٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


مصادر القانون الإداري

إذا كانت كلمة مصدر تعني من الناحية اللغوية المنبع أو الأصل الذي يستقى منه الشيء، فإنّ المقصود بالمصادر في مجال الدراسات القانونية: الطرق والوسائل التي تتكون بواسطتها المبادئ والقواعد القانونية المختلفة، ويتفق القانون الإداري مع بقية فروع القانون في هذا الشأن؛ إذ يمثل التشريع، والعرف، والقضاء، والفقه المصادر التي يستمد منها قواعده وأحكامه، فإذا كانت القاعدة العامة أن التشريع والعرف يمثلان المصادر الرسمية للقانون، وأن القضاء والفقه يكوِّنان المصادر التفسيرية للقانون، فإنّ الأمر يختلف بالنسبة للقانون الإداري، حيث يحتل القضاء مركزًا متميزًا كمصدرٍ رئيس للقانون الإداري؛ نظرًا لحداثة نشأة القانون الإداري، وعدم تقنينه حتى الآن. إنَّ القانون الإداري يتفق مع بقية فروع القانون في هذا الشأن، أي أنَّ مصادر القانون الإداري كغيره من المصادر عبارة عن التشريع، والعرف، والقضاء، والفقه، مع اختلاف أهمية كل منها بالنسبة لقواعد القانون، وبالتالي أنا لا أجد حاجة للوقوف عند هذه المصادر.
وننتقل إلى الأعمال والمشروعات الخاصة، التي تندرج تحت مادة من المواد التي تدرس في كليات التجارة تحت اسم إدارة الأعمال، كما أنَّها تسمى أيضًا في بعض المعاهد باسم إدارة المشروعات، أمّا مادة القانون الإداري فهي مادة قانونية تتعلق بالإدارة العامة وحدها دون الإدارة الخاصة.

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


تبقى الإشارة أيضًا إلى أنَّ هذه الكلمة تثير الكثير من الجدل والاختلاف حول تحديد مدلولها في اللغة القانونية، ومما يساعد على غموض كلمة الإدارة وعدم تحديد مدلولها تحديدًا كافيًا شافيًا: ظهور مادة جديدة تحمل اسم علم الإدارة العامة، الذي نال عناية خاصة في بعض الدول الأوربية والأمريكية.
على كل حال؛ اعلم أن اتساع مجالات الدولة الحديثة وتعدد صور نشاطها قد استلزم وجود أجهزة إدارية متعددة ومعقدة، فتزايدت مشاكل الإدارة، وتنوعت أنماط العمل الإداري وأساليبه، واتخذ نشاط الإدارة طابعًا فنيًّا واضحًا، ومن هنا نرى أن علم القانون الإداري وإن تميز من علم الإدارة العامة؛ فإنهما وثيقا الصلة، حقيقة؛ فإن علم الإدارة العامة قد نشأ مستقلًّا عن علم القانون الإداري في الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا، ولكن علم الإدارة العامة قد نشأ أصلًا في فرنسا في كنف القانون الإداري، وظل علم الإدارة العامة مرتبطًا أشد الارتباط بالقانون الإداري، واستمرت الدراسات الإدارية إلى وقتنا هذا متميزة بصبغة قانونية واضحة، وإن كانت أقل وضوحًا منها في الماضي.
والخلاصة أن تعريف الإدارة العامة قد اختلط زمنًا بتعريف القانون الإداري، لكن بعد تعقد المشاكل الإدارية في الدولة الحديثة اتخذت الدراسات الإدارية طابعًا جديدًا غلب فيه الطابع الفني على الطابع القانوني، وأخيرًا استقل علم الإدارة العامة عن القانون الإداري، وأصبح علم الإدارة العامة يبحث في الجوانب الفنية المتعلقة بالتنظيم الإداري، والتوظيف والتدريب واستخدام الأساليب الأصلح في ممارسة النشاط الإداري، بينما بقيت الجوانب القانونية لهذه المسائل من مجالات القانون الإداري.

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


المميزات الأساسية للقانون الإداري

وأهم الخصائص المميزة للقانون الإداري هي:
الخاصية الأولى: حداثة نشأة القانون الإداري
ترجع نشأة القانون الإداري في فرنسا إلى بداية القرن التاسع عشر؛ نتيجة لظروف وتطورات معينة خاصة بهذا البلد، أدت إلى إنشاء مجلس الدولة الفرنسي الذي بدأ يفصل في المنازعات الإدارية على استحياء، حيث كان قضاؤه مقيدًا، ولا تعتبر أحكامه نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الدولة، وشهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقدمًا كبيرًا للقانون الإداري، باعتباره قانونًا مستقلًّا متميزًا عن القانون المدني، خاصةً بعد أن انطلق مجلس الدولة الفرنسي في إصدار قضائه الذي أرسى الكثير من أحكام وقواعد القانون الإداري، وذلك بعد أن بدأت مرحلة القضاء المفوض سنة ١٨٧٢.
ومع ذلك فإن نظريات ومبادئ القانون الإداري الأساسية -التي رسمت هيكله وأسست بناءه- لم تتبلور إلا من خلال القرن العشرين، وفي مصر نشأ القانون الإداري وترعرع بصفته قانونًا مستقلًّا ومتميزًا بأحكامه وقواعده بعد إنشاء مجلس الدولة المصري سنة ١٩٤٦، رغم أن بذوره كانت قد زرعت في أرض القانون العام عن طريق الفقه والقضاء قبل هذا التاريخ بسنوات عديدة،

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


وفي لبنان مثلًا كان لإنشاء مجلس شورى الدولة سنة ١٩٢٤ أثر كبير في المساهمة في إنشاء القانون الإداري بها؛ إذ قام المجلس بدور أساسي في إرساء قواعد وأحكام القانون الإداري بواسطة ما أصدره من اجتهاد وقرارات، وما قام به من صياغة للعديد من القوانين والمراسم الاشتراكية، رغم الصعوبات الكثيرة التي مر بها منذ هذا التاريخ حتى الآن.

الخاصية الثانية: عدم تقنين القانون الإداري
ذلك أنه عندما صدرت مجموعات القوانين المختلفة في عهد نابليون -في أوائل القرن التاسع عشر- كان القانون الإداري في الطور الأول لنشأته، ولم يكن من المتصور أن يقنن في مجموعة قانونية تضم المبادئ والأحكام والقواعد المنظمة لمجالاته المختلفة، ورغم ما حدث بعد ذلك من تطور كبير للقانون الإداري ورسوخ قواعده وتبلور مبادئه، واكتمال نظرياته، فإن الاتجاه الغالب في فقه القانون العام ظل متحفظًا تجاه العمل على تقنين القانون الإداري حتى الآن، ويرجع ذلك فيما يبدو لنا إلى أن القانون الإداري لم يتوقف قط عن التطور والتغير؛ ليتلاءم مع الظروف والتطورات المستجدة من ناحية، كما أنه من ناحية أخرى يعتمد إلى حدٍ كبير على سلطة القاضي الإداري التقديرية، وحريته في استنباط الأحكام وتطبيق القاعدة القانونية المناسبة لظروف المنازعة الإدارية، والمتلائمة مع طبيعة القانون الإداري.

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


وأخيرًا فإن التقنين يضفي ثباتًا ورسوخًا على نصوص التشريع، وهذا يتنافى مع خصيصة التطور والمرونة التي يتسم بها القانون الإداري، وعلى النقيض من ذلك يوجد اتجاه فقهي ينادي بأن الوقت قد حان لتقنين القانون الإداري؛ من أجل ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم إزاء السلطة الإدارية، وقد جرت محاولة لتقنين القانون الإداري في مصر -على سبيل المثال سنة ١٩٥6- فتكونت عدة لجانٍ قانونية لمراجعة القوانين المختلفة وتجميعها وتنسيقها، وإعادة صياغتها وتطويرها؛ لتتلاءم مع الأوضاع الجديدة بعد الثورة، بيد أن صدور القوانين الاشتراكية واتساع حركة التأميم جعل هذه اللجان تتوقف عن عملها، حيث اتضح لها صعوبة تقنين القانون الإداري إزاء حدوث هذه التطورات والتغيرات الأساسية.
ورغم عدم تقنين القانون الإداري في مجموعة تشريعية متكاملة، فإن العديد من موضوعاته قد نظمت بتشريعات خاصة مثل: قوانين العاملين المدنيين في الدولة، ومجلس الدولة، والحكم المحلي، والهيئات العامة، وامتياز المرافق العامة، وغير ذلك من التشريعات الجزئية العديدة، وفي لبنان رغم عدم تقنين القانون الإداري بها -مثل بقية دول النظام اللاتيني- فقد صدرت عدة تشريعات تتعلق بعدد من موضوعات القانون الإداري مثل: التشريعات الخاصة بالموظفين والبلديات، ومجلس شورى الدولة، وأملاك الدولة العامة والاستملاك إلى آخره.

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


الخاصية الثالثة: القانون الإداري قانون قضائي
وقد تبين لنا من دراستنا السابقة أن القاضي الإداري يقوم بدور إنشائي متميز عن دور زميله القاضي المدني، الذي ينحصر في تطبيق القانون على المنازعات المطروحة أمامه بصفة أساسية؛ إذ كان لحداثة نشأة القانون الإداري، وعدم تقنينه في مجموعة واحدة وتطوره المستمر، أثر كبير في قيام القضاء الإداري بمهمته الكبيرة في استنباط القواعد الملائمة لطبيعة الروابط الإدارية، وتطبيقها على المنازعات الإدارية.
وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا؛ لأن القاضي الإداري ملزم بالفصل في النزاع المطروح أمامه، فإذا لم يجد القاعدة الملائمة للتطبيق على المنازعة في التشريع، فإنه يبحث عنها في المبادئ العامة للقانون الإداري، فإذا لم يجد فإنه يلجأ إلى القانون المدني ليستعين بأحكامه العامة التي تصلح للتطبيق على العلاقات التجارية، فإذا لم يجد فإنه يقوم باستنباط القاعدة القانونية المناسبة من القواعد المدنية، ويعدلها بما يتلاءم مع طبيعة المنازعة الإدارية.
وبذلك يكون القضاء الإداري قد تخطى حدود الدور التفسيري الذي يضطلع به القضاء المدني، وقام بدور إبداعي في البحث عن القاعدة المناسبة للمنازعة الإدارية وتطبيقها، وقد تمثلت حصيلة هذا المجهود الكبير للقضاء الإداري في وضع النظريات العامة للقانون الإداري، وفي ترسيخ أحكامه ومبادئه، وكذلك في تأسيس قواعده مما ساعد على استقلال القانون الإداري، ومسايرته للتطورات المتلاحقة في المجتمع المعاصر، وهكذا يقوم القاضي الإداري -في النظام القانوني اللاتيني- بدور مشابه للدور الذي قام به آخرون في القانون الروماني، ولكن دور القاضي الإداري لا يتطابق مع دور القضاء في النظام الأنجلوسكسوني؛ لأن السوابق القضائية لا يعتد بها بصفة رسمية في النظام اللاتيني.

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


الخاصية الرابعة: القانون الإداري قانون متطور ومرن
وذلك نظرًا للارتباط الوثيق بين القانون الإداري والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في الدولة، فإنه يتميز بأنه سريع التأثر بما يطرأ من تطورات وتغييرات في هذه النظم، وبما أن هذه التطورات مستمرة فإنه يجب على القانون الإداري أن يلاحقها بصفة دائمة، وأن يكون على قدر كبير من المرونة في مواجهتها والتلاؤم معها حتى لا يتحول إلى قانون جامد ومتخلف من ناحية، ولكي لا تقف هذه التطورات في وجه نشاط السلطة الإدارية في الدولة وسعيها نحو تحقيق أهدافها من ناحية أخرى.
فقد حدثت تطورات عديدة في القانون الإداري منذ نشأته في أوائل القرن التاسع عشر حتى الآن، سواء من حيث اتساع مجالات تطبيقه أو من جهة مضمونه القانوني؛ إذ كان للحروب العالمية والمحلية، وما تتطلبه من استعدادات وتنظيمات لمواجهتها والتغلب على آثارها ونتائجها -أثر كبير في اتساع مجالات القانون الإداري، ومن ناحية أخرى ساعد انتشار الأفكار الاشتراكية، وتأثير المذاهب الاشتراكية والاجتماعية على الدول الحديثة -أو بعضها- على اتساع نطاق تطبيق القانون الإداري، نظرًا لاتساع وظيفة الدولة الحديثة وتدخلها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، التي كانت ميدانًا للنشاط الفردي قبل ذلك.

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


كما أثر التقدم العلمي والتقني إلى حد كبير على نطاق تطبيق القانون الإداري؛ حيث احتقرت الدولة الحديثة الصناعات الضخمة التي تتطلب رءوس أموالٍ كبيرة؛ لشراء المعدات والآلات المعقدة الباهظة الثمن لعدم قدرة الأفراد على شرائها؛ ولهذا نجد أن معظم الدول المعاصرة تتولى إدارة مشروعات الكهرباء والسكك الحديدية والحديد والصلب، وصناعات البترول وشركات الطيران ومصانع الأجهزة الإلكترونية والمحاسبية وغيرها من الصناعات الحديثة.وأخيرًا كان للزيادة الضخمة في عدد سكان دول العالم الوقت الحاضر أثر كبير في اتساع مجالات القانون الإداري في ميادين الإسكان والعمران والمدن الجديدة، وغير ذلك من الشئون التي تمثل ميادين مهمة للنشاط الإداري.
أما تطور القانون الإداري من جهة مضمونه ومحتواه؛ فإن التطور والتجديد في هذا الميدان لم يتوقف عن استحداث أحكام ومبادئ جديدة، وهجْر القواعد التي لم تعد تتلاءم مع التطورات والتغيرات المستجدة.


٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


الخاصية الخامسة: أصالة القانون الإداري واستقلاله
حيث يقول الدكتور ثروت بدوي -وهو أستاذ القانون العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة- بعد أن ذكر بالتفصيل الخصائص الأربعة السابقة يقول: "من كل ما تقدم تبين لنا أن القانون الإداري نشأ مستقلًّا عن القانون المدني، وأنه لا يستمد قواعده وأحكامه من أي قانون سابق، فالقانون الإداري من صنع القضاء الإداري الذي أرسى قواعده وأسس أحكامه، مستوحيًا إياها من حاجات الإدارة وما تتمتع به في ممارستها لنشاطها من مظاهر السلطة والجبروت.
وليس معنى ذلك أنَّ القضاء الإداري لا يستعين بأحكام القانون المدني أو أنه يستبعدها بصورة مطلقة، فالقضاء الإداري يلجأ إلى القانون المدني في غير قليل من المناسبات ليطبق من أحكامه كل ما لا يتنافى مع طبيعة المشاكل الإدارية، غير أن القضاء الإداري يتمتع بحرية كاملة في تطبيق قواعد القانون المدني، واستقلال القانون الإداري عن القانون المدني يعني أن القاضي الإداري يستنبط الحلول المناسبة للمنازعات الإدارية التي تثار أمامه، ويبتدع القواعد والأحكام التي تحسم هذه المنازعات في حرية تامة، دون أن يكون ملزمًا بتطبيق القواعد المدنية".ويمضي قائلًا: "إنَّ استقلال القانون الإداري وأصالته لا يحولان دون تطبيق قواعد القانون المدني في بعض المنازعات الإدارية".

٢.٧ مصادر القانون الإداري ومميزاته الأساسية


ثم يقول: "واستقلال القانون الإداري عن القانون المدني يعني أولًا: أن القاضي الإداري ليس ملزمًا بتطبيق قواعد القانون المدني، ويعني ثانيًّا: أن بعض قواعد القانون الإداري تختلف عن قواعد القانون المدني التي تنظم الحالات المماثلة، ودرجة الاختلاف بين هذه القواعد وتلك تعلو أو تهبط حسب الأحوال، فهناك قواعد إدارية تكون مجرد تحوير أو تعديل جزئي في القواعد المدنية المقابلة، وهناك قواعد إدارية تكون متعارضة تمامًا مع قواعد القانون المدني، واستقلال القانون الإداري يعني، ثالثًا: أصالته على أن الأصالة لا تتحقق لجميع قواعد القانون الإداري، وإنما تتميز بها تلك القواعد التي استنبطها القاضي الإداري باجتهاده لتنظيم الحالات التي لا مقابل لها في القانون الخاص، فهي قواعد من خلق وإبداع القاضي الإداري، وهي قواعد أملتها حاجات الإدارة ومستلزماتها، واتسمت بطابع السلطة العامة لذلك قلنا: إنها قواعد أصيلة؛ لأنها ليست مستمدة ولا مستوحاة من القانون الخاص".