٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


عرف النظام الإداري الإسلامي الوسائل المختلفة للرقابة الإدارية؛ من رقابة ذاتية ورقابة رئاسية، ورقابة الأجهزة الإدارية المتخصصة كالدواوين، غير أن ذلك لم يتحقق دفعة واحدة وإنما ارتبط بالنمو والتطور الذي لحق بالنظام الإداري الإسلامي، من حيث اتساعه وتشعب أعماله، فعندما نشأت الدولة الإسلامية الأولى كان تنظيمها الإداري بسيط التكوين محدود المهام، ومن ثم فقد كان الأخذ بالرقابة الذاتية، والرقابة الرئاسية كافيًا في ذلك العهد، لتحقيق الأهداف المنشودة من الرقابة الإدارية، وإحكام الإشراف على أعمال الإدارة وعمالها، وإنصاف الرعية من تجاوزات وانحرافات الولاة والعمال.
ولكن مع تشعب الجهاز الإداري للدولة الإسلامية في عهود تالية، وزيادة عدد موظفيه وعماله؛ نتيجة اتساع الدولة الإسلامية وزيادة عدد سكانها فضلًا عن ضعف الوازع الديني مع تقادم العهد بالإسلام؛ اتجهت الدولة الإسلامية إلى تطبيق وسيلة أخرى من وسائل الرقابة الإدارية، بجانب الرقابة الذاتية، والرقابة الرئاسية، وهي رقابة الأجهزة الإدارية الدواوين المتخصصة.
ولتفصيل ما أجملنا نقول: إن الدولة الإسلامية على عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت حديثة النشأة صغيرة المساحة قليلة السكان محدودة الموارد، ومن ثم تميز تنظيمها الإداري بالبساطة وعدم التعقيد، فلم تكن مظاهر العمل الإداري في ذلك العهد تتعدى إرسال بعض العمال إلى مدن وقبائل الحجاز واليمن؛ لتعليم أهلها القرآن الكريم وأحكام الدين، وإفتاءهم فيما يشْكُل عليهم من أمر الدين، والفصل في قضاياهم، فضلًا عن جمع الصدقات وغيرها من الأموال المستحقة على رعاية دولة، كما اتخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- كتابًا يكتبون له أموال الصدقات والغنائم والرسائل التي يبعث بها إلى الملوك، وكان له خاتم لختم تلك الرسائل.

٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


ولذلك كانت الرقابة الإدارية على أعمال الإدارة في الدولة الإسلامية في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقتصر على الرقابة الذاتية التي يمارسها العمال على أنفسهم، وعلى الرقابة الرئيسة التي كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يباشرها على عماله، من خلال قيامه بتوجيههم، وإرشادهم ومحاسبتهم.
وقد استمرت الرقابة الإدارية على هذا النحو في عهد أبي بكرٍ الصديق؛ نظرًا لعدم تغير ظروف الدولة الإسلامية عما كانت عليه في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وفي عهد عمر تغيرت أحوال الدولة عقب الفتوحات الإسلامية؛ حيث اتسعت مساحة الدولة وكثرت أموالها وزاد عدد سكانها، وتعددت أجناسهم ودياناتهم، وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة حجم المسئوليات الملقاة على كاهل الإدارة تبعًا لذلك، وبروز الحاجة إلى تطوير النظام الإداري الإسلامي؛ ليواكب الأوضاع الجديدة التي طرأت على حال الدولة الإسلامية، ويواجه مشاكل التنظيم الإداري التي ظهرت نتيجة لاتساع الفتوحات الإسلامية، خاصة في ظل زيادة عدد العمال الذين تم الاستعانة بهم لإدارة دفة الأمور في الدولة الإسلامية النامية.
ولذلك فقد عني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بتنظيم الإدارة، وكان بحق أول من قام بتطوير الجهاز الإداري في الدولة الإسلامية فأرخ المكاتبات وأنشأ الدواوين، وهي عبارة عن أجهزة أو مصالح أو منظمات إدارية في الجهاز الإداري للدولة، تعمل على تحقيق أهداف السياسة العامة للدولة، وتنظيم وضبط شئون الدولة في مجال الاختصاصات المنوطة بها.

٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


فأنشأ ديوان الإنشاء لحفظ الوثائق الرسمية، وديوان العطاء والجند لتحديد عطاء العرب والجند الإسلامي من الجنسيات الأخرى، إلى غير ذلك.
وفي عهد الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب استمرت الأوضاع الإدارية للدولة الإسلامية على ما كانت عليه في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد سار الخليفتان بسيرة من سبقهما في رئاسة الدولة الإسلامية في إدارة شئونها الإدارية، ومن ثم فقد صارت الرقابة الإدارية في عهدهما على نفس النهج الذي آلت إليه منذ عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى وفاة الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فانحصرت في الرقابة الذاتية والرقابة الرئاسية.
ومع انتهاء دولة الخلفاء الراشدين وقيام الدولة الأموية وما تلاها من دول، تطورت أمور الدولة الإسلامية فزادت مساحتها، وانضمت إليها شعوب وأجناس جديدة مختلفة المشارب والثقافات، بما ألقى أعباء ضخمة على الجهاز الإداري للدولة، ظهرت مع الحاجة إلى إنشاء الدواوين ووظائف جديدة لمواجهة اتساع نطاق الإدارة ومتطلباتها، فاستحدثت عدة دواوين، وكذلك شهدت الدولة الإسلامية في هذه المرحلة -خاصة في عهد الدولة العباسية- ضعف الوازع الديني بين الناس بصورة كبيرة؛ نتيجة لتقادم العهد بالإسلام من ناحية، ولطبيعة الاتساع السكاني والمكاني الذي لحق بالدولة الإسلامية من ناحية أخرى؛ حيث برز دخول العناصر الإيرانية أو الفارسية إلى الإسلام، وقيام بعضهم ممن أضمروا الوثنية الفارسية بحركاتٍ دينية ملحدة كحركة الزندقة والمزدكية، فضلًا عن نجاح العاملين منهم في الدواوين إلى نشر أو شيوع الثقافة الفارسية، مع ضعف الاعتقاد في الدين الإسلامي في السيطرة على النظام الإداري للدولة الإسلامية.

٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


وقد استتبع التطور الإداري الذي لحق بالدولة الإسلامية -بعد انتهاء عهد دولة الخلفاء الراشدين- تطور مماثل في وسائل الرقابة الإدارية؛ إذ لم يعد من الممكن الاكتفاء بالرقابة الذاتية، والرقابة الرئاسية لتحقيق الإشراف الفعال على كافة أمور الدولة. هذا ويكشف التطور الذي لحق وسائل الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي عن بعض الملاحظات التي نشير إليها بإيجاز فيما يأتي:
أولًا: إن تعدد وتنوع أساليب ومظاهر الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي، قد ارتبط بتطور الجهاز الإداري للدولة، وبمدى تشعب واتساع أعماله.
ثانيًا: إن قوة وفاعلية الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي تتوقف على مدى قوة الوازع الديني، والأخلاقيات السائدة في المجتمع الإسلامي، والتي تنعكس بالضرورة على العاملين بالجهاز الإداري.
ثالثًا: إن مواكبة النظام الإداري الإسلامي للتطورات التي لحقت بالعمل الإداري في الدولة الإسلامية، ومواجهته لها بتطورات مناسبة متوازنة في مجال الرقابة الإدارية -على نحو ما تقدم- يكشف بوضوح عن مدى مرونة هذا النظام وقدرته على الاستجابة السريعة والملائمة؛ لكل ما قد يحدث من متغيرات ومتطلبات وحاجاتٍ في مجال الإدارة، فضلًا عن سلامة وكفاءة بناء جهازه الإداري الذي اطلع بتنفيذ سياساته في هذه المجالات.

٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


xxxxxxx


٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


xxxxxxx


٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


xxxxxxx


٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


xxxxxxx


٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


xxxxxxx


٢.٩ تطور الرقابة الإدارية في النظام الإداري الإسلامي


xxxxxxx