؛ لأنه يُلقى فيه -كما جاء في الحديث- خِرق الحِيض، وغير ذلك من الأشياء التي تغيِّرها تغييرًا مكروهًا. أو "أنتوضأ؟": استفهام لبيان الحكم. "نتوضأ نحن -يا رسول الله-. يجوز لنا أن نتوضأ من هذه البئر، بعدما يُلقى فيها ما يُلقى من هذه الأشياء الكريهة؟".


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


قوله: "النَّتْن" بـ"نون" مفتوحة، و"تاء" مثناة من فوق ساكنة، ثم "نون" هو: الشيء الذي له رائحة كريهة من قولهم: "نتِن الشيءُ" بكسر "التاء"، يَنتَن بفتحها، فهو: نَتن.
قوله: "بئر بضاعة": أهل اللغة يضمّون "الباء" ويكسرونها يعني: يجوز أن نقول: بئر بُضاعة، وبئر بِضاعة؛ لكن المحفوظ هو: الضم: بئر بُضاعة هو: الأشهر.
والحِيض بكسر "الحاء": جمع "حِيضة" بكسر "الحاء" أيضًا، والمراد بها: خِرقة الحيض التي تمسح المرأة بها حيضها.
قوله: "ماء متغيّر اللون"، قال النووي: "يعني بطول المكث". يعني: الماء إذا طال مُكثه يتغير لونه.


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


والحديث يدل على: أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، ولو تغيرت أوصافه أو بعضها. لكنه قام الإجماع على: أن الماء إذا تغير أحدُ أوصافه بالنجاسة، خرج عن الطهورية. فكان الاحتجاج به لا بالزيادة كما سلف، وهي: ((إلا إن تغيّر ريحُه...))، لكن الحجة من الإجماع. فلا ينجس الماء بملاقاة ولو كان قليلًا، إلا إذا تغير وكان التغير بنجاسة. وقد ذهب إلى ذلك: ابن عباس، وأبو هريرة، والحسن البصري، وابن المسيب، وعكرمة وغيرهم...
والحديث دليلٌ على: أن الشيء القليل إذا تغيَّر بطاهر لا يضرّ، أما إذا تغير بنجس فإنه يضرّ. والماء الكثير إذا تغيّر بنجس أيضًا يُضرّ، قال تعالى: ))وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(( (المدثر: ٥). وقال -صلى الله عليه وسلم: ((لا يَبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم)) أي: الراكد. فالحديث والآية يدعوان المسلم إلى: التنظف والتطهر، والبعد عن الماء الذي يتغير لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجس.


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


أما إذا كان الماء كثيرًا، فلا يضره ما يقع فيه كما رأيت في حديث بئر بضاعة. يؤيِّد ذلك: حديث القُلّتين. فحد الكثرة: أن يبلغ الماء مقدار ما يملأ قلّتين من قلال هجَر. وقلال هجر قلالٌ كبيرة، القلة تحمل في داخلها من الماء قال بعضهم: أربعون رطلًا، وقال بعضهم: سبعون رطلًا، وقال آخرون: غير ذلك. فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يُسأل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: ((إذا كان الماء قُلَّتيْن لم يحمل الخبث))، رواه الخمسة، وفي لفظ ابن ماجه، ورواية لأحمد: ((لم ينجِّسه شيء)). الحديث أخرجه أيضًا: الشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي. وقال الحاكم: "صحيحٌ على شرطهما، وقد احتجا بجميع رواته". واللفظ الآخر من حديث الباب أخرجه أيضًا الحاكم، وأخرجه أبو داود بلفظ: ((لا ينجس)). وكذا أخرجه ابن حبان، وقال ابن منده: "إسناد حديث القلتين على شرط مسلم".
هذا الحديث حديث القلتين -كما رأيت- صححه كثير من العلماء، وقال الحاكم: "إن رواته احتج بهما الشيخان". ومداره على الوليد بن كثير. فقيل عنه: عن محمد بن جعفر بن الزبير. وقيل عنه: عن محمد بن عباد بن جعفر. وقيل عنه: عن عبيد الله بن عمر. وقيل عنه: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر. قال بعض العلماء: هذا اضطراب في الإسناد. وكما اضطربوا في الإسناد -كما ادّعِي أيضًا في الإسناد- ادُّعِيَ أيضًا الاضطراب في متن حديث القلتين هذا. فقد روي بلفظ: ((إذا كان الماء قَدْر قُلَّتين أو ثلاث لم ينجس))، كما في رواية لأحمد، والدارقطني. وروي بلفظ: ((إذا بلغ الماء قلة، فإنه لا يحمل الخبث)) كما في رواية الدارقطني، وابن عدي، والعقيلي. ثم جاءت رواية أخرى بلفظ: ((أربعين قلة)) عند الدارقطني. وهذا اضطراب في المتن.


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


إذًا، رغم أن أكثر العلماء قال بصحة هذا الحديث، إلا أنه اعتُرض عليه بأنه مضطرب السند، ومضطرب المتن. وأجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد: بأنه على تقدير أن يكون محفوظًا من جميع تلك الطرق، لا يُعدُّ اضطرابًا لأنه انتقالٌ من ثقة إلى ثقة.
قال الحافظ: "وعند التحقيق: أنه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهِم. وله طريقٌ ثالثة عند الحاكم جوَّد إسنادها ابن معين. أما دعوى اضطراب المتن، فقد رُدَّ عليها أيضًا: بأن رواية: ((أو ثلاث)): شاذة، ورواية: ((أربعين)): مضطربة، وقيل: إن رواية: ((أو ثلاث)) و((أربعين)) روايتان موضوعتان، ورواية: ((أربعين)) ضعفها الدارقطني بالقاسم بن عبد الله العمري.
قال ابن عبد البر في "التمهيد": "ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين: مذهبٌ ضعيفٌ من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر؛ لأنه حديثٌ تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقَف على حقيقة مبلغيْهما في أثرٍ ثابتٍ ولا إجماع". وقال في طالاستذكار": "حديثٌ معلول، ردَّه إسماعيل القاضي وتكلم فيه".
وقال الطحاوي: "إنما لم نقل به لأن مقدار القُلَّتين لم يثبت". وقال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم. وهو صحيحٌ على طريقة الفقهاء".، ثم أجاب عن كل هذه التساؤلات، خاصة عن اضطراب السند، أو اضطراب المتن: "فبذلك يثبت الحديث، وهو حجةٌ في هذا الحكم".


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


والماء الكثير -كما قلت- حدَّده العلماء أو حدد العلماء هذه الكثرة: بأن يبلغ ما يملأ قُلتين على الأقل من قلال هجر. بعض العلماء قالوا: إن كلمة "هجر" أو التقييد بـ"هجر" لم ترد في الحديث، وإنما العلماء حملوها على قِلال، هجر لشهرتها وكثرتها. فالتقييد بقلال هجر لم يثبت في حديثٍ مرفوع، إلا من رواية فيها ضعف، وهي: رواية المغيرة بن ثقلاب عند ابن عدي، وهو: ضعيف الحديث أو منكر الحديث. قال النفيلي: "لم يكن مؤتمنًا على الحديث". وقال ابن عدي: "لا يتابع على عامة حديث". ولكن أصحاب الشافعي قوَّوا كون المراد بالقلال قلال هجر، بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم؛ لأن العرب إذا تكلموا عن القلال تكلموا عن قلال هجر؛ فهي المشهورة الموجودة؛ قال ذلك أبو عبيد في كتاب "الطهور".
وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح، قال البيهقي: "قلال هجر كانت مشهورة عندهم؛ ولهذا شبَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر". إذًا كانت مشهورة، وهي التي يضرب بها المثل ويُشبَّه بها.
قال الخطابي: "قلال هجر: قلالٌ مشهورة معلومة المقدار. و"القُلَّة": لفظٌ مشتركٌ تُصرف إلى ما هو معلولٌ، وهي: الأواني تبقى متردِّدة بين الكبار والصغار؛ إلا أنها ما دامت معلومة، فإنها قلال هجر -أي: الكبيرة-. والدليل على أنها من الكبار: جعْل الشارع الحدَّ مُقدرًا بعدد؛ فدل على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة.


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


الحديث فيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الماء يكون بالفلاة، والمراد بـ"الفلاة أي الصحراء، مكان بعيد عن العمران، ماء في بِرك أو في مستنقعات، فتنوبه السباع، أي: تتوارد عليه وتشرب منه، فهل يكون الباقي طاهرًا؟ هذا ما حكم به -عليه الصلاة والسلام-؛ إذ قال في رواية أخرى: ((لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما غبرت))، يعني: ما تركت، فقوله: "ينوبه من السباع" وهو بـ"النون" أي: يرِدُ عليه نوبة بعد نوبة. وحكى الدارقطني: أن ابن المبارك صحَّفه فقال: "يثوبه" بـ"الثاء" المثلثة؛ ولكن اللفظ الصحيح والذي يتفق مع المعنى: "ينوبه" أي: ترد عليه السباع نوبة بعد نوبة.
وقوله -عليه الصلاة والسلام- ((لم يحمل الخبث)): المراد بـ((الخبث)): النجس. لم يحمل نجاسة، كما وقع تفسير ذلك بالنجس في الروايات المتقدمة. والتقدير: لم يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه. ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها، لم يكن للتقييد بالقلتين معنًى، فإن ما دونهما أوْلى بذلك. وقيل معناه: لا يقبل حكم النجاسة.
وللخبث معانٍ أخرى ذكرها ابن الأثير في كتابه "النهاية"، والمراد ها هنا: ما ذكرنا من أن المراد بـ"الخبث": النجاسة.
والحديث يدل على: أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى؛ ولكنه مخصصٌ أو مقيّدٌ بحديث: ((إلا ما غيَّر ريحَه، أو لونَه، أو طعْمَه)). وهو وإن كان ضعيفًا إلا أنه مخصّصٌ بالإجماع.


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يبولنّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه))، ثم رواه الجماعة. وهذا لفظ البخاري، ولفظ الترمذي: ((ثم يتوضأ منه)). ولفظ الباقين: ((ثم يغتسل منه)) أي: لا يجوز للرجل أو المرأة أن يبول أو يتبوَّل في الماء الذي لا يتحرك -هذا معنى ((الدائم)): الماء الساكن، وهو قليل ماء لا يجري-، ثم يغتسل فيه بعد ما يبول فيه.
قوله: ((الذي لا يجري)) هو تفسيرٌ للدائم، احترز به عن راكدٍ يجري بعضه كالبِرك. وقيل: احتُرز به عن الماء الراكد؛ لأنه جارٍ من حيث الصورة، لكنه ساكن من حيث المعنى؛ ولهذا لم يذكر البخاري هذا القْيد، حيث جاء بلفظ ((الراكد)) بدل ((الدائم))، وكذلك مسلم في حديث جابر.
وقال ابن الأنباري: ((الدائم)) من حروف الأضداد. يقال للساكن والدائر؛ وعلى هذا يكون قوله: ((لا يجري)): صفة مخصِّصة لأحد معنى المشترك. وقيل: ((الدائم)) و((الراكد)) مقابلان للجاري، لكن ((الدائم)) الذي له نبعٌ، و((الراكد)) الذي لا نبع له.
ثم يقول الحديث: ((ثم يغتسل فيه)) يعني: لا يبول، ثم يغتسل. هل المنهي عنه: البول والغسل، أم أنه يُمنع من البول فيه؟ الممنوع: الاثنان: البول في الماء الراكد ممنوع، والاغتسال فيه بعد البول ممنوع. هذا الذي ورد في هذا، وهذا هو معنى ذلك الحديث.


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


والحاصل: أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ذكرٍ للبول، كحديث أبي هريرة المتقدم في باب: بيان زوال تطهير الماء. وورد النهي عن مجرد البول من دون ذكْرٍ للغسل كما في "صحيح" مسلم: أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن البول في الماء الراكد. والنهي عن كلٍ واحدٍ منهما على انفراده يستلزم النهي عن فعلهما جميعًا بالأوْلى أي: لا يبول ويغتسل، ولا يبول في الماء الراكد، ولا يغتسل في الماء الراكد ولو من دون بول.
وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في هذا الحديث الذي معنا، قال النووي: "وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة. فإن كان الماء كثيرًا جاريًا، لم يَحرم البول فيه، ولكن الأوْلى اجتنابه". الأفضل: أن نجتنب البول في الماء، سواء كان جاريًا أو راكدا، قليلًا أو كثيرًا، وإن كان قليلًا جاريًا، كله يمتنع من باب الأوْلى أن لا يبال فيه. فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي: يُكره، والمختار: أنه يَحرم لأنه قذر، وينجس الماء، ولأن النهي يقتضي التحريم عند أكثر المحققين والأكثرين من أهل الأصول. وهكذا إذا كان كثيرًا راكدًا أو قليلًا؛ لذلك قال: "وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم -يعني: من الشافعية-: يُكره الاغتسال في الماء الراكد، قليلًا كان أو كثيرًا. وكذا يُكره الاغتسال في العين الجارية. وهذا كله محمول على كراهة التنزيه لا التحريم"


١.٥ حكم الماء إذا وقع فيه شيء يغيِّره


واعلم: أنه لا بد من إخراج هذا الحديث عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد؛ لأن الاتفاق واقع على: أن الماء المستبحِر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة. وحملته الشافعية على: ما دون القلتين؛ لأنهم يقولون: إن قدر القلتين فما فوقهما لا ينجس إلا بالتغير. وقيل: حديث القلتين عام في الأنجاس؛ فيخصّ ببول الآدمي. وردَّ بأن المعنى المقتضي للنهي هو: عدم التقرب إلى الله تعالى بالشيء المتنجِّس، وهذا المعنى يستوي فيه سائر النجاسات، ولا يتّجه تخصيص البول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى.