١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


إن علماء المسلمين ومؤرخي الدولة الإسلامية، يجمعون على أنها دولة قامت على العدل والإنصاف، وإن من يعش فيها ويستظل بظلها ويلتزم بشرعها، لا تهضم حقوقه ولا يظلم في صغيرة أو كبيرة، من أموره الخاصة والعامة، ولقد أضاءت الدولة الإسلامية صفحات التاريخ بمواقف باهرة، أنصف فيها الخلفاء والحكام الناس، رغم اختلاف مللهم ونحلهم وألوانهم، فالناس في الدولة الإسلامية أمام الحق سواء، ولقد سبق أن ذكرنا بعض المواقف لهؤلاء الخلفاء، في تطبيقهم لشريعة الحق والعدل، على مواطني الدولة الإسلامية بدون استثناء، ورأينا كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينصف أهل الكتاب حتى ولو كان الخصم لهم من المسلمين.
فلم يكن -صلى الله عليه وسلم- يحابي أحدًا من المسلمين، ويظلم أصحاب الديانات الأخرى، وحاشاه أن يفعل ذلك، فهو رسول الحق، وقد جاء ليرفع الظلم عن جميع الناس، قبل ذلك جاء يرفع ظلم الإنسان الذي يكفر بالله تعالى ويعبد سواه من الأوثان والأصنام، وإنسان ظالم لنفسه، ومن مهمات الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم- أن ينصف الإنسان من نفسه، وأن يرفع ظلمه لنفسه، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في وحيه المبارك على لسان لقمان: ((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان: ١٣]، إذًا فكفر الإنسان بخالقه الذي خلقه من عدم، وأفاض عليه من النعم، التي لن يستطيع إحصاءها والوفاء بحقها سبحانه وتعالى عليها، وفي هذا ظلم للنفس، فجاء -صلى الله عليه وسلم- ليرفع هذا الظلم، وأيضًا لرفع الظلم عن الإنسان من أخيه الإنسان.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


وكان إرساء دعائم العدل، إحدى المهمات الجليلة للدولة الإسلامية، ولقد كان الصديق -رضي الله عنه- واضحًا أشد الوضوح حينما بيَّن في خطبة توليه الخلافة، أنَّ المقاييس التي يتم على أساسها معاملة الناس في الدولة الإسلامية المباركة هي الحق، فمن معه الحق فهو أقوى الناس عند خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن سلب حقوق الناس فهو الضعيف، حتى يسترد الحاكم منه حقوق الناس، وهو منطق جديد لمعاني القوة والضعف في الدولة الإسلامية، فالقوي في شريعة الإسلام هو الذي يكون الحق في جانبه، والضعيف هو الظالم المغتصب.
إذًا نحن أمام تصحيح للمفاهيم ورد الاعتبار للألفاظ ودلالاتها واحتفاء بالعدل وأنصاره، يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد ...)) إلى آخر الحديث الصحيح، فالإمام العادل دعامة أساسية من دعامات الدولة القوية العادلة، بل إن الإمام العادل في شرع الإسلام، أرفع الناس منزلة، يقول -عليه الصلاة والسلام: ((إن أرفع الناس يوم القيامة إمام عادل))، وفي نص نبوي صريح يقول -عليه الصلاة والسلام: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا عليهم)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


إن العدل أساس الملك كما قيل قديمًا، وفي ذلك يقول الدكتور محمد يوسف موسى تحت عنوان العدل: "العدل أساس الملك كما قيل قديمًا بحق، ولذلك توصي به كل الشرائع والقوانين الإلهية والوضعية، ولكن العدل في الإسلام عدل مطلق عام شامل، ومن ثم يوجب الإسلام التزامه، بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين، وبالنسبة للأصدقاء والأعداء، إن العدل الذي يقوم عليه نظام الحكم في الإسلام، ويعتبر حقًّا دعامة قوية من دعاماته، هو العدل المثالي بين الناس مهما تختلف أجناسهم وأديانهم، هو العدل الذي لا يتأثر بالقرابة أو الجاه والسلطان، والذي لا ينبغي أن يتأثر أيضًا بالبغض أو العداوة ولا بأي عامل آخر.
ولذلك أمر الله به، ونهى عن نقيضه وهو الظلم والبغي، في كثير من آيات القرآن، وحرمه تحريمًا قاطعًا وتوعد عليه بالعقاب الغليظ، وكذلك الأمر في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم، وسنته العملية وسيرته العطرة طوال حياته -صلى الله عليه وسلم- فالله تعالى يقول في القرآن الكريم: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [النحل: ٩٠]، ثم قال في آية أخرى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨]، وقال أيضًا: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ)) أي: لا يحملكم ((شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [المائدة: ٨].

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


هكذا يأمر الله تعالى الحكام بالعدل، ويأمر الأفراد بالعدل فيما يكون من علاقات بينهم، ويأمر بالعدل حتى مع الأعداء، ومن الطبيعي والمنطقي أن ينهى عن الظلم، ويحرمه بصفة عامة شاملة، كما أمر بالعدل بصفة عامة شاملة، ولذلك لا ترانا بحاجة لذكر شيء مما جاء في تحريم الظلم من آيات وأحاديث الآن، ومع هذا فإننا نذكر هذا الحديث، فقد روي من عدة طرق، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من آذى ذميًّا فأنا خصمه))، وقال: ((ألا من ظلم معاهدًا أو تنقصه حقه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة))؛ وذلك لأنَّ غير المسلمين متى أقاموا بدار الإسلام، صار لهم ذمة الله وذمة رسوله، وأصبح لهم ما لنا، وعليهم ما علينا من الحقوق والواجبات، ومن هذه الحقوق رعاية العدل معهم في كل حال كالمسلمين على السواء.
هذا هو منهج الإسلام للعدالة، منهج يتسم بضرورة الالتزام بالعدالة المطلقة الشاملة، سواء بالنسبة للمسلمين أو غير المسلمين وبالنسبة للأصدقاء أو الأعداء، منهج يحتم إقامة العدل بين الناس جميعًا، مهما اختلفت أجناسهم أو دياناتهم، منهج يجعل العدالة ركيزة أساسية للمسلم في كل قول أو فعل، دون أن يتأثر بقرابة أو جاه أو سلطان.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


كيفية تطبيق العدالة بين أفراد المجتمع

فلعلنا نتفق معًا، على أنَّ المسئول الأول أمام الله والأمة والتاريخ، عن حماية المجتمع من الرذائل هو الحاكم، باعتباره رئيس الدولة، فمن واجبه حماية الأموال والأنفس والأعراض والدين، وذلك بإقامة الحدود والانتصاف من الظالم للمظلوم، وذلك تمشيًا مع المبادئ التي قامت عليها الدولة الإسلامية في الأصل، والتي تستهدف إقامة المجتمع الفاضل، الذي تتحقق فيه أسس العدالة، ويتمتع فيه كل إنسان بالأمن على نفسه وماله وعرضه، وفي ذلك يقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في خطبته المشهورة التي ألقاها في حجة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))، وقال أيضًا في سياق آخر: ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)).
ولما كان الحاكم لا يمكنه أن يتولى بنفسه النظر في الخصومات، التي تقع بين أفراد المجتمع نتيجة معاملاتهم الشخصية أو المالية، أو في إقامة حدود الله لمن يخرج على أحكام الشريعة الإسلامية، ويعتدي على مال الغير أو نفسه أو عرضه، لذلك كان من الضروري أن يستعين الحاكم بقضاة يتولون مهمة الفصل في الخصومات التي تنشأ بين أفراد المجتمع، على أن يكون هؤلاء القضاة على درجة كبيرة، من العلم والمعرفة بمصادر الشريعة الإسلامية، والقدرة على استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


ويحدثنا التاريخ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تولى بنفسه مهمة الفصل في الخصومات، بين أهل المدينة في أول نشأة الدولة الإسلامية، ويعتبر قضاؤه -عليه الصلاة والسلام- بمثابة تشريع واجب الاتباع، سواء ما كان منه تطبيقًا لنص أو اجتهاد منه، ولما اتسعت الدولة الإسلامية وامتدت خارج المدينة، عهد إلى البعض من صحابته الكرام، بمهمة الفصل في المنازعات التي تنشأ بين المسلمين، كما كان -صلى الله عليه وسلم- يأمر بعض الصحابة بالفصل في بعض الخصومات بين يديه، بل كان يحثهم ويرغبهم في ذلك، ويبين لهم أنَّ الحاكم لا يعدم الأجر في حالتي صوابه وخطئه ما لم يَحِفْ عمدًا.
وكان -صلى الله عليه وسلم- يهدف من ذلك إلى تهيئتهم وتدريبهم وهو بين ظهرانيهم، لتولية هذا الأمر من بعده، فيقر المصيب ويعلم المخطئ منهم، وحينما بعث النبي -عليه الصلاة والسلام- معاذ بن جبل قاضيًا إلى اليمن، سأله ((كيف تقضي يا معاذ؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله ورسوله))، أو كما قال -صلى الله عليه وسلم.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


والذي يدرس التاريخ الإسلامي، ونظام القضاء في الدولة الإسلامية، يدرك تمامًا أنَّ القضاء في الدولة الإسلامية، أصبح سلطة مستقلة من سلطات الحكم، ولم يعد للخليفة أو الوالي أو الحاكم سلطة عزل القاضي أو التدخل في عمله، بل كان القضاة مستقلين في أحكامهم، لا يتأثرون بميول الحكام، وكانوا يحكمون بما تمليه عليهم الشريعة الإسلامية، وكلمتهم كانت النافذة على الخليفة والولاة، وغيرهم من معاوني الحكم.
ونستطيع أن نقول بلا تردد: إنَّ جزءًا كبيرًا من عدالة الحكم، يتحملها النظام القضائي في الدولة الإسلامية، ذلك أنَّ القضاء المستقل، هو وسيلة الدولة لدفع الظلم عن الناس، وإقامة معالم العدل في الأرض، وهي ذات الغايات التي تعطي لفطرة الدولة الإسلامية معناها ومبررات قيامها، فإذا كان الهدف النهائي من الدولة الإسلامية، هو في تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية على كافة شئون الحياة، كي ما يسود الحق والخير والعدالة، فإن القضاء المستقل هو الدعامة الأساسية لتحقيق هذا الهدف النبيل، ففي ظل القضاء العادل المستقل، يستطيع كل فرد في المجتمع الإسلامي، أن يحظى بالأمن والكرامة والحرية والمساواة، وقد قال الحكماء من قبل: إن العدل أساس الملك، وصدقوا فيما قالوا.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


تحريم الظلم في الدولة الإسلامية

وهو كمبدأ مكمل للمبدأ الرئيس أو للمبدأ الأساسي وهو العدالة في الدولة الإسلامية: إن إقرار العدل في الدولة الإسلامية يتطلب تحريم الظلم، ففي وجود أحدهما انتفاء للآخر، ولا يجتمع الظلم والعدل أبدًا، فهما من التناقضات التي يستحيل اجتماعهما أو تصالحهما، وقد رأينا النص الكريم الذي ((يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ))، والبغي الذي ورد في الآية الكريمة هو الظلم.

١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


xxxxxxx


١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


xxxxxxx


١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


xxxxxxx


١.٥ العدل في الدولة الإسلامية


xxxxxxx