٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها، مزاياها، ومساوئها

إن اللامركزية الإدارية تقوم على أساس توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية وبين هيئات إدارية مستقلة، تخضع للسلطة المركزية في مباشرتها لاختصاصاتها، وقد يتم توزيع الاختصاصات على أساسٍ إقليمي بحيث توجد هيئات محلية أو إقليمية مستقلة في الأقاليم، أو على أساس موضوعي ينتج عنه وجود هيئات مصلحية أو مرفقية مستقلة عن الإدارة المركزية، وبذلك يتضح لنا أن اللامركزية طريقة من طرق الإدارة، تتضمن توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة وبين هيئات منتخبة محلية أو مصلحية، تباشر اختصاصاتها في هذا الشأن تحت رقابة الدولة.
والمعيار الذي يميز بين المركزية الإدارية واللامركزية الإدارية هو وحدة السلطة الإدارية أو تعددها، فإذا كانت هناك سلطة إدارية واحدة فنحن أمام نظام مركزي، أما إذا تعددت السلطات الإدارية بحيث توجد سلطات لا مركزية؛ تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال في ممارسة اختصاصاتها تحت إشراف السلطة المركزية؛ نكون بصدد لا مركزية إدارية، وبذلك تختلف اللامركزية الإدارية عن اللامركزية السياسية التي تقوم على أساس توزيع الاختصاصات السياسية بين الدولة الاتحادية والولايات التابعة لها أو المتحدة معها، بحيث تتعدد فيها السلطات العامة الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


ويفرق جانب من الفقه بين اللامركزية الإدارية المطلقة وبين اللامركزية الإدارية النسبية، على أساس أنه في اللامركزية الإدارية المطلقة يتم تشكيل مجالس الهيئات المركزية من أعضاء منتخبين جميعًا، في حين يكون تشكيل هذه الهيئات بشكل مختلط من أعضاء منتخبين وأعضاء معينين في حالة اللامركزية النسبية.
هذا فيما يجري جانب آخر من الفقه هذه التفرقة بناء على أنه إذا انفردت الهيئات اللامركزية بأداء الخدمة؛ فتكون في مواجهة لامركزية إدارية خالصة أو كاملة، أما إذا اشتركت الإدارة المركزية مع الهيئات اللامركزية في أداء تلك الخدمة فتوجد في هذه الحالة لا مركزية إدارية ناقصة أو نسبية. وسوف نعرض للامركزية الإدارية عن طريق دراسة المبادئ العامة التي تقوم عليها من جهة وبعض عناصرها ومميزاتها أو مساوئها من جهة أخرى.
أحب في البداية أن أشير إلى الفرق بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية؛ فقد ذكرت قبل قليل أن اللامركزية الإدارية تقوم على أساس توزيع الاختصاصات الإدارية بين السلطات المركزية للدولة والوحدات الإدارية اللامركزية، سواء كانت مصلحية أو إقليمية، في حين تتوزع الاختصاصات السياسية في اللامركزية السياسية بين الدولة الاتحادية وبين الولايات أو الدويلات التابعة لها، بحيث تتولى دولة الاتحاد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على مستوى الدولة كلها، وفي المقابل يكون لكل ولاية سلطات عامة خاصة بكل منها تمارسها في النطاق الجغرافي لإقليمها، وعلى هذا الأساس فإن الفروق الجوهرية بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية تتلخص فيما يلي:

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


تعبر اللامركزية الإدارية عن نظام إداري يتم عن طريقه توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة الإدارية المركزية والهيئات اللامركزية المصلحية أو الإقليمية، وهي وحدات إدارية صرفة، أما اللامركزية السياسية فتتعلق بالنظام السياسي للاتحاد المركزي، وتوزيع السلطات بين الدولة الاتحادية والولايات التي تعتبر وحدات سياسية تتمتع بالاستقلال الذاتي، ولكل منها دستور خاص بها.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


دعائم اللامركزية الإدارية: يمكن إجمالها في ثلاث ركائز أساسية

أولها: وجود مصالح ذاتية متميزة، وهذا العنصر يمثل نقطة البداية في تكوين الهيئات اللامركزية الإدارية، سواء المحلية منها أو المصلحية؛ إذ يلزم أن توجد مصالح خاصة أو ذاتية متميزة عن المصالح القومية أو المصالح العامة.
ثانيًا: تنظيم هيئات مستقلة لإدارة المصالح الذاتية، فينتج عن الإقرار بوجود مصالح ذاتية متميزة عن المصالح القومية منح هذه المصالح الشخصية القانونية المعنوية، وما يترتب على هذا الاعتراف من استقلال عن شخصية الدولة، ومن التمتع بالحق في اكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات.
ثالثًا: خضوع الهيئات اللامركزية لرقابة السلطة المركزية، حيث لا يعتبر استقلال الهيئات اللامركزية استقلالًا مطلقًا، وإنما هو نسبي يخضع لرقابة وإشراف السلطة المركزية لضمان وحدة الدولة من الناحية الإدارية، وعدم خروج هذه الهيئات على حدود ما منح لها من سلطات من ناحية أخرى.
صور اللامركزية الإدارية: تحتوي اللامركزية الإدارية على صورتين رئيستين:
اللامركزية الإدارية المحلية أو الإقليمية.
اللامركزية الإدارية المصلحية أو المرفقية، التي تتولى إدارة بعض الهيئات العامة المتمتعة بالشخصية المعنوية.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


أولًا: اللامركزية الإدارية المحلية
هي التي تتجسد في النطاق الإقليمي للدولة، عندما يمنح المشرع الشخصية القانونية المعنوية لأجزاء محددة من الدولة، تتمثل في المحافظات والمدن والقرى أو البلديات، طبقًا للنظام القانوني الذي يرسمه المشرع بما يترتب على ذلك من ممارسة الحقوق المعترف بها للشخص المعنوي والتحمل بالتزاماته.

ثانيًا: اللامركزية الإدارية المرفقية
قد ظهر هذا النوع حديثًا عندما تدخلت الدولة المعاصرة في العديد من الأنشطة التي كانت تحجم عن ممارستها من قبل، ففي سبيل النهوض بوظائفها الجديدة المتزايدة بتزايد التقدم الحضاري، واتساع مناطق العمران فيها؛ كثرت المشروعات والمرافق والمصالح العامة، وظهرت الحاجة إلى منح بعض هذه المرافق والمشاريع الشخصية المعنوية؛ لكي تتولى إدارتها استقلالًا عن الدولة وبعيدًا عن التعقيدات الإدارية، مع خضوعها لإشراف السلطة المركزية، وقد نشأ هذا النوع من اللامركزية الإدارية لاعتبارات موضوعية؛ ترجع إلى طبيعة النشاط ونوع المرفق والمشاريع التي يتعلق بها هذا النشاط.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


أما عن مزايا اللامركزية الإدارية: فلعل أهم مبررات الأخذ باللامركزية الإدارية أنها تعتبر تطبيقًا للديمقراطية في المجال الإداري، ويتجلى ذلك في إشراك سكان المناطق والأقاليم في اللامركزية المحلية في تشكيل المجالس والهيئات الممثلة لهم، عن طريق الانتخاب وما يحققه ذلك من مزايا تتجسد في تدريب السكان على ممارسة حق الانتخاب، وعلى اختيار أفضل العناصر التي تصلح لإدارة المرافق المحلية، وفي حصولهم على الخبرة والدراية في ممارسة الشئون العامة.
من ناحية أخرى تخفف اللامركزية الإدارية من العبء الواقع على عاتق الدولة المعاصرة؛ في إدارة المرافق والمشروعات العامة المتكاثرة باستمرار نتيجة لازدياد تدخل الدولة في مجالات وأنشطة جديدة، كانت عازفة عنها في الماضي، ومن ناحية ثالثة تمتاز اللامركزية الإدارية في أن الهيئات اللامركزية -سواء المحلية أو المرفقية- تكون أقدر من الإدارة المركزية في إدارة المصالح والمرافق المحلية، أو الهيئات والمؤسسات العامة المعترف لها بالشخصية المعنوية، بعيدًا عن التعقيدات والإجراءات الإدارية المعقدة التي تعرفها الإدارة المركزية.
أخيرًا: تستطيع الهيئات اللامركزية الإدارية أن تحل المشكلات وتواجه الأزمات الطارئة التي تحدث من حين لآخر في النطاق الإقليمي، أو في الميدان المرفقي التي قد تعجز الإدارة المركزية عن مواجهتها، أو تفشل في التغلب عليها على مستوى إقليم الدولة ككل.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


مساوئ اللامركزية الإدارية
أول هذه العيوب تظهر في أن اللامركزية الإدارية تمس الوحدة الإدارية للدولة، بالنظر إلى قيامها على توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية والهيئات اللامركزية، سواء الإقليمية منها أو المصلحية، كما انتقدت اللامركزية الإدارية من الناحية المالية على أساس أنها تحتاج إلى نفقات كبيرة تتحمل بها خزانة الدولة، وقيل أيضًا: إن الهيئات اللامركزية الإدارية تفتقر إلى الخبرة والدراية بإدارة المرافق والمشروعات العامة مقارنة مع الإدارة المركزية.
وأخيرًا يعاب على الهيئات اللامركزية أنها توجه جل اهتمامها إلى المرافق المحلية على حساب المرافق القومية، كما أنها قد تتسبب في نشوب نزاعات ومشاحنات بينها وبين الإدارة المركزية من ناحية، أو بين بعضها البعض من ناحية أخرى، وقد رد على انتقادات اللامركزية الإدارية من قبل بعض أنصار اللامركزية حيث قالوا: إن وحدة الدولة غير مهددة على الإطلاق؛ لأننا بصدد تطبيق لامركزية إدارية وليس الأخذ باللامركزية السياسية من ناحية، وأن السلطة المركزية لها حق الرقابة والإشراف على الهيئات اللامركزية وعلى أعمالها عن طريق الوصاية الإدارية، كما أنه لا خوف على وحدة الدولة الإدارية لأن اللامركزية الإدارية تباشر أعمالها في نطاق محدود، يتمثل في المصالح المحلية في اللامركزية الإقليمية وفي مرفق محدد بذاته في اللامركزية المصلحية.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


وبالنسبة لقضية تحمل اللامركزية الإدارية نفقات كبيرة هي في غنى عنها، فقد ردوا على ذلك بأن معظم نفقات الهيئات اللامركزية تحصل عليها من الضرائب والرسوم المحلية، التي تفرضها على سكان الإقليم، وتتحصل على الباقي من خزانة الدولة.
وأخيرًا يرى أنصار اللامركزية الإدارية أن المنازعات التي تنشب أحيانًا بين الهيئات اللامركزية والإدارية المركزية، أو بينها وبين هيئات لا مركزية أخرى؛ بسبب المنافسة فيما بينها تقع في بداية تطبيق اللامركزية الإدارية، وأنه يمكن التغلب عليها وحلها بتوجيه ونصح من جانب السلطة المركزية، أو عن طريق الالتجاء إلى القضاء لحسم هذه المنازعات.

المركزية الإدارية واللامركزية في الدولة الإسلامية منذ نشأتها الأولى
هاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في السنة الثالثة عشرة من بعثته إلى يثرب، ونزل في قباء، وأسس بها مسجد قباء الشهير وذلك في الأيام التي أقام بها هناك، ثم تابع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مسيرته إلى يثرب حتى وصل إليها، وبالهجرة أصبحت يثرب الإقليم الجديد موطنًا وملجأ لجماعة المسلمين، وأصبح العام الذي هاجر فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدءًا للتأريخ الإسلامي، أي: التأريخ الهجري، وبالهجرة أصبح شعب المدينة ثلاث طوائف: المهاجرون: وهم المؤمنون برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم الذين فروا بدينهم من مكة إلى المدينة، والأنصار: هم سكان المدينة الأصليون من العرب، أما الطائفة الثالثة فهم يهود المدينة.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


وبعد الهجرة بدأ بالمدينة عهد مستقر، ومجتمع قائم على قواعد سياسية تحت قيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهكذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أول رئيس لهذه الدولة الناشئة، والذي جمع في رئاسته للدولة بين صفتين؛ الأولى: صفة النبي المرسل الذي يبلغ عن ربه ما أوحى إليه من الدين والتشريع للناس. الثانية: صفة الحاكم فهو يرأس الدولة ويديرها، فيعد الجيوش ويسيرها ويعلن الحروب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات، ويعين القواد والحكام والقضاة ويقيلهم ويصرِّف الشئون المالية والقضائية والسياسية والإدارية.
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على بناء الجبهة الداخلية لدولته بناءً سليمًا من أول الأمر، فالصحيفة التي عقد بمقتضاها تحالفًا بين هاتين الجماعتين اللتين تقطنان دولته؛ لكي يضمن الاستقرار والترابط والقدرة على النمو ومواجهة الاحتمالات الخارجية كلها بنجاح كبير، هي صحيفة شاملة تحتوي على قواعد التآلف والتعاون، وقد وادع الرسول -صلى الله عليه وسلم- اليهود وعاهدهم واشترط عليهم وشرط لهم، المهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أمن دولته داخليًّا قام بتأمين حدود تلك الدولة؛ لأنها في حالة حرب معلنة بينها وبين مكة، وذلك عن طريق عدة حملات ودوريات استكشافية كانت تسمى سرايا.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


ثم وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- النواة الأولى للدواوين والسجلات، فالمشهور أن عمر هو أول من أنشأ الدواوين، والحقيقة أن عمر هو أول من نظم الدواوين لكن أصل نشأتها يرجع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نظر بعض الباحثين ومن بعده أبو بكر، فلكي يستطيع الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنظيم إدارة الحكومة -التي أنشأها بالمدينة- استعان بعدد من أصحابه الذين يعرفون القراءة والكتابة، وقد اختار نخبة منهم لتدوين الوحي وتسجيله، ونخبة أخرى لكتابة حوائج الناس والمداينات والمعاملات، ونخبة أخرى تتولى الرد نيابة عن النبي على رسائل الملوك، وأخرى تتولى كتابة مغانم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وغيرها.
قد اتخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- خاتمًا نقش عليه: محمد رسول الله، وكان في يده -صلى الله عليه وسلم- حتى انتقل إلى جوار ربه. أؤكد أن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وضع اللبنة الأولى للتنظيم الإداري في الدولة الإسلامية، وذلك فور وصوله للمدينة، حيث وضع دستور الدولة في المدينة، وإن كانت أغلب بنود هذه الصحيفة تهتم بالتنظيم الداخلي للمدينة وبالتنظيم السياسي للدولة الجديدة، خاصة في علاقاتها بقريش، غير أنها تتضمن تنظيم الدولة إداريًّا أيضًا بالنص على رئاسة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للسلطة الإدارية والسياسية للدولة الإسلامية وتركيز السلطة في يده، والنص على المبادئ الأساسية في التنظيم الإداري الإسلامي مثل مبدأ العدالة والمساواة.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


وإذا ما استعرضنا النظام الإداري للدولة الإسلامية في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإننا نجد جميع الأعمال والوظائف الحكومية والإدارية محصورة في يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل لقد تجمعت كافة السلطات العامة في الدولة الإسلامية -من سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية- في يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانت له وظيفة الرسول والنبي والحاكم والقاضي، ورئيس الحكومة، وقائد جيوش المسلمين، ولهذا باشر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعمال السلطة التنفيذية منذ هجرته إلى المدينة، كما قام بوظيفة القاضي الأول في دولة المدينة وعين قضاة الولايات. كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يباشر مهام منصبه من مقر الإدارة والحكم وهو المسجد النبوي الشريف.
وفي رأينا أن أسلوب إدارة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اتسم بالمركزية، وأن هذا التركيز اقتضته ظروف نشأة الدولة الإسلامية، وتغير النظام الاجتماعي من المجتمع القبلي في مكة إلى مجتمع الأمة الإسلامية، واستبدال رابطة الدم برابطة الأخوة الإسلامية في يثرب أو في المدينة بعد ذلك، ونرى أيضًا أن هذه المركزية هي مركزية من نوع جديد؛ لأن المركزية الإدارية تعني حصر الوظيفة الإدارية في يد الحكومة المركزية في العاصمة، فليس الجديد هو حصر وتركيز السلطات في يد الحاكم السياسي والإداري للدولة، بل الجديد هو أن هذا الحاكم هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو رسول من عند الله وما ينطق عن الهوى.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


ولو لم توجد أسباب اتباع الأسلوب المركزي في الإدارة لكانت هذه الصفة للحاكم كافية لتركيز السلطة في يده؛ ولهذا فإننا نجد أن السلطة الرئاسية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عمل الدولة وموظفيها لها طبيعة خاصة، فمدى الطاعة فيها في رأينا يفوق طاعة المرءوس لرئيسه في الأمور الدنيوية؛ لأن الأساس هنا أقوى من الأساس القانوني الذي يوجب على المرءوس طاعة رئيسه، فالأساس هنا هو التشريع الإلهي أو هو الأمر السماوي.
قال تعالى: ((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر: ٧] بل لقد اعتبرت طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من طاعة الله كما قال تعالى: ((مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ))[النساء: ٨] إلى غير ذلك من الآيات الواردة في مثل هذا المقام.
هذا بالإضافة إلى شمول الطاعة وامتدادها إلى خارج نطاق الحياة الإدارية، حيث إن السلطة الرئاسية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تشمل شخص المرءوس وأعماله، وبالنسبة لشخص المرءوس فتشمله بصفته موظفًا عامًّا وبصفته مسلمًا يدين بالطاعة لله ولرسوله، كما تتضمن سلطة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أعمال مرءوسيه سلطة التوجيه السابق للعمل، وسلطة إقرار العمل أو تعديله أو إلغائه أو إبطاله أو الحلول معه في القيام بالعمل، وتمتد هذه السلطة إلى الأعمال غير الإدارية، وهذا ما لا يملكه الرئيس الإداري على مرءوسيه.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


أما عن اللامركزية الإدارية فقد ذكرنا اتصاف حكومة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بصفة المركزية، ومع ذلك فإننا نجد اتجاهًا نحو تحقيق اللامركزية؛ حيث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعين على كل قبيلة -يأتيه وفدها مسلمًا- رجلًا منها وغالبًا ما يكون هو شيخها قبل الإسلام؛ مراعاةً لنفور القبائل العربية من تعيين حاكم عليها من غير أهلها، ومع أن هذا العامل يعتبر من عمال الحكومة المركزية في المدينة؛ إلا أن اختياره من بين أفراد هذه الوحدة الإقليمية يشير إلى المرور بمرحلة عدم التركيز الإداري والاتجاه نحو اللامركزية، خاصة وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يزيد من سلطات هذا العامل إذا كان من رءوس القبيلة، فيسند إليه جباية الأموال، وما فرض على المسلمين من الصدقة، ويأمره بتعليمهم القرآن، والتفقه في الدين وأن يلين في الحق، ويشتد عليهم في الظلم.
ونلاحظ الفارق الكبير بين استقلال القبيلة العربية في ظل الحكومة الإسلامية المركزية، وبين الاستقلال السابق على ظهور الإسلام، والذي لا يمكن وصفه باللامركزية، كما نلاحظ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد راعى استخلاف أحد أهالي الإقليم إذا ما غاب عنه، وهذا ما فعله -صلى الله عليه وسلم- حينما خرج بنفسه في غزوة الأبواء -وتسمى غزوة ودان- في السنة الثانية من الهجرة، حيث استخلف على المدينة سعد بن عبادة سيد الخزرج.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


عندما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يستخلف على مكة بعد انتهاء غزوة هوازن بحنين في السنة الثامنة من الهجرة استخلف أبا بكر -رضي الله عنه. ومما سبق نستنتج اتجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اختيار أحد أهالي الإقليم من أصحاب الفضل والسيادة والشرف، يستخلفهم عليهم مراعاةً لشعورهم، وتأكيدًا لصلاحية نظام الحكم المحلي.
أما بالنسبة للتقسيمات الإقليمية في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد ضمت عدة ولايات ومدن ومناطق للعشائر والقبائل، وكانت المدينة المنورة هي عاصمة الخلافة، ومركز الحكم وكانت تخضع لسلطة الحكومة المركزية مباشرة، وهكذا وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسس رقابة الحكومة المركزية على عمالها وولاتها، وأخذت هذه الرقابة النبوية صورة التوجيهات والأوامر السابقة على قيام العامل بعمله؛ فقد روى ابن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته)) وهذا حديث متفق عليه، فهنا يقرر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبدأ المسئولية الشرعية للإمام، ويقاس عليه الوالي والعامل.

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


كما روى أبو يعلى معقل بن يسار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) وهو حديث أيضًا متفق عليه، وهنا قرر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبدأ عدم غش الوالي لرعيته وجعل عقوبة الوالي الذي يغش رعيته تحريم الجنة عليه، ونظرًا لأن أوامر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات طبيعة تختلف عن الأوامر الإدارية للحاكم أو الرئيس الإداري على ما سبق وأوضحنا، بالإضافة إلى قوة العقيدة في نفوس المسلمين، فإن العمال والولاة قد التزموا بهذه الأوامر ولم يخالفوها، ورغم ذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحاسب العمال ويكشف عملهم ويسمع ما ينقل إليه من تصرفاتهم.
فإذا وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصرفًا معيبًا حاسب عليه ونهى عنه، مثل ما رواه الطيالسي وأبو داود عن أبي حميد السعيدي: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا من الأزد على عمل أو قال: على الصدقة فلما جاء؛ جاء بمالين وقال: هذا مالكم وهذا هدية أهديت إلي، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام خطيبًا ثم قال: ما بال رجال نبعثهم على بعض ما ولانا الله فيجيء بمالين فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه ينظر أيهدى إليه أم لا؟! والذي نفسي بيدي لا يأخذ أحد من هذا المال شيئًا بغير حقه إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيرًا جاء له رغاء، وإن كانت بقرة جاءت لها خوار وإن كانت شاء جاءت تيعر، ثم قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه ثم قال: اللهم هل بلغت؛ اللهم فاشهد)).

٢.٨ اللامركزية الإدارية مفهومها، دعائمها، صورها


فهذه صورة من صور رقابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عماله، تضمنت حكمًا شرعيًّا هو تحريم الهدية للعمال، وفي كل الأحوال دلالة على أن اللامركزية الإدارية في الإسلام منذ الصدر الأول في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بعد ذلك، ثم في عهد عمر وسائر الخلفاء الراشدين وصحابته الكرام، حتى في عهد الدولة الأموية كانت لها سمة خاصة هي سمة الرقابة الإدارية التي تتقي الله رب العالمين. وهكذا تتكشف لنا مجموعة من الحقائق منها:
أن الإسلام عرف التنظيم الإداري منذ نشأته، وخلف لنا مبادئ مهمة وقواعد كلية، وضوابط يمكن من خلالها تأسيس مدرسة إسلامية في التنظيم الإداري، ذات خصائص مستقلة تقوم على منهج عقدي له خواصه ومميزاته التي تحقق تفوقه على نظائره من مدارس التنظيم الإداري المعاصرة، كالمدرسة العلمية والسلوكية وغيرهما.