١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


فكرة الإدارة قديمًا وحديثًا

في مطلع هذا الدرس نحرص على إبراز الفكر الإداري الإسلامي، وما يحتويه من منهاج شامل ومتكامل لإدارة المجتمع الإسلامي، ومن العوامل التي تشجعنا على المضي في دراسة الفكر الإسلامي، في جميع نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هو بدء حركة اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة؛ حيث صار بالإمكان التعامل مع الواقع الإسلامي، بشكل علمي مدروس، كما تهدف هذه المحاولة إلى الكشف عن مزايا الفكر الإسلامي ونشره بأسلوب حديث كفكر شامل، يرمي إلى صلاح البشرية في سائر شئونها.
إن بعض الكتاب الذين تعاطوا مع الفكر الإسلامي في مجالاته المختلفة، انطلقوا في كتاباتهم كرد فعل للفكر المعاصر، الذي اجتاح الأقطار الإسلامية قديمًا من العالم الغربي، وراحوا يجهدون وسعهم في الدفاع عن الإسلام، في إبعاد التهم الملصقة زورًا وبهتانًا به، من أنه رجعي لا يصلح للتطبيق في العصر الحديث، ونحن نعذر هؤلاء؛ إذ قد مرت على الفكر الإسلامي فترات من الركود والجمود، مما أدى إلى حجب معالمه وقيمه، وقدرته على مسايرة الزمن، وأدت إلى خلق الشك لدى المسلمين في المنهج الإسلامي، وقدرته على تحدي عوامل الزمان والمكان.
ولكن ما أغنانا أن نضع الإسلام والفكر الإسلامي، أمام فكر معاصر من اجتهاد البشر لنقارنه به؛ ذلك لأن معنى جعل الفكر البشري مقابلًا للإسلام لنقيم مقارنة بينهما، هو أننا رفعنا الفكر البشري إلى مرتبة الفكر الرباني، ولا نرى نصرًا وسعادة في هذه المقارنة،

١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


بأن يفوز الإسلام على الفكر البشري؛ لأن فوزه على فكر بشري، لا يعطيه ميزة جديدة كان يفتقدها، إلا أن واقع الحياة التي نعيشها، والنظم التي تحكمنا والأفكار الغربية التي غزتنا، ووسائل إعلامها ودعايتها ونشرها، التي تهيأت لها من جهة، وخلو أذهان ونفوس المسلمين من معرفة حقيقة الفكر الإسلامي من جهة أخرى، هي التي اضطرتنا إلى أن نقارن بين الإسلام والفكر المعاصر، ثم ننعت الفكر الإسلامي بنعوت، هي في الواقع من صميم معدنه، ولكننا نعزوها للأفكار المعاصرة، فنقول مثلا: إن الإسلام اشتراكي الاقتصاد، أو إن الإسلام ديمقراطي الحكم، أو إن الإدارة في الإسلام أقرب إلى حركة العلاقات الإنسانية، منها إلى حركة الإدارة العلمية.
إننا لو أمعنا النظر في الفكر الإسلامي في أي مجال من مجالاته، نجد منهاجًا متكاملًا للحياة، يحتوي على كل الخير والميزات، التي جاءت بها النظريات المعاصرة، وربما أكثر من ذلك، نحن نعتقد هذا تمامًا، ولا نهدف من وراء ذلك في الواقع، أن نبخس فكرًا معاصرًا حقَّه، في الإتيان برأي اقتصادي مثلًا صائب، أو فكرة في الحكم تتناسب وأوضاعه، ولكن إذا كان في الإسلام ما يحقق للمجتمع المسلم، اقتصادًا متميزًا مثلًا أو إدارة متميزة أو اجتماعًا متميزًا، فلماذا لا نقول: ذاك هو الإسلام؟! إذًا علينا أن نرجع بكل فكرة من الأفكار المعاصرة، إلى الإسلام وإلى رجاله المتخصصين، الذين قال الله فيهم: ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)) [النساء: ٨٣]، فعلى علماء المسلمين في شتى المجالات العلمية والفكرية، أن يدرسوا الفكر الإسلامي ويظهروه للناس، وعندئذ سينتهي بنا المطاف إلى الانتصار لقضية الإسلام. ويجب في هذه المناسبة أن نتنبه إلى أمرين:

١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


الأمر الأول: أنَّ الإسلام في شئون الإدارة، لم يأت إلا بكليات ومبادئ عامة، أما التطبيقات والتفصيلات فهي متروكة للأجيال، يجتهدون فيها بما يتفق والمصلحة العامة، التي تتغير عادة بتغير الزمان والمكان، وكل الشروط في هذا الشأن، أن يكون هذا الاجتهاد في إطار تلك المبادئ العامة والكليات.
الأمر الثاني: أن كل اجتهاد هو جزء من الشريعة، التي تتسع باستمرار، لكل ما يصلح شئون المسلمين في الدنيا والآخرة، فقد كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مثلًا- مجتهدًا عندما أنشأ الديوان، ولقد أنشأه نقلًا عن بلاد أخرى؛ الفرس أو الروم، ولا ضير في هذا، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، أو هو أحق الناس بها، ثم إننا مطالبون بفعل الأصلح، وإننا مطالبون بأن نكون دائمًا أقوياء، إننا مأمورون بطلب العلم بأوسع المعنى لمضمون العلم، وليس علينا من قيد في كل هذه الشئون، إلا أن نتناولها باسم الله، وفي الحدود التي حدها الله.

١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


إننا مأمورون مثلًا بالعدل، فإذا كان القانون الإداري المطبق في فرنسا مثلًا، هو القانون الذي يحقق العدل، فلننقل إلى شريعتنا هذا القانون، ولا أقول: إنه ليس علينا في ذلك بأس، وإنما أقول: إننا إذا لم نفعل -ما دمنا نستطيع- فعلينا البأس كل البأس، وعلينا في حالة النقل عن الغير، أن نصب هذا الذي ننقله في قوالبنا، وأن نصيغه بصيغتنا، وأن نصبغه بصبغتنا، وليكن واضحا أننا لا نلجأ إلى النقل في هذا الشأن، إلا عندما لا نجد في تراثنا الفقهي ما يغني عنه.
إن الإسلام يحض على اتخاذ جميع الوسائل وأحدثها؛ لإنجاح المشروعات الخاصة ما دامت غير خبيثة، وما دام صاحبها يعرف حق الله والعبد فيها، وأنه يتسع للإدارة العامة كذلك، ومن باب أولى؛ لأن المصلحة العامة، يتعلق بها حق المجتمع، ويبرز فيها حق الله أكثر منه في المصلحة العامة، فالثروات الخاصة جزء من الثروة العامة، فلنتصور مثلًا مشروعات خاصة، وفرت للبلاد حاجتها من الحبوب واللحوم، هذا يعني استغناء البلاد عن استيراد هذه الضروريات من بلاد أخرى، وأثر هذا على ميزان التجارة الخارجية، والاقتصاد القومي والاستقلال السياسي معروف، فلا استقلال سياسيًّا دون استغناء اقتصادي، والمال في الإسلام مال الله، جعلنا الله مستخلفين فيه، واستعمالنا لهذا المال مشروط، بما شرطه المالك الحقيقي للمال وهو الله، ومن هذه الشروط عدم كنز المال، وإنما إطلاقه للاستثمار الحلال والكسب المشروع، ومن المقرر أنه ليس للمسلم من ماله مهما كثر، إلا ما يكفيه وأهله بالمعروف.

١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


مميزات الإدارة

يرتكز مفهوم كلمة الإدارة إلى المعنى اللغوي اللاتيني الأصل، وهو الذي يعني خدمة الغير أو تقديم العون للآخرين، وفي اللغة الفرنسية مثلًا، نجد معنيين لها، المعنى الأول ينصرف إلى الإدارة الخاصة، مثل قيام الزوج بإدارة أموال الزوجة المشتركة، والمعنى الثاني ينصرف إلى الإدارة العامة، مثل قيام عمدة البلدة بإدارتها، ويتبين لنا مما سبق بيانه بإيجاز، أن معنى الإدارة الواسع، ينصرف إلى توجيه الجهد البشري؛ بغية تحقيق هدف معين، سواء كانت الإدارة عامة أم خاصة، بالرغم من وجود فروق كثيرة.
أهم مميزات الإدارة: تتميز الإدارة بأنها إنسانية، وضرورية، وتسعى نحو هدف معين، وإليك جانبًا من التوضيح لكل ميزة من هذه الميزات الثلاثة.

الميزة الأولى: أن الإدارة إنسانية أو "إنسانية الإدارة"
ذلك أنَّ الإدارة تنصبّ على الجهد البشري، وترتكز على العلاقات الإنسانية والتعاون الجماعي، فهي تتميز بالطابع الإنساني، ولهذا فإنَّ نجاح الإدارة يتوقف على العنصر البشري فيها، ومن هنا فإنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يختار الولاة والعمال حسب الكفاءة، وحسب طبيعة العمل الذي سيتولاه كل منهم، وكان يقدر لهم رواتب، كل بقدر عمله وبحسب حاجته، وكان يزودهم بالوصايا ويداوم الرقابة عليهم، فإن اعتماد الإنسان في عمله الإداري على الأجهزة الإلكترونية الحديثة وعلى الحاسب الآلي،

١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


ليس من شأنه أن يغير من الطابع الإنساني للإدارة، ذلك أن الإنسان هو الذي يتولى إدارة الآلة، وهو الذي يقوم باستخدامها لأغراضه، وهو الذي اخترع هذه الآلة، ولهذا فإن نجاح أية إدارة يعتمد في المقام الأول على ما يبذله أفرادها من جهد، وعلى درجة إخلاصهم وتفانيهم في العمل.
والإسلام يعتبر مصالح الناس أمانة، ومن خانها حوسب في الدنيا والآخرة، وعلى كل عامل أن يؤدي للوظيفة حقها، في التفاني والإخلاص، وأختم الكلام في هذه الميزة أو في هذه الخاصية، بالقول: إنّ هذا الجانب الإنساني في الإدارة، يعتبر من أحدث الاتجاهات العلمية المعاصرة؛ فقد ثبت فشل المبادئ العلمية البحتة التي تهمل الجانب الإنساني من الإدارة، ولهذا السبب اتجهت معظم النظريات العلمية الحديثة، إلى الاهتمام بكل شئون العاملين في التنظيم الإداري، في حين أنَّ مثل هذا الأمر، يعتبر من المسلمات البديهية في التنظيم الإداري الإسلامي، فهذا القائد الإداري العظيم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يمزق كتاب الولاية لأحد المرشحين، عندما اكتشف أنه لا يحنو على أطفاله، فقال قولته المشهورة: "إنه لم يرحم الأولاد، فكيف يرحم الرعية؟!".


١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


الميزة الثانية: ضرورة الإدارة
إن لكل نشاط بشري هدفًا محددًا يسعى للوصول إليه، ولا بد من توجيه هذه الجهود في سبيل تحقيق هذا الهدف، ولا يعقل أن يترك الأمر لكل عضو في جماعة أن يتصرف بالأسلوب الذي يراه مناسبًا من تلقاء نفسه، وذلك لأنه إذا حصل مثل هذا الفرض، فستكون النتيجة فشل تلك الجهود في الوصول إلى هدفها؛ نظرًا لما سيقع من خلافات ومشاحنات بين أعضاء تلك الجماعة، مما ينتج عنه الإضراب والفوضى، وتطبيقًا لذلك لم يكن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقنع بحسن اختيار الولاة، إنما كان يحدد لهم أسلوب العمل، والقواعد التي يسيرون عليها؛ لتكون أساسًا لمحاسبتهم فيما بعد.
وكانت هذه القواعد تحدد إمّا في صورة خاصة، وذلك في عهد الولاية، وإما في صورة عامة، وذلك في مؤتمرات الولاة التي كان عمر -رضي الله عنه- يعقدها، وأشهرها مؤتمر الحج، أما الشروط الخاصة فكان عمر -رضي الله عنه- يضمنها كتاب الولاية، وقد جرى على أنه إذا استعمل رجلًا، كتب له كتابًا وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار، بألا يظلم أحدًا في جسده ولا في ماله، ولا يستغل منصبه لفائدة أو مصلحة له أو لمن يلوذ به، وكان يحدد للعامل سلطاته.
وبذلك يتضح لنا ضرورة الإدارة، سواء في النشاط الخاص، كإدارة الشركات والهيئات والجمعيات التي تباشر نشاطها تجاريًّا أو زراعيًّا أو صناعيًّا، وأيضًا على صعيد النشاط الحكومي، في إدارة الجيش أو الشرطة أو المؤسسات العامة، وغيرها من المصالح الحكومية.

١.٦ فكرة الإدارة ومميزاتها


الميزة الثالثة: الإدارة وسيلة لتحقيق هدف معين
إن لكل إدارة هدفًا أو أهدافًا معينة، أنشئت من أجل تحقيقها، ولعل هذه الميزة بالذات، هي التي توضح لنا الفرق ما بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة، فمن الطبيعي أن تسعى الإدارة الخاصة إلى تحقيق الربح، عن طريق الاستخدام الأمثل للوقت والجهد والمال، ولكن الإدارة العامة يجب أن يكون هدفها في الأساس تحقيق المصلحة العامة عن طريق إشباع الحاجات العامة، مع ملاحظة أنَّ الأمر يختلف من مجتمع لآخر، حسب فلسفة ونظام كل مجتمع، فالأصل في النظام الرأسمالي أنَّ الإدارة الخاصة تسعى لصالحها الخاص، ويحركها باعث الربح المالي أو المادي، أما في النظام الاشتراكي، فيجب أن تكون غاية الإدارة الخاصة، تحقيق المصلحة العامة كذلك، أي إشباع حاجات المجتمع دون استغلال، مع المشاركة في تنفيذ خطة التنمية القومية.
وخلاصة القول: أن القاعدة العامة، تكمن في سعي الإدارة العامة، إلى إشباع الحاجات العامة، بقصد تحقيق المصلحة العامة، في حين أن الإدارة الخاصة، ترمي في الأصل إلى تحقيق صالحها الخاص المتمثل في الربح، مع الأخذ بعين الاعتبار نظرة كل من النظام الرأسمالي والاشتراكي والإسلامي، كل على حدة، في نظرته إلى طبيعة العلاقة بين الإدارتين العامة والخاصة، وأهداف وغايات كل منهما.