١.٤ مبدأ الشورى


يعتبر ركن أو مبدأ الشورى أحد الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة الإسلامية، وقد جاء النص على هذا المبدأ في عدد من آيات القرآن الكريم، فقد جاء في سورة "الشورى" قوله تعالى في أوصاف المؤمنين: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) [الشورى: ٣٨]، كما جاء في سورة "آل عمران" قوله تعالى: ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) [آل عمران: ١٥٩].
فهاتان الآيتان تدلان على أن الشورى تعتبر أحد الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم وتدبير شئون الدولة الإسلامية، ذلك لأن الآية الأولى جعلت الشورى من صفات المؤمنين، كما أن الآية الثانية جاءت في صيغة الأمر الموجه إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- فإذا أضفنا إلى ذلك أن هناك سورة في القرآن الكريم تسمى باسم هذا المبدأ -وهي سورة "الشورى"- لأدركنا إلى أي مدى احتفل الإسلام بمبدأ الشورى وجعل منه دعامة من دعامات الحكم.
غير أن الإسلام لم يبين نظام الشورى، ولم يحدد الشكل أو الصورة التي يجب على المسلمين اتباعها لتطبيق هذا المبدأ، وذلك جريًا على عادته في عدم التعرض لتفاصيل التشريعات الدنيوية الخاصة، التي تتغير مع تغير المكان والزمان، ومن ثم فقد اكتفى الإسلام بتقرير المبدأ وترك التفاصيل لمطلق حرية الجماعة الإسلامية، التي لها أن تختار النظام الذي تراه بما يحقق مصلحتها في كل مكان وفي أي زمان.

١.٤ مبدأ الشورى


وقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يستشير أصحابه في كثير من الأمور. وقد ضربنا بعض الأمثلة كما جرى الخلفاء الراشدون على هذا المبدأ، وسار على نهجهم سائر الأئمة والولاة، غير أننا نستطيع أن نقرر باطمئنان هنا أنه لم يكن هناك شكل محدد لتطبيق هذا المبدأ، سواء في عهد الخلفاء الراشدين أو في عهد التابعين من بعدهم. وقد كان هذا هو السبب في تعدد الآراء الاجتهادية في هذا الصدد، وإن كان التاريخ يدلنا على أن هذا المبدأ كان يتم بعدة أساليب يمكن إجمالها فيما يلي:
عرض الأمر على العامة في المسجد أو الخاصة في ندوة مثلًا.
دعوة عدد كبير من كبار الصحابة أو أولي الأمر أو أهل الشورى وأهل الحل والعقد لتبادل الرأي.
عرض الأمر على من حضر من أهل الرأي والمقام في ظروف معينة.
اكتفاء الحاكم بمشورة واحد أو أكثر يتم اختيارهم بمعرفته ويكون واثقًا في حكمتهم وسداد رأيهم، وأن الأمة تشاركه الثقة في هؤلاء، ومن المتفق عليه أن الخلفاء الراشدين كانوا دائمًا يلجئون إلى طلب المشورة في كافة المسائل المهمة التي تمس الشئون العامة للدولة، غير أن الخليفة لم يكن يعتبر نفسه ملزمًا باتباع الآراء التي يقدمها له من يستشيرهم في كل مسألة وفي جميع الأحوال، بل كان في الغالب يطرح المسألة لاستطلاع الرأي فيها، ثم يقلب الأمر على وجوهه المختلفة ثم يختار الطريقة التي يراها تتفق والمصلحة العامة، دون أن يأخذ في اعتباره الرأي الذي قال به الأكثرية أو الأقلية في هذا الصدد.

١.٤ مبدأ الشورى


وهكذا كانت ممارسة الخلفاء الراشدين لمبدأ الشورى، يعتمد أولًا وقبل كل شيء على بعد نظر الخلفاء، وحسن نيتهم، ومراعاتهم لأمر الله سبحانه وتعالى، فجاءت ممارستهم بالكيفية التي تطمئن لها نفوسهم حسب مقتضيات الظروف والأحوال، وحتى يكون نظام الحكم مرتكزًا على مبدأ الشورى في المجتمع الإسلامي الراهن؛ فلا بد أن نأخذ في اعتبارنا أننا في عالم يتغير بسرعة رهيبة وبحركة مستمرة لا تفتر، وأن المجتمع الإسلامي يسير مع ركب هذا التطور سواء رضينا أم كرهنا، والحكمة تقتضي أن نتفهم بعمق حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ لنعيد توجيه الفكر السياسي الإسلامي على ضوئهما، بدلًا من الانجراف نحو الأفكار الغربية أو النظريات السياسية السائدة في عالم اليوم.
وفي هذا الصدد يقول الدكتور العوا: "مبدأ الشورى من أهم المبادئ الدستورية الإسلامية إن لم نقل: إنه أهمها جميعًا، وتكاد المصادر الإسلامية التي عنيت ببحث المسائل المتعلقة بنظام الحكم في الدولة الإسلامية أن تجمع على أهمية الشورى، وتصدرها مبادئ الإسلام السياسية، وقد لا يجد الناظر في المصادر الإسلامية تعريفًا جامعًا مانعًا للشورى، ولكنه يجد يقينًا ممارسة دائمة وتأييدًا فقهيًّا مستمرًّا لما يمكن أن نعرفه بلغة العصر بأنه اتخاذ القرارات، في ضوء آراء المختصين في موضوع القرار، في كل شأن من الشئون العامة للأمة، وقد عرف بعض السلف الشورى بأنها مذاكرة أهل الرأي في الأمر ثم اتباعهم.

١.٤ مبدأ الشورى


وهذا التعميم يؤكد كون الشورى مبدأ من المبادئ الأساسية للإسلام، لا يقتصر العمل بها على المجال السياسي وإنما يمتد ليشمل كل جوانب حياة المسلمين، ولذلك فقد جاء في الأثر: "ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم" فإذا نظرنا في المجال السياسي فإن الشورى فيه واجبة على الحكام وحق للمحكومين، وطريق أمثل للوصول إلى صواب ما يراه النظر فيه من أمور الأمة العامة، ولم يعرض أمر يهم جماعة المسلمين في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا عرضه للشورى بين من حضره من الصحابة، ولم يؤثر عنه قط أنه -صلى الله عليه وسلم- خالف ما انتهى إليه رأي أهل الشورى الحاضرين معه.
ويمكننا أن نقول: إن الشورى في الحياة العامة للأمة تعني صدور الحاكمين فيما يتخذونه من قرارات، أو يحدثونه من أوضاع وتنظيمات عن رأي أهل العلم والخبرة والمعرفة فيما يحقق مصلحة الأمة أو يتعارض معها، فما حقق مصلحة الأمة وجب إمضاؤه وما لم يكن كذلك وجب منعه". ويذكر في الحقيقة الدكتور العوا مجموعة من الأدلة على حجية الشورى في القرآن الكريم، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم ينتهي إلى الحكم بأن الشورى واجبة على الحاكم في الأمور العامة بحيث إذا تركها الحاكم كان للأمة أن تطالبه بها، وأن تبدي رأيها ولو لم يطلب منها فيما قد يكون لها فيه رأي.
بعده.

١.٤ مبدأ الشورى


وهذا الوجوب -كما يقول- مستفاد من الآيتين الكريمتين اللتين قدمنا ذكرهما في أدلة حجية الشورى، فأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) [آل عمران: ١٥٩] فقد جاء فيها الأمر إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإذا كانت المشاورة واجبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يحكم دولة الإسلام الأولى، فإنها تجب كذلك من باب أولى على كل حاكم لدولة إسلامية ويبدو ذلك واضحًا إذا تذكرنا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان في واقع الأمر مستغنيًا عن المشاورة؛ إذ يأتيه الوحي بحل ما قد يبدو مشكلًا من الأمور، بينما لا سبيل أمام من بعده من الحكام إلا أن يستفيدوا من خبرات أولي الرأي في الأمة وآرائهم؛ حيث انقطع الوحي بوفاة النبي -صلى الله عليه وسلم.
أما الآية الثانية فقد جعلت الشورى وصفًا لازمًا للمؤمنين، وذلك كله من فرائض الإسلام وواسطة عقد هذه الآية الكريمة هي الشورى التي مدح الله عز وجل بها المؤمنين، وكأن وصف الإيمان الكامل لا يتحقق بغيرها، ومع أن القول بالوجوب في شأن الشورى هو الأرجح عند جمهور الفقهاء، فقد ذهب بعضهم إلى أن الأمر الوارد بالشورى إنما هو للندب لا للوجوب، وأن المقصود بهذا الندب هو تطييب قلوب الصحابة.
والواقع أن هذا لا يعدو أن يكون فهمًا في معنى الآية الكريمة وسبب نزولها، وليس ثمة ما يمنع من القول بأن تطييب القلوب هو أحد أسباب الأمر بالشورى، ولكنه يقينًا ليس هو السبب الوحيد، وليس أدل على ذلك من فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه في كثرة مشاورته لأصحابه. وقد فطن الفقهاء والمفسرون إلى هذه المعاني كلها، فقرروا أن الشورى من واجبات الشريعة، وعزائم الأحكام التي لا بد من نفاذها، والعزائم: الواجبات التي لا يجوز تركها، ورتبوا على ذلك أن من ترك الشورى من الحكام فعزله واجب دون خلاف.

١.٤ مبدأ الشورى


فما الحكمة من وجوب مبدأ الشورى؟ وهذه الحكمة ترتبط ارتباطا جذريًّا بالغاية الجوهرية من قيام الدولة الإسلامية ذاتها، ذلك أن غاية الدولة -وفقا لمنهج الإسلام- هي إيجاد السلطة الزمنية المسئولة عن تطبيق الشريعة الإسلامية، ومنع خروج أي فرد عليها على الأقل فيما يتعلق بالأمور ذات الطابع الاجتماعي، وإذا كان الحاكم في الدولة الإسلامية موكولًا إليه هذه المهمة بما له من سلطة تتيح له الأمر والنهي في المسائل الاجتماعية، إلا أنه مهما أوتي من قوة وحكمة وتقوى فلن يستطيع تحقيق ذلك على الوجه المطلوب دون مشورة.ذلك أن جزءًا كبيرًا من أحكام الشريعة الإسلامية هي مبادئ عامة، لا يمكن تطبيقها إلا عن طريق مجهود مشترك بين أفراد المجتمع، مجهود منظم واعٍ يمكن أن نسميه تعاونًا مشتركًا أو تعاونًا بين الحاكم والمحكومين، هدفه صبغ المجتمع بتعاليم الإسلام ومبادئه ومثالياته، وهو تعاون من ذلك النوع الذي يشير إليه القرآن الكريم بقوله: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) [المائدة: ٢].ومثل هذا التعاون لم يحقق الغاية المستهدفة لمجرد الشعور بالأخوة بين أفراد المجتمع الإسلامي؛ لأن الفرد في المجتمع الإسلامي مهما صحت عنده العزيمة، فإنه لن يستطيع أن يصيغ حياته على نحو يتفق مع قيم وتعاليم الإسلام، إلا إذا كانت تلك القيم والتعاليم سائدة في المجتمع الذي يعيش فيه.
من هنا كان التعاون بين الحاكم والمحكومين لا بد أن يترجم في شكل حركة اجتماعية إيجابية، هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على النحو الذي يشير إليه القرآن الكريم في سورة "آل عمران" بقوله:((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ...

١.٤ مبدأ الشورى


إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [آل عمران: ١٠٣، ١٠٤]. فالواضح من هاتين الآيتين أن المجتمع الإسلامي ليس في ذاته غاية، ولكنه وسيلة لغاية، أما الغاية فهي إيجاد أمة تقف نفسها على الخير والعدل، تحق الحق وتبطل الباطل، أمة تعمل على خلق بيئة اجتماعية تتيح لأكبر عدد ممكن من أفرادها أن يعيشوا -روحيًّا وماديًّا- في توافق مع القانون الفطري الذي جاء من الله وهو الإسلام.
يقول الإمام الشيخ محمد عبده: "إن نص الآية القرآنية: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) هذه الآية تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عام في الحكام والمحكومين. ولا معروف أعرف من العدل ولا منكر أنكر من الظلم". ويقول الدكتور محمد يوسف موسى: "إن آية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة منا تلفتنا إلى ضرورة وجود أداة فعالة؛ لحراسة المجتمع من البغي والظلم والعدوان وإقرار العدل فيه. فإذا ربطنا بين هذا كله وبين الغايات المستهدفة من إقامة الدولة الإسلامية من جهة، والواجبات الملقاة على عاتق الحاكم من جهة أخرى؛ لأدركنا دون كبير عناء أن مبدأ الشورى جاء كوسيلة لمساعدة الحاكم في تحقيق أهداف الدولة الإسلامية، وأن التعاون بينه وبين من يستشيرهم يجب أن يشكل جزءًا لا يتجزأ من أسلوب الحكم نفسه؛ حتى لا يكون هناك استبداد أو سيطرة على جماعة المسلمين بل ليكون جوهر الحكم هو التعاون والرضا بين الحاكم والمحكومين".

١.٤ مبدأ الشورى


نطاق الأخذ بمبدأ الشورى

عرفنا أن مبدأ الشورى هو جزء لا يتجزأ من أسلوب الحكم وهذا المبدأ فرضه الله بالآية الكريمة: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ))، وبقوله جل شأنه: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) وبفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وتطبيقاته، وبحرص أصحابه الكرام ومن بعدهم على اتخاذ هذا المبدأ كأساس من أسس الحكم في النظام السياسي الإسلامي، فمن الواضح إذًا أن كلمة "الأمر" المشار إليها في الآيتين تشير إلى كافة الأمور ذات الطابع العام التي تهم جماعة المسلمين، على أنه لا يجوز أن يؤخذ ذلك على إطلاقه، وإنما الأمور التي تجب فيها الشورى هي تلك التي لم يقطع فيها القرآن ولا السنة النبوية برأي، أما تلك التي قطع فيها القرآن والسنة برأي فهي خارجة عن نطاق الشورى. ولكي نزيد الأمر وضوحًا نقول: إن الشريعة الإسلامية باعتبارها ناموسًا إلهيًّا لكل المجتمعات البشرية في كل زمان ومكان، قد جاءت أحكامها بمنتهى الحكمة والعناية الإلهية، ومن يتفحص نصوصها يلمس أن هناك مسائل سكتت عنها الشريعة، ولم تضع لها أية أحكام، وغالبًا ما يكون ذلك في المسائل المعرضة بطبيعتها للتأثر بالتطور الاجتماعي للإنسان، وهناك مسائل أخرى عالجتها الشريعة في شكل مبادئ عامة تاركة بذلك المجال للتغيير الذي يقتضيه الزمن للفروع، وهناك مسائل تعرضت لها الشريعة بأحكام تفصيلية مسهبة أيضًا.

١.٤ مبدأ الشورى


والشورى كما قلنا واجبة في المسائل التي سكتت عنها الشريعة ولم تضع لها أية حلول، وذلك أن تلك المسائل من الأمور المباحة التي يجب على المجتمع الإسلامي وضع المبادئ والتفاصيل اللازمة لها، بما يتفق والانسجام مع روح الإسلام وغاياته، وفي المسائل التي وضعت لها الشريعة الإسلامية مبادئ عامة، فإن الشورى يمكن أن تمتد لتفصيل ما أجملته الشريعة، بما يتفق وتلك المبادئ، أما المسائل التي قطعت فيها الشورى بأحكام تفصيلية مسهبة فهي خارجة عن نطاق الشورى، إلا أن تكون الشورى في حدود تفهم النص، وبيان الحكم الذي يدل عليه وكيفية تنفيذه. وفي جميع الأحوال فإن الشورى ليست مطلقة من كل قيد، وإنما هي مقيدة بألا تخرج عن حدود ما جاء به القرآن والسنة، فلا يجوز بأية حال أن تؤدي الشورى إلى مخالفة نصوص التشريع الإسلامي أو الخروج على روح التشريع، بل من الواجب أن تجيء الشورى مطابقة تمامًا لروح الشريعة الإسلامية وأهدافها واتجاهاتها.

١.٤ مبدأ الشورى


الشكل الذي تتم به الشورى

إذا كانت الشورى تعتبر جزءًا لا يتجزأ من أسلوب الحكم نفسه كما قلنا، وإذا كانت غايتها في كل الأحوال هي التعاون بين الحاكم والمحكومين، على صبغ المجتمع الإسلامي كله بالقيم والمبادئ والمثاليات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، لذلك فإن البحث عن الشكل الذي تتم به الشورى يجب أن يكون في نطاق تلك الغاية المستهدفة.وأود أن أقول في البداية: إنَّ الشريعة الإسلامية تقوم في جملتها على الأحكام المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهي أحكام وإن كانت أغلبها مصاغة في شكل مبادئ عامة، إلا أنها تقدم حلولًا مقبولة لمشاكل كل العصور، وتتمشى مع مراحل التطور البشري في كل مكان، لا لأنها تعالج بالتفصيل كل ضرورات الحياة ومشاكلها التي تخطر على البال، ولكن على العكس من ذلك فإنها -أي نصوص القرآن الكريم والسنة- تحصر اهتمامها فيما أمر به الشارع في عبارات جليلة على أنه فريضة وما نهى عنه على أنه حرام. مثل: افعل هذا ولا تفعل هذا وهذا خير فأتوه، وهذا حرام فاجتنبوه ونحو هذا.
فهذه العبارات ومثلها لا تحتمل طبيعتها التشاور عليها؛ لأن ألفاظها في غاية الوضوح لا يعتورها غموض أو إبهام، بينما كل ما يقع خارج نطاق الدائرة من الأشياء ومظاهر النشاط المتعددة، والتي تركها الشارع دون تحديد أي من غير فرض أو تحريم بنصوص واضحة كما مثلنا؛ فإنها لم تترك هكذا سهوًا من الشارع حاشا لله،

١.٤ مبدأ الشورى


ولكن سبحانه وتعالى أراد من الأمة أن تعالج تلك المسائل على ضوء مقتضيات العصر، وتبعًا لغير الظروف السائدة آنذاك.وهذه المسائل تعتبر مباحة في رأي الفقيه ابن حزم الأندلسي مثلًا، ومن ثَمَّ فقد أراد الشارع الحكيم من جماعة المسلمين أن تقوم بنفسها بوضع التشريعات الإضافية الضرورية للمسائل المباحة عن طريق الاجتهاد، أي عن طريق التحليل العقلي المستقل بشرط أن يكون منسجمًا مع روح الإسلام وغاياته، والحاكم عندما يتصدى لمثل هذا العمل فلا ينبغي له أن ينفرد به بل عليه أن يلتزم بمشورة الأمة كما سبق أن أشرنا.
غير أنه ليس من الممكن أن تجتمع الأمة كلها للمشاركة في بحث المسائل التي تهمها، ومن ثم فإنه من الضروري أن توكل هذه المهمة إلى عدد محدود من الأشخاص، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: من هؤلاء الأشخاص الذين يمكنهم الإنابة عن الأمة في بحث المسائل التي لها مساس مباشر بالجانب العام من حياة الجماعة الإسلامية؟ إنهم ولا شك أهل الشورى الذين أشارت إليهم الآية الكريمة ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ))، أو هم أولئك الذين أشارت إليهم الآية الأخرى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)).
يقول الأستاذ عبد الرحمن عزام في ذلك: "إن هناك اتفاقًا بين المسلمين على أن أهل الشورى هم جماعة من أهل الحل والعقد، وأهل الحل والعقد هم من إذا أبرموا -عقدوا- أمرًا أبرمه الناس وإذا نقضوه وحلوه نقضه الناس، وقد تعددت الآراء فيهم فحصرهم البعض في العلماء، والبعض الآخر في العلماء وغيرهم من المتبوعين في أقوامهم، والبعض حصرهم فيمن تتوفر فيهم صفات الاجتهاد من العلماء".

١.٤ مبدأ الشورى


ويضيف إلى ذلك الشيخ قوله: "إن تعيين أهل الحل والعقد ليس أمرًا هينًا، فهم في المدينة غيرهم في البادية، وهم في الريف غيرهم في العواصم ومراكز الاكتظاظ والصناعة، وهم في عصر من عصور العلماء المتبوعين، وفي غيرهم متغلبون النافذون في العشائر والأوطان والممالك، وفي عصرنا قد يكونون بين رؤساء الأحزاب، والطوائف والنقابات وغيرهم". وينتهي في ذلك إلى القول بأن هناك اختلافًا في وجهات النظر بالنسبة لأشخاصهم، وبالنسبة لاختيارهم وتعيينهم باختلاف الأقوام والعرف، والعادات والأزمان؛ ليكونوا أهل الرأي في البيعة وأهل الشورى في كل حين.
والواقع أن سكوت الشريعة الإسلامية عن تحديد أهل الشورى يجعل هذا الأمر خاضعًا للظروف وتطور كل جماعة إسلامية، غير أن التقيد بالتشريع الإسلامي وغاياته وروحه يقتضي أن يكون اختيار أهل الشورى -أو أكثرهم- ممن يلمون بالتشريع الإسلامي ويفهمون روحه واتجاهاته، ومعنى هذا أنه من الواجب أن تنحصر الشورى فيمن تتوفر فيهم صفات معينة، سواء تم اختيارهم عن طريق الانتخاب العام أو عن طريق التعيين بمعرفة الحاكم، أو بأية وسيلة أخرى تراها جماعة المسلمين؛ إذ إن طريقة الاختيار هذه لم تتعرض لها الشريعة بل تركتها لقرار الأمة تنظمها كيف تشاء.
وإذا ما تم تحديد من هم أهل الشورى وفقًا للطريقة المتفق عليها فإن اختصاص مجلس الشورى هو اختصاص تشريعي، أي إن هذا المجلس سوف يتولى السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية مشاركة مع الحاكم، وحيثما اقتضت حاجة المجتمع سن قانون معين فعلى المجلس أن ينظر أولًا في نصوص الشريعة، وسلطته في هذه الحالة تنحصر في أمور ثلاثة:

١.٤ مبدأ الشورى


إذا كانت الشريعة قد نصت على حكم مفصل بالنسبة للمسألة المعروضة، فعمل مجلس الشورى يقتصر على تفهم النص، وبيان الحكم الذي يدل عليه.
إذا كانت الشريعة قد اكتفت بوضع مبدأ عام موجز في المسألة المعروضة، فمجلس الشورى ملزم بأن يراعي انسجام القانون المَنْوِي إصداره مع هذا المبدأ.
إذا كانت الشريعة قد سكتت عن المسألة المعروضة فلم تضع لها أحكامًا مفصلة، ولا مبادئ عامة، فعلى مجلس الشورى أن يجتهد في سن القانون الملائم لتلك المسألة؛ مستهديًا في ذلك نصوص الشريعة الإسلامية، وأحكامها وأصولها الكلية، ومستهدفًا في ذات الوقت مصطلح المسلمين.
وهنا تجدر الإشارة إلى مسألتين لهما صلة وثيقة بمبدأ الشورى في الإسلام؛ المسألة الأولى تحت عنوان:
الإسلام وحرية المعارضة.
والمسألة الثانية بعنوان: اختيار أهل الشورى وتمثيلهم للأمة.

١.٤ مبدأ الشورى


المسألة الأولى: الإسلام وحرية المعارضة
لقد أرسى الإسلام حرية الاعتراض أو المعارضة على رأي يراه المخالف خاطئًا ويراه صاحب الرأي صحيحًا، وحينما كفل الإسلام للآخر أن يعترض، وأدب صاحب الرأي بأدبه في أنه لا تأخذه العزة بالإثم إذا كان على خطأ، بهذه الضمانات العظيمة أتيح المجال واسعًا للصواب أن يأخذ مكانه في مسيرة الأمة الإسلامية، وبهذا التحري الشديد للصواب حققت الأمة الإسلامية إنجازاتها العظيمة، وسطرت بفضل ذلك الصفحات الخالدة في سجل التاريخ. كان رسول الإسلام العظيم -صلى الله عليه وسلم- يطلب من أصحابه المشورة إذا كان المقام مقام الرأي والحرب والمكيدة، وكان -صلى الله عليه وسلم- ينزل عند رأي أصحابه إذا رآه صوابًا، ولهذا جاء القرآن الكريم آمرًا الرسول -صلى الله عليه وسلم- باستشارة أصحابه في قوله تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) [آل عمران: ١٥٩].
وطلب المشورة من الآخرين يقتضي أن يكون عند طالب المشورة الاستعداد -بل الرغبة- في العدول عن رأيه إلى رأي أصحاب الشورى، هذا الذي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله دون غضاضة، فقد استجاب لرأي سلمان الفارسي -رضي الله عنه- عندما أشار عليه بحفر الخندق، وقَبل برأي الحباب بن المنذر الذي أشار عليه بحفر بئر أدنى ماء القوم وعمل -صلى الله عليه وسلم- بمشورته.

١.٤ مبدأ الشورى


وجاء من بعده خلفاؤه الراشدون فعملوا بهذا المبدأ، فقال أبو بكر الصديق في أول خطبة يخطبها عند توليه الخلافة: "أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ألا إن الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، ألا وإن القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم". يا الله!! إنه يأمرهم أن يعصوه إذا خالف المحجة البيضاء التي تركهم عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم. إنه يعلمهم كيف يعارضونه إذا وجدوا فيه انحرافًا عن الجادة، وانصرافًا عن نهج الله تعالى. هل تريد حرية المعارضة أوضح ولا أشمل من هذه المعارضة، وكان الناس عند حسن الظن بهم فما وجدوه من حسن من أقواله وأفعاله أعانوه عليه، وما وجدوه من سيئ -وحاشاه رضي الله تعالى عنه أن يفعل السيئ- قوموه.
ثم جاء من بعده الفاروق عمر -رضي الله تعالى عنه- الذي وافقه الوحي في مواضع ثلاثة، جاء هذا القوي الأمين يستقبل المعارضة بفرح غامر، وقد أخذ رجل من العامة بتلابيب عمر وهو أمير المؤمنين، وليس فوق الأرض رجل في سلطانه، وقال له: اتق الله يا عمر، واستقبلها عمر استقبالًا حسنًا وجعلها في سويداء قلبه ووجدانه. لقد قيلت لمن هو أعظم منه وأكرم على الله تعالى، لقد قيلت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له ربه جل وعلا: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) [الأحزاب: ١] من يكون عمر حتى لا يسمعها ولا يفرح بها.

١.٤ مبدأ الشورى


ووقف يومًا يسأل الناس: "أيها الناس ماذا تقولون لو ملت برأسي هكذا؟ فيجيبه واحد منهم: إذًا نقول للسيف هكذا، فيسأله أمير المؤمنين: إياي تعني بقولك؟ فيجيب الرجل في إصرار: إياك أعني بقولي، فيجيبه عمر: يرحمك الله والحمد الله الذي جعل فيكم من يقوم عوجي". إن حرية المعارضة التي كفلها الإسلام لمعتنقيه هي تاج على رأسه، ولم تر الدنيا دينًا احتفى بالحرية، وأقام لها ذلك النموذج الفريد المتمثل في شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل الإسلام، وإذا كان الإسلام يعطي الإنسان الحرية كل الحرية في الإيمان به والدخول فيه، يقول الحق سبحانه وتعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: ٢٥٦] فهو من باب أولى يعطيها الإنسان في مناحي الحياة الأخرى، وما اختلاف الآراء إلا سنة من سنن الله تعالى في الحياة، ولا تثرى الحياة، ولا تبلغ رشدها إلا إذا أتيح للآراء جميعها أن ترى النور، ثم يتقدم الرأي الراجح الذي فاز على منافسيه، وما دام اختلاف الآراء سنة كونية فأولى بالإسلام -وهو الدين الخاتم- أن تستوعب تشريعاته هذه السنة، بل ويحتفي بها ويفتح أمامها الآفاق رحبة مترامية الأطراف لتبلغ رشدها.

١.٤ مبدأ الشورى


المسألة الثانية
أما عن المسألة الثانية -وهي اختيار أهل الشورى، وتمثيلهم للأمة- فيقول الدكتور محمد سليم العوا: "من الأمور التي تثار كلما تحدث المتحدثون عن الشورى السؤال عمن توجه الشورى إليهم أو تدار بهم ومعهم، وما إذا كان هؤلاء هم أنفسهم الذين سموا في تراث الفكر السياسي الإسلامي أهل الحل والعقد أم لا ... إلى آخره؟
وموقفنا من هذه الأسئلة وأمثالها أنها جميعًا تدخل في الأمور التفصيلية والتنظيمية التي تحتمل اختلاف الآراء والحلول، من مجتمع إلى مجتمع، ومن زمان إلى زمان، ولو كان أيٌّ من هذه الأمور مما يجب فيه الذهاب إلى مذهب معين دون سواه لنص القرآن الكريم عليه، أو دلالة السنة الصحيحة على سبيل الحق فيه.
وقد قلنا في موضع آخر: إن أهل الشورى فريقان لا غنى بأحدهما عن الآخر:
أولهما: المختصون في الموضوع الذي يكون محلًّا للشورى.
وثانيهما: هم أهل الرأي أو المفوضون بإبدائه في الأمة، وللأمة في كل وقت أن تضع من سبل التنظيم لاختيار هؤلاء وممارستهم وظائفهم، وانتهاء مهمتهم أو إنهائها، ما يراه جمهورها أي كثرتها الغالبة بإرادتها الحرة، محققًا لمصلحتها في الوقت الذي توضع هذه القواعد فيه.

١.٤ مبدأ الشورى


أما أهل الحل والعقد فإن العلماء مختلفون في تعريفهم اختلافًا يمكن رده إلى رأيين:
أحدهما: أن أهل الحل والعقد هم رؤساء الأجناد أي: قادة الجيوش وزعماء القبائل، ورؤساء العشائر، ممن لهم طاعة فيمن يليهم من المواطنين.
وثانيهما: أن أهل الحل والعقد هم أهل العلم والفتيا والاجتهاد من حملة الشريعة الإسلامية في كل مجتمع إسلامي.
وبعض العلماء يرى أن الجمع بين الرأيين أصح من القول بواحد منهما، وفي نظرنا أنه لا يبعد من يقول: "إن أهل الحل والعقد مفهوم تاريخي نشأ في صدر الإسلام نتيجة ظروف الهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى، وليس بلازم أن يسمى بهذا الاسم من يناط بهم من الوظائف والاختصاصات ما كان منوطًا بأهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية الأولى، ولكن الواجب أن يقوم بهذه الوظائف والاختصاصات نفر من الأمة، يؤهلهم لذلك في كل مجتمع أو زمان ما يحتاج الواحد منهم إليه من ضرورات القدرة والكفاية للقيام بهذا الواجب".
وفي تقديرنا أن تنظيمًا عصريًّا لهذه المسألة يجب أن يتضمن حدًّا أدنى من الشروط اللازمة في شخص من يشارك في هذه المهمة، وكيفية ممارسة الوظائف والاختصاصات التي يعهد بها هذا التنظيم إليهم، والطريقة التي يستبدل بها بعضهم عند فقده شرطًا من الشروط الواجب توافرها فيه.
وإذا كان أهل الحل والعقد في الماضي ومثلهم أهل الشورى يمثلون من يدينون لهم بالطاعة من المواطنين -كأبناء القبيلة الواحدة مثلًا مع شيخ قبيلتهم- فإنه يجب في عصرنا أن يكون تمثيلهم للأمة مجتمعة باعتبارها كيانًا اجتماعيًّا واحدًا لا تفريق فيه ولا تجزئة، وينبغي أن يكون اختيارهم بواسطتها بإرادة حرة لا يصادر التعبير عنها بأية صورة كانت المصادرة.

١.٤ مبدأ الشورى


ويجب في تقديرنا أن يكون أهل الشورى ومن يناط بهم دور أهل الحل والعقد وكلاء عمن يختارونهم، ويكون من شرط هذه الوكالة العمل لمصلحة مجموع الأمة لا لمصلحة جماعة الناخبين فقط.
والقاعدة أنه يجوز للموكلين أن يعزلوا موكلهم؛ لذلك ينبغي أن يتضمن قانون الانتخاب في دولة إسلامية عصرية نصًّا أو نصوصًا، تجيز للناخبين عزل النائب عن ولايته، ويمكن تنظيم ذلك عن طريق الدعوى القضائية التي يكون الفصل فيها للمحكمة المختصة بالفصل في عضوية أعضاء مجلس الشورى، أو البرلمان أو مجلس الشعب أو الجمعية التأسيسية إلى آخره. ويجب أن تتضمن تلك النصوص الضوابط التي تشترط لقبول نظر هذه الدعوى من حيث صفات من يرفعها، وإذا كانت مرفوعة من الناخبين من حيث العدد الذي يقبل منه رفعها، فتكون غير مقبولة إذا رفعت من أقل من عُشْر الناخبين المصوتين مثلًا؛ لأن الذي لم يدل بصوته الانتخابي لم يوكل فلا ينشأ له من ثم حق في عزل وكيله.
والحقوق العامة للذين لم يدلوا بأصواتهم لا تضيع؛ لأن القضاء في الدولة الإسلامية يحمي قانون المواطنين كافة كلما تعرضت لاعتداء عليها أو انتقاص منها، وبذلك تنتفي حاجة الدولة الإسلامية المعاصرة إلى فكرة افتراض النيابة أو الوكالة بين الأمة وأعضاء المجلس أو المجالس النيابية فيها".

١.٤ مبدأ الشورى