٢.٤ مبدأ العدل


لعل المكانة التي جعلها الإسلام في تشريعه للعدل لم تجعلها له أية شريعة سابقة، ولم يبلغ مثلها مكان العدل في أي نظام قانوني قديم أو حديث، وليس أدل على ذلك من آيات القرآن الكثيرة التي تحض على العدل وتأمر به، إما أمرًا مجملًا شاملًا للشئون كلها في عديد من الآيات، وإما أمرًا مفصلًا خاصًّا ببعض الأمور التي يتوقع فيها الحيف والظلم في بعض الآيات الأخرى. فمن آيات القرآن التي جاء فيها الأمر بالعدل على وجه العموم والإطلاق قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)) [النحل: ٩٠]. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨].
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الآية الكريمة يقتصر نطاقها على التطبيق في مجال القضاء والحكم في المنازعات بناءً عليها وفق قواعد العدالة، غير أن هذا الفهم لا يتفق وما ذهب إليه جماهير المفسرين لكتاب الله؛ إذ يقررون أن المراد من الحكم في هذه الآية هو ما كان عن ولاية عامة أو خاصة.
كما فرض القرآن العدل فيما بين المؤمنين بعضهم بعضًا فرضه أيضًا فيما بينهم وبين أعدائهم. يقول تعالى: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة: ٨]. وقد يحمل الحب كما يحمل الكره بعض القلوب على الحيف والجور تحقيقًا لما يظنونه مصلحة لمن يحبون، ولذلك يحذر القرآن من مثل هذا الحيف فيخاطب المؤمنين؛ يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)) [النساء: ١٣٥]، والقسط هو العدل، وليس المفروض بنصوص القرآن الكريم هو العدل في الحكم والفعل فحسب، بل يفرض القرآن العدل في القول أيضًا. يقول تعالى: ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [الأنعام: ١٥٢].

٢.٤ مبدأ العدل


وقد نص القرآن الكريم على وجوب فرض العدل على الناس ولو بالقوة، فقال تعالى: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ)) [الحديد: ٢٥]، وفي فهم هذه الآية الكريمة يقول ابن تيمية: "فالمقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه، فمن عدل عن الكتاب قُوِّم بالحديد".
يتصل بقضية العدل من البديهيات تحريم الظلم، فكما أمر القرآن الكريم بالعدل وحض عليه ورغب فيه نهى عن الظلم، وكره فيه، وحذر منه، وبين عاقبة الظالمين، فقال الله سبحانه وتعالى: ((إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [الشورى: ٤٢]، وجعل من وظائف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأسباب نزول القرآن التحذير من الظلم، فقال: ((لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ)) [الأحقاف: ١٢].
ولم يبح القرآن للمسلم أن يجهر بالسوء من القول إلا في حالة ظلمه ((لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) (النساء: ١٤٨)، بل لقد جعل القتال مباحًا في حالة الظلم ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)) [الحج: ٣٩].

٢.٤ مبدأ العدل


كما عني الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة بالأمر بالعدل والنهي عن الظلم، وبين عاقبة العدل في حق الحكام، فجعل أول السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، وحذَّر -صلى الله عليه وسلم- من الظلم في أي شأن كان فقال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)).
ومن مجموع هذه الآيات والأحاديث استخرج الفقهاء قواعد إيجاب العدل وتحريم الظلم حتى قال ابن تيمية: "إن الظالم يستحق العقوبة والتعزير، وهو أصل متفق عليه وقد نص على ذلك الفقهاء ولا أعلم فيه خلافًا". وقرر تلميذه ابن قيم الجوزية -رحمه الله- أن العدل هو المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وأن السياسة العادلة جزء من الدين، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه.

٢.٤ مبدأ العدل


xxxxxxx


٢.٤ مبدأ العدل