٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


المسئولية في الإسلام

من المبادئ العظيمة التي أرسى قواعدها الإسلام المسئولية، وهي مبدأ يخضع له جميع المسلمين، أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين، يؤكد ذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال فيه: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته))، أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه الشيخان في صحيحيهما، فهذا الحديث قاعدة جليلة يقوم عليها مبدأ المسئولية، فكل إنسان في مجال عمله أو مكان حرفته، مسئول أمام الله تعالى، يقول -صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم العمل أن يتقنه)).
وإتقان العمل -أي عمل- مسئولية سوف يسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وتتعاظم المسئولية كلما كان صاحبها، له اتصال بمصالح الناس ومعاشهم، فإن أي تفريط في حقوق الناس أمر بالغ الخطورة، وعظيم الإثم عند الله تعالى، فعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة))، والاحتجاب عن أمور الناس، من الآثام المدمرة للحاكم والمحكومين، يقول -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: ((من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجاتهم، وخلتهم، وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)).

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


وللتوبة عن معصية أو تقصير ارتكبه إنسان في حق خالقه شروط ثلاثة، وأمَّا التوبة عن جريمة أو تقصير في حق العباد، فلها أربعة شروط، وهي أن يقلع العاصي والمخطئ عن معصيته أو خطئه في الحال، وأن يعزم على ألا يعود إليها، وأن يعمل عملًا صالحًا، وأن يستعفي ويستسمح الإنسان الذي أخطأ في حقه أو أذنب في حقه، بل إنَّ الحق سبحانه وتعالى يوم القيامة، يقرر العبد بذنوبه في حقه سبحانه، ثم يقول له: لقد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها عليك الآن وأغفر لك، أما ما كان في أمر العباد، فإنه لا ينصب له ميزان ولا يحاسب حتى يعفو عنه من أخطأ في حقه، وإن لم يعف عنه يؤخذ من حسناته، وتعطى لصاحب الدين، فإذا انتهت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من سيئات صاحبه الذي أخطأ في حقه، ثم طرحت عليه وطرح في النار.
ولعظم المسئولية وخطرها، كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يفرون من الإمارة ومن حمل أية مسئولية فرارهم من الأسد، أو فرار الصحيح من السقيم، ولقد امتلأت صفحات التاريخ الصادق، بأمثلة شامخة وباهرة لرجال رفضوا الإمارة، وأصروا على معاداتها لمعرفتهم الأكيدة بعظم خطرها، وقد ظل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- يبكي منذ توليه الخلافة حتى توفاه الله تعالى، وكان شديد الخشية من عظم المسئولية التي ألقوها على كاهله.

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


كانوا -رضوان الله تعالى عليهم- يخشون ذلك اليوم العصيب، حينما يوقفهم الحق سبحانه ليقول لهم: ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)) [الصافات: ٢٤]، كانوا يخشون أن ينصب لهم الميزان، فيوفى كل إنسان أعماله، كانوا يفزعون حينما يقرءون قوله تعالى: ((وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)) [الإسراء: ١٣، ١٤]، وأيضًا قول الله تعالى: ((فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)) [عبس: ٣٣ – ٣٧]، فمن فرط في المسئولية واستهان بحقها، فإنّه سوف يكون أكثر الناس حسابًا يوم القيامة.
ولعلنا في هذا المقام نجد من المفيد أن نعرض لمسألتين، ربما تكون لهما صلة بالمسئولية:
الأولى: تتعلق بحسن اختيار الولاة أو النواب أو حكام الأقاليم.
والأخرى: تتعلق بمساءلة الحكام وطاعتهم.
تحت عنوان: حسن اختيار الولاة مع الإشراف عليهم، يقول الدكتور محمد يوسف موسى، في كتابه (نظام الحكم في الإسلام): "المسئول الأول أمام الله والأمة والتاريخ عن شئون الأمة هو الخليفة، باعتباره رئيس الدولة، ولكنه طبعًا ليس من الممكن أن يتولى بنفسه كل أمر من أمورها، بل من الضروري أن يكون له نواب وحكام وولاة وقواد للجيش، وقضاة إلى غير هؤلاء جميعًا".

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


ثم يقول: "ومن أجل ذلك كان عليه، أن يحسن اختيار هؤلاء المعاونين، وأن يسند كل عمل للأمثل فالأمثل، ممن يستطيعون القيام به، وألا يدخل في عوامل الاختيار عامل القربى أو المودة أو الصداقة مثلًا، بل يكون عامل الاختيار هو الجدارة والقدرة وحدهما، ولا بد مع هذا من الإشراف على هؤلاء الولاة، الذين يعينهم ويكل إليهم بعض الأعمال العامة، وهذا الإشراف له طرق عديدة مختلفة، ليس بنا من حاجة إلى بيانها، وحسبنا أن نرجع إلى سيرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لنعرف كيف كان يحققه على ما ينبغي".
ومن أجل هذا وذاك نعيد بعض ما نقلناه سابقًا عن الماوردي وهو يتكلم عن واجبات الخليفة، وذلك إذ يقول عن الواجبين التاسع والعاشر: "التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء، فيما يفوضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاية مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة. والعاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح".

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


مساءلة الحكام وطاعتهم

حيث تختلف الأحكام الخاصة بجواز مساءلة رئيس الدولة، في أنظمة الحكم الحديثة والمعاصرة من دولة إلى أخرى، فبعض الدول تقرر دساتيرها أنَّ رئيس الدولة، ليس محلًّا للمؤاخذة عن تصرفاته وأعماله، ولو بلغت تلك التصرفات حد خرق القوانين والاعتداء عليها، وتقرر بعض الدساتير أيضًا، جواز مساءلة رئيس الدولة عن بعض الأعمال، التي يأتيها في حالات خاصة، أو إذا شكلت هذه الأعمال خطورة معينة، كتلك التي تعد خيانة عظمى، أو التي تمثل عدم ولاء للنظام الجمهوري، وقد تقرر في نصوص بعض الدساتير الأخرى جواز مساءلة رئيس الدولة في نطاق أوسع من هذا النطاق، حيث يسأل رئيس الدولة عن جرائم الخيانة العظمى، وغيرها من الجرائم الأخرى.
ومما تقدم يتضح أن الاتجاه الذي تسير نحوه الدساتير الحديثة، هو توسيع نطاق جواز مساءلة رئيس الدولة، بما يجعله شاملًا للجرائم العامة، أي المنصوص عليها في القوانين الجزائية للدولة، بالإضافة إلى جرائم الخيانة العظمى وما في حكمها.

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


الحرية ومجالاتها في الإسلام

ومن عناصر هذه القضية حرية الاعتقاد. فالحرية مبدأ عظيم وأساسي من مبادئ الشريعة الإسلامية، فقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من أية سلطة مادية أو معنوية، وكانت الفتوحات الإسلامية المباركة، تهدف أول ما تهدف إلى رفع القيود والأغلال عن الناس، ثم إعطائهم الحرية في أن يدخلوا في الإسلام أو لا يدخلونه، فإذا دخلوا في الإسلام صاروا مسلمين، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولذلك قال الله تعالى: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [الممتحنة: ٨، ٩].

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


من أفكار هذه الحرية أيضًا:
حرية التفكير؛ وهي من الحريات العامة التي كفلها الإسلام بعد حرية الاعتقاد، بمعنى أن يكون الإنسان حرًّا فيما يفكر، وألا يحجر على عقله، وألا توضع أمامه العقبات، التي تحول دون استغلال عقله أقصى ما يكون الاستغلال، ولأن العقل في الإسلام مناط التكليف وبالتالي مناط المحاسبة والمؤاخذة، فإن الإسلام أجَلَّه ووضعه في المكان اللائق به، ونعى على الذين لا يستخدمون عقولهم، بل يجعلونها تبعًا لما كان عليه آباؤهم في الضلال والكفر، ولقد نوه القرآن الكريم كثيرًا بالعقل، وأعلى من شأن الذين يفكرون ويعقلون والذين هم أولو الألباب، والعقل كأية جارحة في الإنسان، إن لم يدربها صاحبها ويستعملها كلت وضمرت، ولا يستفيد الإنسان من وجودها لديه، ويصبح هو والحيوان الأعجم سواء، بل قد يتفوق عليه الحيوان؛ لأنه خلق هكذا فاقدًا للعقل المدبر، يقول الحق سبحانه: ((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)) [الفرقان: ٤٤].

٣.٥ المسئولية والحرية في الإسلام


حرية القول: فعندما يقرر الإسلام حرية التفكير، لا بد وأن يقرر معها حرية القول؛ إذ إنَّ التفكير بدون الإفصاح عنه، يجعل حرية التفكير ناقصة وغير ذات جدوى، فكان لا بد وأن تكون حرية التفكير مقرونة بحرية القول، لهذا أولى الإسلام عناية ورعاية كاملة لهذه الحرية، بل وحض عليها ورغب فيها، وجعل للإنسان الذي يقف أمام سلطان جائر؛ ليقول له كلمة الحق، جعل لهذا الإنسان أجرًا عظيمًا، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله))، وقال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) [آل عمران: ١٠٤].
ثم هناك حرية الرأي: وهي في التشريع الإسلامي، من القضايا أيضًا التي عني بها الإسلام، ونصَّ عليها في كثير من آيات الذكر الحكيم، ومن أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلك من حرية الفطرة، وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل سيرة الرسل جميعًا تؤكد حرية الرأي، والقرآن الكريم يقرر ذلك في قوله مثلًا: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: ١٢٥]، وقال أيضًا: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) [يونس: ٩٩]، إلى قوله: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)) [يوسف: ١٠٣].
إذًا حكم الإسلام في حرية الاعتقاد، هو منع أي إنسان من مضايقة أحد، بسبب اعتناقه لعقيدة معينة، ومحاولة فرض عقيدته وقناعاته عليه، ففرض العقيدة أمر مستحيل، وتأنيب الآخرين بسبب عقائدهم أمر مرفوض تمامًا.