١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه

التنظيم الإداري الإسلامي هو بناء تنظيمي داخل الدولة الإسلامية، يعتمد على المبادئ الأساسية في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويهدف إلى تحقيق مصلحة شرعية، ويراعي العلاقات الإنسانية ويمكننا أن نستخلص من هذا الكلام المجمل خصائص التنظيم الإداري الإسلامي، ونفصلها فيما يلي:

أولًا: التنظيم الإداري الإسلامي بناء تنظيمي
وهيكل نموذجي من نوع خاص، هذا البناء التنظيمي يضم عدة وظائف تنتظم داخل عدة مستويات مثل: وظيفة الخلافة والوزارة، والولاية ورؤساء الدواوين والكتاب، كما يضم الخبراء والمستشارين، ويتم التنسيق بين هذه المستويات والوظائف بخطوط للسلطة والمسئولية، وتوجد قنوات للاتصال داخل هذا البناء التنظيمي، وأهم ما يميز هذا البناء هو عدم التزامه بنمط معين أو هيكل تنظيمي محدد، فيمكن أن يتغير بتغير الظروف بشرط ألا يتعارض مع المبادئ والأسس الإسلامية العامة.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


فمثلًا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم تكن هناك دواوين داخل البناء التنظيمي للدولة الإسلامية، على النحو الذي ظهر بوضوح في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حيث كان عمر على الراجح في كتب التاريخ الإسلامي هو أول من اتخذ الديوان؛ لذا فقد حدث تعديل في البناء التنظيمي للدولة، وهو ما يطلق عليه إعادة التنظيم، سواء حين اتسعت الدولة الإسلامية، وكثرت الأموال التي ترد إلى بيت المال أو لأي سبب آخر.
في رأينا أن اهتمام الإسلام بالبناء التنظيمي ومستوياته قد وصل إلى حد بعيد، ويتضح ذلك من تحقيق هذا البناء التنظيمي في الصلاة مثلًا، تلك التي جعلها الإسلام أساس الإيمان، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم.
فصلاة الجماعة لها تنظيم خاص فالإمام يقف في المقدمة، ويقف خلفه الرجال ثم الصبيان ثم النساء، والسنة أن يقف الإمام حذاء وسط الصف؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: ((وسطوا الإمام وسدوا الخلل)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- وأن يتموا الصف الأول لما روى أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أتموا الصف المُقدَّم، ثم الذي يليه، فما كان من نقْص فليَكُن في الصف المؤخَّر)) كما لا يكون موقف الإمام أعلى من موقف المصلين.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


وقد ضم هذا البناء التنظيمي السلطة العليا ممثلة في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي خلفائه من بعده، كما اهتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالإدارة الوسطى، كان يؤمر الأمراء ويعين الولاة، ويظهر هذا الاهتمام في تكليف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمسافرين أن يؤمروا عليهم أحدهم ولوا كانوا ثلاثة.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) كما اهتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالإدارة التنفيذية، فعين العمال على الصدقات والكتاب وغيرهم، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه الذين مثلوا الجهاز الاستشاري في البناء التنظيمي للدولة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثير المشاورة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم". وقد تطور هذا البناء التنظيمي بعد عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ثانيًا: التنظيم الإداري الإسلامي من أنظمة الدولة الإسلامية
فالتنظيم الإداري الإسلامي جزء من النظام الإسلامي يرتبط بشريعته ارتباطًا وثيقًا، فلا يمكن فصله عن الشريعة الإسلامية أو البيئة الإسلامية، فلكي يكون التنظيم الإداري تنظيمًا إسلاميًّا لا بد أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
أن يرتبط التنظيم الإداري بالشريعة الإسلامية، فالتنظيم الإداري الوضعي لا يعتبر تنظيمًا إداريًّا إسلاميًّا، ولو كانت تنظيماته لا تخالف الشريعة الإسلامية؛ وذلك لأن التنظيم الإداري جزء من النظام الإداري الإسلامي، المرتبط أساسًا بباقي الأنظمة الإسلامية السياسية والاقتصادية، والمالية، والدولية إلى آخره.
أن يكون البناء التنظيمي في بيئة إسلامية، فالتنظيم المطبق في الدول غير الإسلامية لا يعتبر تنظيمًا إسلاميًّا؛ وذلك لأن كثيرًا من المبادئ والقيم والضوابط التي تؤثر في التنظيم الإداري الإسلامي ترتبط بالبيئة الإسلامية، فإذا ما طبقت في دولة غير إسلامية فقدت مقوماتها العقدية، واحتوتها الأنظمة الوضعية في الدولة غير الإسلامية.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ثالثًا: التنظيم الإداري الإسلامي قائم على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-
ويقصد من ذلك أن البناء التنظيمي الإسلامي تطبيق للمبادئ الأساسية في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فمبدأ الطاعة ورد في قوله تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: ٥٩] وفي قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلَّا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- في مثل هذا الحديث المتفق عليه.
ومبدأ المشاورة ورد أيضًا في قوله تعالى: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران: ١٥٩] ومبدأ المسئولية ورد في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعِ وكلكم مسئول عن رعيته)) كما أن مبدأ ارتباط السلطة بالمسئولية ومحاسبة المسئولين ورد في قوله -صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)).
وهذه المبادئ الإسلامية ثابتة بالأحاديث المتفق عليها، والتي أوردت بعضها قبل قليل، فلا يمكن مخالفتها، أما بالنسبة لهيكل البناء التنظيمي وشكله وتقسيماته فهذا أمر غير ثابت، فهو محل اجتهادٍ ويمكن أن يتغير من مكانٍ إلى مكان ومن زمانٍ إلى زمان، وذلك بما يتفق مع المصلحة العامة، ومن ثم كان هذا أيضًا من أدلة عظمة هذا التشريع الإسلامي، الذي نزل من عند رب العالمين في أصوله الثابتة في القرآن الكريم، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


رابعًا: التنظيم الإداري الإسلامي يهدف إلى تحقيق هدف شرعي
فالإنسان خليفة الله في الأرض قال تعالى: ((وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)) [القصص: ٧٧] وإصلاح الأرض يتم بتعميرها، والتعمير يقتضي التنظيم، والهدف الشرعي لا يقتصر على الأهداف الواردة في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نصًّا، بل يمتد إلى كل هدفٍ فيه حفظ للدين أو النفس أو النسل أو العرض أو المال أو العقل، فهذه هي الضرورات التي أمر الشارع بالحفاظ عليها، والتي لا تتصور الحياة بدونها. ومن ثم تتسع صفة الهدف الشرعي فتشمل كل مصلحة تتمشى مع مقاصد التشريع في جلب المنافع ودفع المضار، حتى ولو لم يوجد حكم شرعي لتحقيقها أو دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها، وهي التي أطلق عليها العلماء فيما بعد اصطلاح المصلحة المرسلة، والتي بينها الشاطبي في كتابه القيم (الموافقات) بأنها كل أصلٍ شرعي لم يشهد له نص معين وكان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذًا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه.
هذا؛ ويتميز هدف التنظيم الإداري الإسلامي عن هدف التنظيم الإداري الوضعي في أن الأول لا بد وأن يتصف بالسمو، فهو يتعالى عن مجرد تحقيق الربح المادي بل قد يرفض هذا الربح رفضًا تامًّا إذا كان مصدره حرامًا.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


خامسًا: التنظيم الإداري الإسلامي إنساني
ويقصد بذلك أن هذا التنظيم أخلاقي سلوكي يراعي العلاقات الإنسانية المتمثلة في الرحمة واللين والعفو، فقد قال الحق تبارك وتعالى لرسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران: ١٥٩] وقال تعالى أيضًا: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)) [الحجرات: ١٠] وهذه الأخوة الإيمانية تفوق ما تحققه العلاقات الإنسانية؛ لأنها لا تحقق قدرًا من العلاقات الحسنة بين الإدارة والأفراد، تتمثل في إشباعها لحاجاتهم وتحقيق أهدافهم فقط، بل إنها تتطلب وجود العلاقة الأخوية بين الإدارة والأفراد وبين الرئيس والمرءوس، أي: بين كل أفراد البناء التنظيمي بجميع مستوياته، فنظرة الرئيس للمرءوس هي نظرة الأخ لأخيه وبالتالي لا يكون هناك محل لوجود الصراعات أو التناقضات داخل البناء التنظيمي.
ولقد بين الحق تبارك وتعالى أن هذه الأخوة الإيمانية لا تنقطع ولو حدث اعتداء بالقتل. قال تعالى: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)) [البقرة: ١٧٨] وهنا يذكر الحق -تبارك وتعالى- المؤمنين -وهم في حالة الرغبة في الانتقام- بالأخوة الإيمانية، ويتعطف معهم تعطف داعٍ إلى العفو، فهل وصلت العلاقات الإنسانية التي ينادي بها أنصار المدرسة السلوكية إلى هذا الحد العظيم، وتلك التعليمات الراشدة التي وردت أصولها في القرآن الكريم، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟! كما لا تقف حدود هذه العلاقات عند حد المعاونة بل تمتد فتصل إلى درجة الإيثار مع الحاجة. قال تعالى: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)) [الحشر: ٩].

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ضوابط التنظيم الإداري الإسلامي ومبادئه
وضع المسلمون للتنظيم الإداري عدة ضوابط تكفل الهدف بكفاءة تامة، وهذه الضوابط لا ترقى لمستوى المبادئ التي لا يمكن مخالفتها بل هي جزئيات غير منصوص عليها في كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الغرض منها تحقيق حسن أداء العمل، ويمكن الالتزام بها أو ببعضها وفقًا لظروف الحال ومقتضيات كل زمان ومكان، ولا يعني هذا انتفاء أهمية هذه الضوابط، فبعضها من مرتبة المبدأ بحيث لا يمكن إهماله كما يمكن إهمال هذه الضوابط مجتمعة، كما وضع الإسلام في مجال التنظيم الإداري عدة مبادئ عامة أساسية لا يمكن مخالفتها، حيث تمثل جوهر التنظيم الإداري الصالح، وهي صالحة للتطبيق في كل مكان وفي كل زمان، وهذه المبادئ منصوص عليها في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
أما الجزئيات والتفصيلات فلم ينص عليها في الكتاب أو السنة، وتركت للأمة الإسلامية لتنظيمها وفق ضوابط تتلاءم مع ظروف كل مكانٍ وزمان، ومن أهم هذه المبادئ مبدأ الشورى والعدل والمساواة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هناك عدة ضوابط يجب علينا مراعاتها بالقدر الذي يناسب موضوع التنظيم، وسنعرض لبعض هذه الضوابط على سبيل المثال لا الحصر، فقد تقتضي ظروف العمل إضافة ضوابط أخرى، وقد تظهر الحاجة إلى ضوابط جديدة عند إعادة التنظيم، ومن هذه الضوابط التخصص وتقسيم العمل، وتكافؤ السلطة والمسئولية والمتابعة والرقابة والإنابة والتفويض، وأخيرًا المرونة والتطور، وسنعرض لهذه الضوابط من وجهة النظر الإسلامية ومن حيث الأدلة الشرعية المتوفرة على كلٍّ منها.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


أولًا: التخصص وتقسيم العمل
فقد كانت هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة بداية لتأسيس الدولة الإسلامية، وقد كان للتنظيم أثر كبير في نجاح هذه الهجرة؛ حيث قسَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العمل بين صحابته أو بعضهم -رضوان الله عليهم- فبعث مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف مع رجال بيعة العقبة الأولى، وأمره أن يقرئهم القرآن الكريم، ويعلمهم مبادئ الإسلام، ويفقههم في الدين.
وعقد بيعة العقبة الثانية مع ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين، وأذن للمسلمين بالهجرة إلى المدينة قبله. وعندما أذن له بالهجرة استخلف عليًّا على فراشه واصطحب معه أبا بكر، واستأجر عبد الله بن أريقط وكان مشركًا؛ ليدلهما على الطريق، وقام عبد الله بن أبي بكر بتسمع أو تتبع أقوال الناس فيهما نهارًا ليبلغهما به مساء في غار ثور، وقام عامر بن فهير مولى أبي بكر برعي غنمه في أثر عبد الله حتى يعفي أثره، وأعدت أسماء بنت أبي بكر سفرتيهما وشقت نطاقها نصفين، وعلقت السفرة بواحدة، وانتطقت بالثاني فسميت ذات النطاقين.
وبذلك يكون التنظيم الإداري الإسلامي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد حقق تقدمًا واضحًا على التنظيمات الإدارية المعاصرة، في تقريره وتنفيذه لمبدأ تقسيم العمل، وقد استخدم أبو بكر -رضي الله عنه- هذا المبدأ وواجه جموع المرتدين بتقسيم العمل بين أمرائه، حيث عقد أحد عشر لواءً لأحد عشر أميرًا.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


وبيَّن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اهتمامه بهذا المبدأ في الخطبة التي وجهها للمسلمين حين قال: "من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال، فليأتني فإن الله قد جعلني خازنًا وقاسمًا".
ويرتبط مبدأ التخصيص أو التخصص وتقسيم العمل بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فلا قيمة لتقسيم العمل بين غير المتخصصين، ويعتبر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أوائل الذين عرفوا هذا المبدأ وطبقوه، وذلك قبل أن تنادي به مدرسة الإدارة العلمية الحديثة، ومن العرض السابق نستنتج قيام البناء الإداري الإسلامي على أساس من التخصص وتقسيم العمل.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ثانيًا: تكافؤ السلطة والمسئولية
حيث ينظر الإنسان إلى السلطة نظرة تختلف عن نظرة القوانين الوضعية التي تنبع من المعنى اللغوي للسلطة، فالسلطة في الإسلام أمانة استودعها الحق تبارك وتعالى في بعض عباده؛ ليتولوا أمر الآخرين.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر عندما سأله الإمارة: ((أنت ضعيف وهي أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلَّا من أخذها بحقها، وأدى ما عليه فيها)). وقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨] فالأمانة تقتضي مسئولية الأداء ولو كان محل الأمانة شيئًا يسيرًا، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والرجل راعٍ في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث المتفق عليه.
ويترتب على النظرة الإسلامية للسلطة نظرة مشابهة لمن يتولاها، فلا يقال له: صاحب السلطة بل يقال له: ولي الأمر. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: ٥٩] والمسئولية في الإسلام مسئولية فردية. قال تعالى: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)) [فصلت: ٤٦] وقال: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [الأنعام: ١٦٤] ولا تعني فردية المسئولية إضعاف العمل الجماعي، بل إن هذه الفردية لتحقيق العدل وتوجيه العمل الجماعي توجيهًا سليمًا لتحقيق هدفه، فالأعمال الفردية السليمة تكوِّن أعمالًا جماعية تتصف بالسلامة والقوة، وتؤدي إلى تحقيق الهدف المطلوب بكفاءة عالية ونجاح تام.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


والمسئولية تتناسب مع السلطة تناسبًا طرديًّا، فقد كان الحاكم أكثر الناس مسئولية، حتى إنه ليسأل عن أشياء يعتبرها البعض قليلة الشأن. وقد فطن لذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فأسرع يعدو في يوم صائف خلف بعير نفر شاردًا من إبل الصدقة ليعيده، وعندما قال له علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه: لقد أذللت الخلفاء بعدك قال له عمر: لا تلمنِ يا أبا الحسن فوالذي بعث محمدًا بالنبوة لو أن عناقًا ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة".
ومن هذه الواقعة نستنتج الإحساس المرهف بالمسئولية عند عمر، ولم يمنع هذا الشعور ضآلة شأن الشيء محل المسئولية أو بعده عن مقر المسئول، بل إن هذه الواقعة تعتبر أساسًا لمسئولية الرئيس عن أعمال مرءوسيه، وهي ما اصطلح على تسميتها بالمسئولية الإشرافية. هذه هي النظرة الإسلامية إلى السلطة، وإلى المسئولية.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ثالثًا: الرقابة
ترتبط الرقابة بعناصر العملية الإدارية، ويزداد ارتباطها بالتنظيم الإداري، لدرجة أن بعض علماء الإدارة يصفون التنظيم بأنه هو الرقابة، وتفترض الرقابة وجود بناءٍ تنظيمي كامل، حيث تقوم بمتابعة العمل وإنجاز الأعمال بطريقة تؤدي إلى تحقيق الأهداف بكفاية تامة، وتمارس الرقابة على كافة مستويات الجهاز الإداري، للتأكد من التزام المرءوسين بتنفيذ القوانين واللوائح، والتزام الرؤساء بواجباتهم فلا استغلال للسلطة، ولا إساءة لاستعمالها، وتهتم الدول الحديثة بالرقابة كضمان لحسن أداء العمل لذا فقد تعددت مصادرها.
فهناك الرقابة الشعبية التي تمارسها الجماهير وهناك الرقابة التشريعية التي تمارس عن طريق ممثلي الشعب. وهناك الرقابة الإدارية التي تمارسها الحكومة على الأجهزة الإدارية التابعة لها، والبناء الإداري الإسلامي يتضمن نقابة تتميز بطابع خاص، وتفوق رقابة الأنظمة الوضعية في فاعليتها، وتحقيقها للغرض الموجودة من أجله، هذا وتتنوع الرقابة الإسلامية فهي رقابة علوية، ورقابة ذاتية، ورقابة شعبية، ورقابة إدارية.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


أما الرقابة العلوية: وهي رقابة الخالق تبارك وتعالى على مخلوقاته، فتعتبر أقوى الأنواع فاعلية، قد ورد بيانها في كتاب الله تعالى كما قال: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) [النساء: ١]، ((وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا)) [الأحزاب: ٥٢] فالرقابة الحقيقية لله عز وجل؛ لأنها تقتضي العلم بالغيب ((أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) [التوبة: ٧٨] ولهذا فإن متابعة الرسل لأعمال قومهم تقتصر على الشهادة، أما الرقابة فتكون لله رب العالمين، قال تعالى مبينًا رد عيسى -عليه السلام- يوم القيامة: ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [المائدة: ١١٧] وقد أخرج البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهم أجمعين- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنكم محشورون وإن ناسًا يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول كما قال العبد الصالح: ((وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)))).
وأوضح الحق تبارك وتعالى دقة الرقابة على الإنسان بقوله: ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) [ق: ١٨] وقد أكد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على هذه الرقابة الإلهية، وطلب استحضارها فقال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) هذا في حديث الإيمان المشهور الذي عرف فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان والإسلام والإحسان، هذه هي الرقابة الأولى في البناء التنظيمي للدولة الإسلامية، وتزداد أهمية الشعور بهذه الرقابة كلما ازداد الإيمان في قلوب الأفراد.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


الرقابة الداخلية أو الذاتية
وهي الرقابة النابعة من داخل الإنسان والناتجة عن يقظة الضمير، وتباشر هذه الرقابة سلطة داخلية في الإنسان توقظ الضمير وتعمق الشعور بالالتزام، دون حاجة إلى وجود رقابة خارجية، وتدفع الرقابة الذاتية من مكانة الإنسان، وفي ذلك يقول الدكتور محمد البهي: "والفرق بين التزام الذات من نفسها، والتزام الذات من سلطة خارجة عنها هو الفرق بين إنسان له أهلية الإشراف على نفسه، وإنسان آخر فاقد تلك الأهلية، بين إنسان يكتفي بذاته في أداء ما عليه لنفسه وما للغير من واجبات، وإنسان هو في حاجة إلى إشراف خارجي على ما يؤديه من أمانات له أو لغيره، ويتبع الرقابة الذاتية المحاسبة الذاتية، ولا قيمة للأولى دون الثانية".
وقد وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من يحاسب نفسه بالعقل والفطنة فقال: ((الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت)) ودان نفسه أي: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة، ويروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخفف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا".
ويروى عن ميمون مهران قال: "لن يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه". مما سبق يتضح لنا أهمية الرقابة الذاتية، ومحاسبة النفس في الإسلام، ومما لا شك فيه أيضًا أن أي بناءٍ تنظيمي يقوم على هذا الأساس هو بناء صالح وسليم، وأن الهدف الذي يهدف إلى تحقيقه هدف متحقق بدرجة عالية من الكفاءة.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


الرقابة الشعبية
وهي رقابة الأمة الإسلامية على الإدارة، وأساس هذه الرقابة في نظر البعض أن الأمة الإسلامية هي مصدر السلطات، فهي التي تقيم الدولة وتنظمها، وتعين أولياء الأمر فيها، ولكننا لا نوافق على هذا الرأي، ونرى أن أساس رقابة الأمة الإسلامية هو الأمر الإلهي الوارد في كتاب الله عز وجل، حيث قال تعالى في سورة آل عمران: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [آل عمران: ١٠٤] وتمارس الأمة الإسلامية رقابتها على البناء التنظيمي للدولة من خلال المشاورة التي يحققها مبدأ الشورى، وذلك قبل القيام بالعمل، أما بعد القيام بالعمل فتتحقق رقابة الأمة عن طريق الإصلاح والتقويم، وهذه الرقابة حق للأمة الإسلامية وواجب عليها.
كما يجب على الحاكم المسلم أن يحافظ على حق الأمة في الرقابة عليه، وعلى أجهزته الحكومية، وأن يشجع رعيته على ذلك، وقد تحقق ذلك في قول أبي بكر -رضي الله عنه- عندما تولى الخلافة: "أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ..." إلى آخر هذه الخطبة المشهورة، ولم يجد خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرجًا في طلب الإصلاح والتقويم من الأمة.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


وطلب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من رعيته ممارسة حق الرقابة على ولاتهم، فقال لهم: "ألا وإني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلتها إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسه بيده إذًا لأقصن". واستجابت الرعية لتوجيهات الخليفة فمارست حق الرقابة وطالبت الحاكم بالقيام به، فهذا رجل يعاتب عمر بن الخطاب ويقول له: "تستعمل الوالي وتشترط عليه شروطًا، فلا تنظر في شروطه؟ قال: وما ذاك؟ قال: عاملك على مصر اشترطت عليه شروطًا فترك ما أمرته وانتهك ما نهيت عنه"، ولما تأكد عمر من صدق هذه الشكوى أرسل إلى الوالي من أحضره إليه ثم حاسبه، ولما تعهد بأن لا يعود إلى ما كان عليه رده إلى عمله فكان خير عامل.
وهناك الكثير من الوقائع التي تدل على حسن مراقبة الأمة الإسلامية لحكامها الذين تقبلوها وحرصوا عليها، أما وسائل تنفيذ مشاركة الأمة الإسلامية في الأجهزة الإدارية في الدولة فهي أمر تفصيلي، متروك للجهود التنظيمية التي يحددها كل جيل مسلم بما يتفق وظروف السكان والزمان ومكونات بنائه التنظيمي.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ويُرجع كثير من الباحثين تخلف الأمة الإسلامية في العصر الحالي إلى انخفاض درجة المشاركة الشعبية، وإهمال تنظيمها، وهذه المشاركة الشعبية في الرقابة، وفي الأجهزة الإدارية تدعونا إلى القول بأن تنظيم البناء الإسلامي يتضمن تنظيمًا شعبيًّا، والتنظيم الشعبي الإسلامي المشار إليه يختلف عن التنظيم غير الرسمي الذي ينشأ بداءة بهدف مشاركة التنظيم الرسمي، ومساعدته في سبيل الوصول إلى الهدف، فالمشاركة تحقق التفاعل والتكامل بين التنظيمين بحيث يظهران وكأنهما تنظيم واحد وهناك الرقابة الإدارية داخل البناء التنظيمي.
وتتميز الرقابة الإسلامية في جملتها بعدة مزايا فهي ذات فاعلية قوية، وهي متعددة في مصادرها، كما أنها تحقق توفير نفقات إنشاء الأجهزة الرقابية الضخمة، كما أنها رقابة بناءة إيجابية تسعى إلى تحقيق الأهداف، ولا تتصيد الأخطاء، ويمكن ممارستها بسهولة نتيجة لوحدة الفكر الإسلامي، والهدف الشرعي بين جميع أجزاء البناء الإداري.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


رابعًا: التفويض أو الرقابة الإدارية
حيث يرتبط التفويض بجميع عناصر العملية الإدارية وفروعها، فنجد أن له ارتباطًا بالقيادة الإدارية وبمجال الاتصالات، ورسم السياسات، وتحديد الإجراءات وتوصيف الوظائف والتدريب والرقابة، ويزداد هذا الارتباط بالتنظيم الإداري، ويتصل التفويض بنظام التدرج ونطاق الإشراف؛ حيث يؤدي التفويض إلى إمكانية توسيع نطاق الإشراف، وقد اهتم علماء السياسة الشرعية بموضوع التفويض، واستدلوا على شرعيته بقول موسى -عليه السلام: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) [طه: ٢٩ – ٣٢] وإذا كان التفويض جائزًا في أعباء النبوة، فهو في أمور الحكم والإدارة أجوز؛ لأن الحاكم والمدير في جميع المستويات الإدارية لا يمكنهم مباشرة جميع واجباته بنفسه.
وقرر الماوردي وأبو يعلى وجود الاستنابة؛ لإمكان تدبير شئون الدولة أو الإقليم، وأن نيابة الوزير المشارك في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من التفرد بالتدبير، وبذلك يتحقق البعد عن الزلل ومنع الخلل، وبين كل منهما شروط المفوض إليه، ثم تحدث عن وزير التفويض وشروطه واختصاصاته. هذا؛ وقد اعتبر الدكتور عبد العظيم بسيوني تكليف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد بفتح مكة تفويضًا في السلطة، ومقيدًا بأن لا يحارب من لم يحاربه، والأظهر من ذلك تفويض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين في إعطاء الأمان للمحاربين، فقد روى البخاري، وأبو داود، والترمذي عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: ((قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)) وتطبيقات التفويض في البناء التنظيمي للدولة الإسلامية الكبيرة، وما ذكرناه كان على سبيل المثال لا الحصر.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


خامسًا: المرونة والتطور
فالتنظيم الإداري الإسلامي تنظيم مرن ومتطور، فقد بدأ هذا التنظيم ببناء يضم الحاكم ومجلسًا للشورى يحيط به، ويقوم الناس من تلقاء أنفسهم، أو بندب الحاكم بالأعمال اللازمة، ثم تطور هذا البناء فأصبح أهل الشورى وزراء وتطورت الأعمال فتجمعت داخل الدواوين كما سيأتي. أما بالنسبة للاستدلال بوظيفة الحسبة -كما ستأتي أيضا- فإن من وظيفة المحتسب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا العمل يقوم به من نصبه الإمام أو نائبه لذلك، ولكن للمسلم أن يقوم بهذا العمل دون تنصيب، فعندما ينهى أبو الحسين النوري عن منكر تعلق به حق للمعتضد العباسي قال له المعتضد: "من أنت؟ فرد النوري: محتسب، قال المعتضد: من ولاك الحسبة؟ فرد عليه: الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين"، فلم ينكر عليه الحاكم ذلك ولم يعاقبه.
وكان للمسجد أثر كبير في البناء التنظيمي للدولة الإسلامية، وتطور هذا الأثر العظيم حتى أصبحت القرارات المهمة -التي تتعلق بمصلحة الأمة- تتخذ داخل المسجد، وفي اعتقادنا أن انحصار رسالة المسجد في العصر الحديث سبب في التخلف الذي طرأ على الأمة الإسلامية حديثًا.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


ومن جماع ما تقدم فقد كان من المنطقي أن يمكن النظام الإداري الإسلامي الإدارة الإسلامية من مراقبة نفسها بنفسها، حتى تتمكن من تصحيح تجاوزات أو انحرافات قرارات وتصرفات عمالها التي تأتي على خلاف أحكام الشرع، أو التي تكون مجافية أو غير ملائمة لقواعد العدالة، التي تستهدفها مبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية نصًّا وروحًا، بما يضمن إقرار مبدأ الشرعية الإسلامية، وكفالة خضوع الإدارة لقواعد التشريع الإسلامي، وإنصاف الرعية من تجاوزات أو انحرافات للولاة والعمال.

١.٩ تعريف التنظيم الإداري الإسلامي وخصائصه وضوابطه ومبادئه


xxxxxxx