لعل المكانة التي جعلها الإسلام في تشريعه للعدل لم تجعلها له أية شريعة سابقة، ولم يبلغ مثلها مكان العدل في أي نظام قانوني قديم أو حديث، وليس أدل على ذلك من آيات القرآن الكثيرة التي تحض على العدل وتأمر به، إما أمرًا مجملًا شاملًا للشئون كلها في عديد من الآيات، وإما أمرًا مفصلًا خاصًّا ببعض الأمور التي يتوقع فيها الحيف والظلم في بعض الآيات الأخرى.
فمن آيات القرآن التي جاء فيها الأمر بالعدل على وجه العموم والإطلاق قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)) [النحل: ٩٠].
وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨].
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الآية الكريمة يقتصر نطاقها على التطبيق في مجال القضاء والحكم في المنازعات بناءً عليها وفق قواعد العدالة، غير أن هذا الفهم لا يتفق وما ذهب إليه جماهير المفسرين لكتاب الله؛ إذ يقررون أن المراد من الحكم في هذه الآية هو ما كان عن ولاية عامة أو خاصة.
كما فرض القرآن العدل فيما بين المؤمنين بعضهم بعضًا فرضه أيضًا فيما بينهم وبين أعدائهم. يقول تعالى: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة: ٨].
وقد يحمل الحب كما يحمل الكره بعض القلوب على الحيف والجور تحقيقًا لما يظنونه مصلحة لمن يحبون، ولذلك يحذر القرآن من مثل هذا الحيف فيخاطب المؤمنين؛ يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)) [النساء: ١٣٥]، والقسط هو العدل، وليس المفروض بنصوص القرآن الكريم هو العدل في الحكم والفعل فحسب، بل يفرض القرآن العدل في القول أيضًا. يقول تعالى: ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [الأنعام: ١٥٢].