٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


تعريف الإدارة في الإسلام

من الملاحظ أن الدولة الإسلامية، قد خرجت على التدرج المألوف بالنسبة إلى الدول الحديثة فيما يتعلق بتعريف الإدارة ومرتكزاتها، فلقد قامت هذه الدولة في أول الأمر على أساس السلطة، ثم بدأت تتحول تدريجيًّا إلى دولة الخدمة أو الرفاهية، إلا أن الدولة الإسلامية قامت لتسهر على حياة كل مواطن، وأقصى ما وصلت إليه معظم الدول الاشتراكية والرأسمالية في الوقت الحاضر، ينحصر في تأمين المواطنين ضد المرض والشيخوخة والبطالة، أما في الدولة الإسلامية، وخاصة على عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد كان لكل طفل يولد نصيب في بيت المال، يؤدى إليه حيثما يوجد، وكان شعار هذا القائد الإداري الإسلامي العظيم: "لو تعثرت دابة بصحراء الشام، لسئل عمر: لماذا لم يمهد لها الطريق؟"، وإدارة بمثل هذه تحتاج إلى مقدرة فائقة وكفاءة عالية، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار، اتساعها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، مع صعوبة المواصلات واعتمادها على وسائل بدائية.
إن القيادة العامة في الإسلام، كانت عملًا شخصيًّا، الاعتماد الأساسي فيه يقوم على القدرة الذاتية أو على المقدرة الذاتية، ومعنى ذلك أنَّ الإدارة الإسلامية في بداياتها، كانت تنتمي إلى الفن، صحيح أنّ الفن الأصيل يدرك القواعد العلمية بالسليقة أو بالفطرة، ولكنه إدراك يعتمد على الذكاء والحس المرهف، أكثر من اعتماده على قواعد علمية معروفة سلفًا.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


وقد وضع الإسلام مبدأ الشورى، وانطلاقًا من هذا المبدأ، نجد أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد أدرك بسليقته كل معاني الإدارة العامة الحديثة، بل ووصل فيها إلى أبعد مما توصلت إليه كثير من الدول الحديثة التي تفاخر بنظمها الإدارية، والفرق بين ما أخذ به عمر -رضي الله عنه- وما تأخذ به الدول الحديثة، يكمن في الصياغة لا في الجوهر.
وقد تجلت معاني الإدارة الإسلامية في الصور التالية:
التعاون في الوصول إلى حكم الشرع.
محاولة كشف الأخطاء الملازمة للإدارة.
الوصول إلى الحل السليم فيما يجدُّ من أمور.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


وقبل ذلك وضع القرآن الكريم أسس الإدارة العامة في قوله عز وجل: ((يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ *
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ))
[يوسف: ٤٦ – ٤٩].
فقد أدرك المسلمون الأوائل، أهمية الإدارة العامة، فأشار بعض كبار الصحابة على سيدنا عمر -رضي الله عنه- عندما تكاثرت أموال الفتوحات، بأن ينظم الدواوين لإثبات أسماء المسلمين والجنود، وأن يقرر لكل فرد نصيبًا من هذه الأموال من بيت مال المسلمين، ليس هذا فحسب بل إن سيدنا عمر، أنشأ بعد ذلك العديد من الدواوين، من بينها ديوان الجند وديوان الخراج، وبيت المال، ورتب الأرزاق للمسلمين على أساس منازلهم وأسبقيتهم في الدخول إلى الإسلام، وبذلك كان عمر أول من اعتنى بالإدارة، وعمل على تطبيقها في أجهزة الدولة الإسلامية. والتعريف الذي نقترح صوغه، في ضوء التفصيل والشرح الذي قدمناه هو التالي: الإدارة العامة في الإسلام هي "تنظيم وإدارة القوى البشرية؛ لتحقيق أهداف الدولة الإسلامية في إطار أحكام الشرع".

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


طبيعة الإدارة في الإسلام

ن الإدارة العامة بمعنى تنظيم وإدارة القوى البشرية والمادية، لتحقيق الأهداف الحكومية، هي جزء لا ينفصل عن نشاط كل جماعة منظمة، وتكون جانبًا من عمل الحاكم، سواء أدرك الحاكم هذا المعنى أم لم يدركه، ولكن بالنظر إلى طبيعة السلطة، التي كانت تقوم عليها الدول في الماضي، فإن نشاط الحكام المتصل بالإدارة، لم ينفصل ويتميز بذاته؛ ولهذا انتشر القول، بأن الإدارة هي فن يولد مع الشخص ولكن لا يكتسب، لا شك بأن الإدارة في أول عهدها، كانت أقرب إلى المواهب الشخصية منها إلى العلم المنظم، ولهذا لم يجادل أحد في أنها فن. وقد ساعد على ذلك أن الإداريين في الدول القديمة، كانوا يختارون على أسس أرستقراطية.
وهكذا كان الحاكم في الماضي يعتمد على حسن تقديره للأمور، وعلى إلهامه الشخصي في تسييره للشئون العامة، وقد ساعد على ذلك، اقتصار وظائف الدولة على الجانب السياسي، الذي يتمثل في المحافظة على كيانها، في مواجهة العدو الخارجي، وفي الضرب على أيدي العابثين من أبنائها، أو الخارجين على القانون، وفي إقامة العدل بين الناس، ومن ثم لم يكن الحاكم يدير إلا مرافق ثلاثة، هي الجيش، البوليس، القضاء.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


أما بعد أن صارت الدول تقوم على أساس الخدمة لا السلطة، وبعد أن أصبح نشاطها يمتد إلى جميع الأفراد من وقت الولادة وحتى الوفاة، فقد انتشرت الدراسات المتعلقة بكيفية تنظيم أجهزة الدولة، واكتشاف مبادئ الإدارة العامة، التي تكفل أداء الوظائف الحكومية، في أقصر وقت وبأقل تكلفة وبأقصى فاعلية، ونتيجة لكل هذه الدراسات نشأ علم الإدارة.
وأصبح من المسلم به في الوقت الحاضر، أن الإدارة تجمع بين صفات العلم والفن معًا، فهي علم بالقدر الذي تكشف عنه البحوث والتجارب، التي تتم في نطاق الإدارة العامة، من قواعد وتوجيهات تتبع في تحقيق الأهداف العامة، وهي فن من حيث إن التزام القواعد العامة في التنظيم الإداري، لا يؤدي إلى نتائج مماثلة في جميع الحالات، بل نجد إدارة معينة، تتسع بكفاءة عالية تحت قيادة بعينها، وتقل كفاءتها تحت قيادة أخرى، مع بقاء كافة الظروف الأخرى على حالها. وبالرجوع إلى الإدارة في الدولة الإسلامية، ندرك الحقائق التالية:
أولًا: إن الدولة الإسلامية خرجت على التدرج المألوف، بالنسبة إلى بقية الدول؛ إذ إن هذه الدول، قد قامت في أول الأمر على أساس السلطة، ثم بدأت تتحول تدريجيًّا إلى دولة الخدمة، في حين أنَّ الدولة الإسلامية، بدأت منذ نشأتها في المدينة دولة خدمة، بحيث إن لكل مسلم جميع الحقوق، وقد كان لكل طفل يولد نصيب في بيت المال، ويؤدى إليه حيثما وجد، ولو كان دابة بصحراء الشام، لسئل عمر: لماذا لم يمهد الطريق لها؟ إن إدارة هذه الدولة الإسلامية دولة الخدمة، تحتاج إلى مقدرة كبيرة وكفاءة عالية.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


الحقيقة الثانية: أن قيادة الدولة الإسلامية كانت عاملًا شخصيًّا، اعتمد فيها أساسًا على المقدرة الذاتية، ومعنى ذلك أن الإدارة الإسلامية كانت تنتمي إلى الفن.
ثالثًا: إنّ الصفات التي سجلتها كتب التاريخ للقادة المسلمين، وفي مقدمتهم القائد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تجعلهم أقرب إلى الأسطورة، وإذا أردنا أن نأخذ القائد عمر بن الخطاب، كنموذج للإداريين الإسلاميين، فإننا نجد أن الأخبار المؤكدة في مسيرة هذا القائد الإداري، تجعل له وضعًا فريدًا، فجميع الصفات المطلوبة اليوم في القائد الناجح، قد توافرت في شخص هذا القائد الإداري العظيم، لدرجة تجعلنا نؤكد أن شخصية عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- غير قابلة للتكرار، ويكفي أن رسول الله -صلى الله عليه سلم- قد دعا ربه أن يعز الإسلام بأحد العمرين؛ أي عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام -وهو أبو جهل.
هذه صورة مشرقة، وإن تحققت في شخص القائد الإداري عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنها برأينا غير قابلة للتكرار، ومن الخطأ أن يقام نظام للحكم في الدولة الإسلامية، على وجود حاكم من هذا الطراز، ومن ثم فإننا ندعو إلى التأكيد، بأن نظم الحكم في الإسلام، لا يمكن أن تستقيم بحسن النوايا وحسب، ولكن بالضمانات والأطر الإسلامية، وبتحديد المسئوليات وبرقابة المسئولية وبالمحاسبة، وذلك كله قد طبق خلال عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


والخلاصة أننا نخلص إلى الاستنتاج بعد هذا العرض، إلى أن الإدارة العامة في الإسلام، فن في الأساس، ونرى أن تكون اليوم ذات طبيعة مختلطة، فإضافة إلى الفن الذي تميز به قادة الإسلام الأوائل، فإن هذا الفن الأصيل، كان يدرك القواعد العلمية بالسليقة، وإلى الأخذ عن أحد؟؟؟ من الرسول الكريم -صلى الله عليه سلم- ولذلك يجب الأخذ بهذه القواعد العلمية، التي أرساها القادة الإداريون المسلمون -رضي الله عنهم أجمعين.
إن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان لدى طرحنا عنوان: التقسيم الإسلامي هو: هل هناك تقسيم إسلامي للعملية الإدارية ولمباحث الإدارة العامة؟
أقول: مما لا شك فيه، أنه إذا كان هناك إدارة عامة إسلامية، فإن هذه الإدارة العامة الإسلامية، تستوجب حتمًا وجود مثل هذا التقسيم ولو بشكل ضمني؛ لذلك سنحاول فيما يلي، تلمس جذور هذا التقسيم من خلال ممارسات الإدارة العامة الإسلامية، ونرى حصر البحث لهذه المسألة، في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يتبين لنا من خلال تتبع نهج القائد الإداري، عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ممارسته للإدارة العامة، أن العملية الإدارية كانت مقسمة على النحو التالي:

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


التخطيط.
التنظيم.
القيادة الإدارية واتخاذ القرار.
التنسيق والاتصالات.
الرقابة.
هذا التقسيم وإن لم يطرح بهذا الشكل الواضح، إلا أننا نلمسه في الممارسة، التي قام بها القائد الإداري عمر بن الخطاب، ونحاول في هذه الدراسة أن نستخرج التقسيم المذكور من مكامنه، ولا نحاول أن نضع تقسيمًا مفتعلًا.
إن التخطيط الإسلامي: هو أسلوب عمل جماعي، سلكه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لمواجهة توقعات مستقبلية، اعتمادًا على منهج فكري، يؤمن بالقدر ويتوكل على الله، ويسعى لتحقيق هدف شرعي، هو عبادة الله وتعمير الكون.
أما التنظيم: فهو البناء التنظيمي المطبق في الدولة الإسلامية، والقائم على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والذي يهدف إلى تحقيق هدف شرعي، في ظل ظروف الإنسانية، ويكفي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هو أول من دون الدواوين، وقسم الدولة إلى ولايات، وأنشأ المدن خارج الجزيرة العربية، وأقام المشروعات العمرانية العديدة.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


وأما القيادة الإدارية واتخاذ القرارات: فإن عبقرية عمر -رضي الله عنه- الحقيقية، تجلت في مجال القيادة الإدارية واتخاذ القرارات، وخير مثال على ذلك، هو موقف عمر من مسألة الخلافة، وقيامه باختيار الولاة.
وأما بالنسبة لتنسيق الاتصالات: فقد اشتهر عمر -رضي الله عنه- بأنه لم يكن يبرم أمرًا، دون مشورة المسلمين، وأول القرارات الكبرى التي صدرت نتيجة مشورة اتصلت بمبدأ مهم، أصبح فيما بعد تقليدًا؛ هو: هل يذهب الخليفة إلى قتال الأعداء على رأس الجيش، كما كان يفعل الملوك والأمراء في سابق الأيام، أو يبقى في المدينة عاصمة الدولة فيسير الجيوش بعضها في إثر بعض؟
وقد وصل عمر -رضي الله عنه- إلى القاعدة العصرية بعد مشورة طويلة، وهذه القاعدة تقضي بأن رئيس الدولة، لا يتولى القيادة الفعلية للجيش، بل يتركها لمحترف على أن يصرف جهده في رسم البيانات أو السياسات العامة، وتعبئة الدولة للقتال في حالة الحرب، ولولا أن هذه القاعدة وليدة التنسيق والاتصال والمشورة المتبصرة، لما استطاع عمر -رضي الله عنه- أن يسير كل هذه الجيوش في آسيا وأفريقيا، في هذا المدى القصير من الزمن، وأن يحقق ما حققه من انتصارات، تعتبر من قبيل المعجزات.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


نظرية الإدارة في الإسلام وخصائصها

تمتاز نظرية الإدارة في الإسلام على سائر النظريات الأخرى، في تركيزها على جميع المتغيرات، التي تؤثر في العملية الإدارية داخل المنظمة وخارجها، وربط سلوك الفرد العامل بالمؤثرات الاجتماعية، فلقد أدخلت النظرية الإسلامية بعدًا اجتماعيًّا مهمًّا، ومؤثرًا في السلوك الإداري داخل المنظمة هو البعد الأخلاقي، فلا إدارة في الإسلام بلا أخلاق، كما أنَّه لا يوجد مجتمع إسلامي بلا أخلاق. فما خصائص نظرية الإدارة في الإسلام؟
نظرية الإدارة في الإسلام مرتبطة بالنظرة الاجتماعية للمجتمع الإسلامي، ومرتبطة بأخلاقيات وقيم المجتمع الإسلامي.
نظرية الإدارة في الإسلام تركز الاهتمام على المتغير الاقتصادي والحافز المادي، وتعمل على إشباع حاجيات الفرد الفسيولوجية.
الشورى في الإدارة عنصر أساسي.
النظرية الإسلامية تهتم بالعوامل الإنسانية والروحية، وتحترم الإنسان كإنسان، وتشركه في العملية الإدارية، كل حسب مقدرته العقلية، وإمكانياته واستعداداته النفسية، وهذا هو المتغير الإنساني.
تهتم النظرية الإسلامية بالنظام وتحديد المسئوليات، وتحترم السلطة الرسمية والتنظيم الرسمي، وتحترم الهيكل التنظيمي، وتطلب الطاعة بالمعروف، وهذا متغير السلوك والنظام، وفيما يلي شرح موجز لأهم هذه الخصائص الخمس:

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


أولًا: الإدارة في الإسلام جزء من النظام الاجتماعي
حيث يحدد الإسلام الغاية من الوجود، ويوجد التوازن بين الفرد والوجود والمجتمع، باعتبار أن الفرد هو جزء من الكون، ونلاحظ في كثير من الآيات القرآنية هذا الربط بين الفرد والكون، في مثل قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)) [الذاريات: ٥٦، ٥٧]، وقد أوجد الله سبحانه وتعالى، شريعة ونظامًا اجتماعيًّا؛ لينظم حياة الإنسان؛ الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، تنظيمًا يتناسق مع سر وجوده وهو عبادة الله، إن العبادة لا تعني الانقطاع عن العمل والتجرد عن الدنيا، مما يتنافى مع رسالة الإنسان في تعمير الأرض، ونشر حكم الله فيها، إن العبادة تشمل كل عمل مفيد في الحياة.
وأول وظائف النظام الاجتماعي الإسلامي المتمثل في الدولة الإسلامية، توفير المناخ الملائم للفرد؛ ليقوم هذا الفرد بعبادة الله في الأرض، وتنفيذ أحكامه التي نزلت في محكم كتابه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولن تتحقق هذه العبادة في مفهومها الصحيح الواسع، بحيث يجعل الإنسان حياته، وسائر أقواله وأفعاله وتصرفاته، وعلاقاته مع الناس، طبق الأوضاع التي وضعتها الشريعة الإسلامية، إلا إذا كان المجتمع منظمًا بالكيفية التي تهيئ للفرد، أن يصوغ حياته على النهج الإسلامي المطلوب، تبدأ عملية التكوين في الأسرة، الخلية الأساسية للمجتمع، ثم المؤسسة الاقتصادية والسياسية والإدارية، وبذلك يكتمل النظام الاجتماعي الإسلامي، قال تعالى: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) [الحج: ٤١].

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


ومن وظائف النظام الاجتماعي الإسلامي، إقامة العدل بين الناس، وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
إن الإدارة هي إحدى الوسائل التي تستخدمها الدولة الإسلامية، للوصول إلى غاياتها ووظائفها، ولا بد كي تتمكن الإدارة من أداء مهمتها كما ينبغي، أن ترتبط بمبادئ المجتمع الإسلامي، فالإدارة مرتبطة بالبيئة الإسلامية، والفرد العامل ملتزم بمبادئ الشريعة الإسلامية حيثما كان، في المنزل وفي المتجر والحقل، في المنظمة الإدارية وفي المنتدى الاجتماعي، فهو يعبد الله وهو يرعى الله في كل خطوة يخطوها، إن الموظف المسلم في محل عمله، يرعى الله ويتقيه، في كل خطوة من خطوات يومه، فهو يدخل إلى منظمته الإدارية بسلوك معين، هو مخافة الله في كل ما يأتيه أو يدعه من الأمر، إن لدى الموظف المسلم خلفية أخلاقية إسلامية، هي التي توجه سلوكه داخل المنظمة الإدارية، وهنا يرتبط سلوكه داخل المنظمة بسلوكه خارجها، وهو سلوك واحد ملتزم بأوامر الله واجتناب نواهيه، في أي موقع يجد نفسه فيه.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


ثانيًا: الإدارة الإسلامية تعمل على إشباع حاجات العامل المسلم الوظيفية

حسب مفهوم الإدارة الإسلامية. فالوظيفة حسب مفهوم الإدارة الإسلامية، هي أمانة ومسئولية شخصية لدى الفرد العامل، وقد قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)) [النساء: ٥٨]، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم: ((إذا ضيعت الأمانة، فانتظروا الساعة، قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظروا الساعة))، وتتطلب الأمانة أن توكل الوظيفة والمسئولية، للشخص المقتدر الأمين، فإذا تم تأدية الوظيفة بالأمانة والإخلاص المطلوبين، وجب على رب العمل، سواء كان منظمة إدارية حكومية أو خاصة، بأن يوفي العامل أجره بقدر عمله، فقد أوصى الإسلام أن يكون الأجر معلومًا لدى الأجير، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في هذا الشأن: ((من استأجر أجيرًا فليعطه أجره))، كما أوصى أن يكون تقاضي الأجرة فور إتمام العمل دون تسويف، يقول -صلى الله عليه وسلم: ((أعطوا الأجير أجره، قبل أن يجف عرقه)).


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


ثم هناك أيضًا مبدأ الشورى في المشاركة والإدارة؛ حيث يشكل هذا المبدأ إحدى مقومات وخصائص النظرية الإدارية في الإسلام، والمشاركة أمر واجب الالتزام، قال تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) [آل عمران: ١٥٩]، إذًا؛ الله سبحانه وتعالى كرَّم بني آدم، وحفظ لهم إنسانيتهم وكرامتهم، وذلك بإشراكهم في الحكم والإدارة.
لقد حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- في إدارته للدولة الإسلامية على الشورى، فوضع إطار هذه الشورى النظامي، فكون لها مجلسًا من أربعة عشر نقيبًا، يختارهم من أهل الرأي والبصيرة، ممن يشهد لهم بالعقل والفضل، وسلك الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم- طريق الشورى أسوة بالرسول الكريم، فكان أبو بكر -رضي الله عنه- إذا نزل به أمر، يريد به مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه، دعا رجالًا من المهاجرين والأنصار، مثل عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين- وذلك بغية أخذ مشورتهم والوقوف على آرائهم.
أما بخصوص الطابع الإنساني للقيادة الإدارية الإسلامية فنقول: تتميز القيادة الإدارية في المنظمة الإسلامية، بقوة الإيمان بالهدف وبالحرص، والإصرار على الوصول إلى الغاية المرسومة، عن طريق مجموعة من العاملين المؤمنين برسالتهم، المدركين لمسئوليتهم والطامعين في ثواب الله عز وجل.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


كما تتميز أيضا بالوسطية، التي تتسم بالمهارة الإنسانية، في قيادة العاملين في المنظمة الإدارية، فهي ليست قيادة متسلطة متعالية، وليست قيادة سائبة غير مبالية، إنها قيادة تحسن التصرف، وتضع لكل حالة علاجها، وقد أوجز القائد الإداري، عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وصفها، فقال: "إن هذا الأمر لا يصلح فيه، إلا اللين في غير ضعف، والقوي في غير عنف"، وهي ليست قيادة تهتم بالإنتاجية على حسب العوامل الإنسانية، ولا هي قيادة تهتم بإسعاد الفرد على حساب الإنتاج، إنها قيادة توازن بين الاثنين، بحيث لا يتغلب جانب على الآخر.
أما عن الخاصية الخامسة والأخيرة: وهي اهتمام نظرية الإدارة في الإسلام، بالسلطة الرسمية والتنظيم الإداري. فلقد عرف الإسلام التنظيم الجماعي، وما يتطلبه من تدرج رئاسي للسلطة، قبل أن يفطن إليه غيره، إن تدرج السلطة الرئاسي، لا يعني أن ينفرد المسئول الأول بالسلطة كلها، بل وضع الإسلام لها قيودًا تحد منها، فالقيادة في الإسلام ليست تسلطية، تنفرد باتخاذ القرارات، ولا تتركها لمن هم دونها من ذوي الخبرة، بل ألزم المسلم بالشورى مبدأ وتطبيقًا في سلوكه في أي عمل جماعي بالمنظمة الإدارية، وألزم الأخذ بما ينتهي إليه رأي الجماعة، ووجب على المسلمين طاعة القائد، إلا أن يأمر بالمعصية، فإن فعل فلا سمع ولا طاعة.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


إن المجتمع الإسلامي هو مجتمع عقائدي، والموظف العام هو فرد من أفراد ذلك المجتمع، ويقوم بأداء عمل لصالح المجتمع نفسه، ولذلك فإن عليه واجبات ثلاثة؛ الواجب الأول: المساهمة في تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية. والواجب الثاني: أداء العمل بالإخلاص والتفاني والأمانة، مستشعرًا مسئوليته أمام الله، قبل مسئوليته أمام رؤسائه، فالوظيفة أمانة وعهد. الواجب الثالث والأخير: طاعة الرؤساء بالمعروف، والطاعة لولي الأمر مسألة ضرورية، لتنظيم الحياة وسيرها.

٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx


٢.٦ نظرية الإدارة في الإسلام وتعريفها وخصائصها


xxxxxxx