![]() |
هذا الحديث رواه الخمسة، إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: "وضوء المرأة" بدلًا من: "طهور المرأة". |
![]() |
وقال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ". وقال ابن ماجه وقد روى بعده حديثًا آخَر: "الصحيح الأول" يعني: حديث الحَكم. |
![]() |
الحديث صححه أيضًا ابن حبان. وقال البيهقي في "سننه الكبرى": "قال البخاري: "حديث الحكم ليس بصحيح". |
![]() |
أقول: وكون البخاري ينفي صحة الحديث لا يمنع أن يكون حسنًا، كما قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ"، والحديث الحسن حُجة في الأحكام الفقهية. |
![]() |
وقال النووي: "اتفق الحُفاظ على تضعيفه". |
![]() |
قال ابن حجر في "الفتح": "وقد أغرب النووي بذلك"، يعني: لم يرض ابن حجر تضعيف هذا الحديث كما قال النووي. وله شاهد عند أبي داود والنسائي من حديث رجلٍ صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة؛ ولْيغترفَا جميعًا". |
![]() |
قال الحافظ في "الفتح": "رجاله ثقاتٌ، ولم أقف لمَن أعلّه على حجّة قوية. ودعوى البيهقي: أنه في معنى المرسَل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه. ودعوى ابن حزم: أن داود الذي رواه عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، وابن يزيد الأودي وهو: ضعيفٌ: مردودةٌ أيضًا. فإنه: ابن عبد الله الأودي، وهو: ثقةٌ. وقد صرح باسم أبيه: أبو داود وغيره...". وصرح الحافظ أيضًا في "بلوغ المرام" بأن إسناده صحيح. |
![]() |
فهذا الحديث حجَّة ويُعمل به. |
![]() |
والحديث يدل على: أنه لا يجوز للرجل: أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة. وقد ذهب إلى ذلك: عبد الله بن سرجس الصحابي. ونسبه ابن حزم إلى: الحكم بن عمرو راوي الحديث، وجويرية أم المؤمنين، وأم سلمة أم المؤمنين، وعمر بن الخطاب. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري. وهو أيضًا قولٌ للإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق؛ لكن قيَّدوا هذا الحُكم الذي لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة: إذا خلت به المرأة. يعني: إذا خلَت بالماء، بعد ما توضأت خلَت بالماء. أما إذا لم تَخْلُ به، فيتوضأ منه الرجل كما توضأت منه المرأة سابقًا. |
![]() |
وروي عن ابن عمر، والشعبي، والأوزاعي: المنع أيضًا من الوضوء بفضل وضوء المرأة؛ ولكن قيَّدوه بشرط: أن تكون المرأة حائضًا. فإذا كانت المرأة حائضًا، لا يتوضأ بفضل وضوئها. |
![]() |
أقول: وهل للمرأة الحائض: أن تتوضأ؟ فالمراد من ذلك: أن المرأة إذا كانت حائضًا، ثم أتت بالماء لتتطهر به من حيضتها بعدما انتهى حيضُها، وبقي من ذلك الماء ماء، لا يجوز للرجل أن يتوضأ منه. |
![]() |
ونقل الميموني عن أحمد: أن الأحاديث الواردة في منع التطهُّر بفضل وضوء المرأة وفي جوازه: مضطربة. لكن قال: "صح عن عدَّة من الصحابة: المنع فيما إذا خلت به". يعني: خلت بالماء. |
![]() |
وعُورِضَ هذا: بأن الجواز أيضًا نُقِلَ عن عِدَّة من الصحابة منهم: ابن عباس. واستدلوا بأدلة، منها: |
![]() |
"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة"، رواه أحمد ومسلم، كما سنذكر الأحاديث بعد ذلك. | |
![]() |
ومنه أيضًا عن ابن عباس: "اغتسل بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في جفنة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: "يا رسول الله، إني كنت جُنبًا"، فقال: ((إن الماء لا يَجْنَُِب))، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". وقد جمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا؛ لأنه كما رأينا: الحديث الأول يمنع من الوضوء بفضل وضوء المرأة. وجاءت الأحاديث بعد ذلك: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ بفضل ميمونة"؛ فأصبح تعارض في الظاهر. فجمع علماء الحديث بين هذه الأحاديث المتعارضة بحمْل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعمَلًا. يعني: الماء الذي يتساقط بعد غَسل الأعضاء هو: المراد به أنه فضْل وضوء المرأة فلا يتوضأ به؛ لأنه استُعمل قبل ذلك. وأطلقوا الجواز على ما بقي من الماء ولم يصل إلى الأعضاء؛ وبذلك جمع الخطابي. | |
![]() |
ولكن الحافظ ابن حجر جمع بين هذه الأحاديث المتعارضة بجمعٍ أفضل من هذا، فقال في "الفتح": "يُحمل النهي على: التنزيه، بقرينة أحاديث الجواز". |
![]() |
وإليكم الأحاديث التي عارضت الحديث الأول الذي فيه: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة". | |
![]() |
عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل بفضل ميمونة"، وهي ميمونة بنت الحارث: خالة ابن عباس -رضي الله عنهما-. هذا الحديث رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والإمام مسلم في "صحيحه". | |
![]() |
وعن ابن عباس أيضًا، عن ميمونة: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ بفضل غُسلها من الجنابة"، رواه أحمد وابن ماجه. | |
![]() |
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا قال: "اغتسل بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في جفنة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتوضأ منها أو ليغتسل، فقالت له: "يا رسول الله، إني كنت جُنبًا"، فقال: ((إن الماء لا يَجنَب)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". | |
![]() |
الحديث الأول عن ابن عباس يُثبت: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اغتسل بفضل ميمونة بنت الحارث أمِّ المؤمنين زوجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك الحديث الثاني. إلا أن الحديث الأول عن ابن عباس هو من كلام ابن عباس يرفعه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
أما الرواية الثانية فعن ابن عباس عن ميمونة، فالتي روت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرواية الثانية هي ميمونة زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبينت الروايتان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يغتسل من فضل ميمونة بعد غسلها من الجنابة -الماء الذي يفيض على غسلها كان يغتسل منه -صلى الله عليه وسلم. | |
![]() |
أما الرواية الثالثة وهي: عن ابن عباس أيضًا، فإنها أفادت: أن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ولعلها ميمونة؛ لأن ابن عباس يروي هذا عن خالته -كما قلت- لأن ميمونة بنت الحارث أخت أم الفضل بنت الحارث والدة سيدنا عبد الله بن العباس -رضي الله عنهم جميعًا-. | |
![]() |
أفادت الرواية الثالثة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد الوضوء أو أراد الاغتسال من إناء به ماء، فقالت صاحبة الماء أو صاحبة الجفنة التي كان فيها الماء: "يا رسول الله، إني كنت جُنبًا"، يعني: أخذت من هذا الماء فاغتسلت، فقال لها -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الماء لا يَجنُب)). |
![]() |
قوله: ((لا يَجنِب)) يصح: لا يجنُب، ولا يَجنَب، "قال في "القاموس": وقد أجنَب، وجَنَب، وجنُب، واستجنب، وهو: جُنب، يستوي للواحد وللجمع". وظاهر الحديثين معارضٌ لحديث الحكم السابق، ولا يقال: إن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعارض قوله الخاص بالأمّة؛ لأنا نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يَجنب مُشعرٍ بعدم اختصاص ذلك به -صلى الله عليه وسلم-، وإنما هو حكمٌ عامّ للأمّة كلِّها مِن بعْدِه إلى يوم القيامة. وأيضًا النهي غير مختص بالأمّة لأن صيغة الرجل تشمله -صلى الله عليه وسلم- بطريق الظهور، وقد تكرر دخول المخاطب في خطاب نفسه. نعم لو لم يُرد ذلك التعليل، كان فعله -صلى الله عليه وسلم- مخصصًا له من عموم الحديثين السابقين. | |
![]() |
وقد نقل النووي: الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، يعني: المرأة تغتسل بفضل الرجل إذا فضل منه ماء، أما المرأة فلا يغتسل الرجل بفضل مائها. والحافظ ابن حجر تعقَّبه: بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف، وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فضل طهور المرأة، والأخبار بذلك أصح. | |
![]() |
وكرهه أحمد وإسحاق -كما سبق-، ولكن إذا خلت به المرأة، أما إذا لم تخل بالماء فلا يُكره ولا يَحرم التطهر بفضل وضوئها، أو بفضل غسلها. فأما غسل الرجل والمرأة ووضوؤهما جميعًا فلا اختلاف فيه، وهو: أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد يغترفا منه معًا. | |
![]() |
قالت أم سلمة -رضي الله عنها-: "كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناءٍ واحدٍ من الجنابة". متفق عليه. هذا شيء لا خلاف فيه. أما الخلاف فيما بقي من طهور المرأة -يعني: من الماء الذي تطهرت به-. |
![]() |
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناءٍ واحدٍ، تختلف أيدينا فيه من الجنابة"، متفق عليه أيضًا. وفي لفظ للبخاري: "من إناءٍ واحدٍ نغترف منه جميعًا". ولمسلمٍ: "من إناءٍ بيني وبينه واحد؛ فيبادرني حتى أقول" "دع لي! دع لي!"، أي: اترك لي بعض الماء، يا رسول الله. وفي لفظ النسائي: "من إناء واحد، يبادرني وأبادره، حتى يقول: ((دعي لي!))، وأنا أقول: ((دع لي!)).. | |
![]() |
فهذه الأحاديث تدل على: أنه لا خلاف عند العلماء في: أن الرجل والمرأة إذا اغتسلا من إناءٍ واحدٍ جميعًا، فهذا لا شيء فيه، ولا اختلاف فيه. ومن هنا، دل هذا الحديث على: جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا؛ قال بذلك أغلب العلماء ومنهم: الطحاوي، والقرطبي، والنووي. | |
![]() |
ومن جملة ما يدل على: جواز الاغتسال والوضوء للرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا أي: في وقتٍ واحدٍ: | |
![]() |
ما أخرج أبو داود من حديث أم صُبَيَّة الجهنية قالت: "اختلفت يدي ويدُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الوضوء من إناءٍ واحدٍ". | |
![]() |
ومن حديث ابن عمر قال: "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم" قال مسدد: "من الإناء الواحد جميعًا". قال في "الفتح": "ظاهره: أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة"، يعني: هذا يأخذ ليتوضأ، وهذا يأخذ ليتوضأ. |
![]() |
وحكى ابن التين عن قومٍ: أن معناه: أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا في موضعٍ واحدٍ، هؤلاء على حِدة، وهؤلاء على حِدة. والزيادة المتقدمة في قوله: "من إناء واحد" تردّ على هذا القول، يعني: معنى الرواية التي حكاها ابن التين أو رأيه: أن النساء في مكان والرجال في مكان: يردّ هذا الرأي قوله في الحديث: "من إناء واحد". إذن في وقتٍ واحدٍ، وليس هذا على حدة، ولا هذه على حدة. وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب. ولكن أجاب ابن التين عنه بما حكاه سحنون: أن معناه: كان الرجال يتوضؤون ويذهبون، ثم يأتي النساء؛ وهو خلاف الظاهر أيضًا؛ لأن قوله: "جميعًا" معناه: ضد "المفترق" كما قاله أهل اللغة. | |
![]() |
وقد وقع مصرحًا بوحدة الإناء، أي: إناء واحد في وقتٍ واحدٍ في "صحيح" ابن خزيمة في هذا الحديث في طريق معتمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر:" أنه أبصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يتطهّرون والنساء معهم من إناءٍ واحدٍ، كلهم يتطهّرون منه". فالجواب عن ذلك الاجتماع بين النساء والرجال في الوضوء نقول: لا مانع من الاجتماع إذ كان ذلك قبل نزول الحجاب، فلما نزل الحجاب، حَرُمَ ذلك الأمر إلا على الرجل مع زوجته، هما اللذان يغتسلان من إناءٍ واحدٍ، ولا شيء في ذلك كما تقدم في الأحاديث. |