دولة الحقوق والحريات إيمانًا والتزامًا لا دعاية وكلامً
إن حق الحياة، وحق التملك، وحق الكفاية من العيش، وحق الأمن على الدين والنفس والعرض والمال والنسل؛ تعتبر كلها في نظر التشريع الإسلامي من الضروريات الخمس أو الست، التي أنزل الله الشريعة للمحافظة عليها، ولا يجوز لأحد أن يفرط فيها، وقد أوجب الشارع العقوبات الرادعة من الحدود والقصاص لحمايتها من العدوان عليها، وواجب الدولة المسلمة أن تعمل على أن تحقق لكل فرد -يعيش في ظلها- هذين الهدفين الأساسيين من أهداف حياته: الكفاية والأمن؛ حتى يستطيع الناس إذا اكتفوا وأمنوا أن يفرغوا لعبادة ربهم الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف.
والحريات التي يتغنى بها الناس في عصرنا ويحسبونها من مبتكرات الثورات الحديثة في الغرب، كالثورة الفرنسية، وغيرها مثلًا فقد سبق الإسلام ببيانها والدعوة إليها، وقامت الدولة المسلمة برعايتها، وإخراجها من حيز النظر إلى حيز التطبيق، فالحرية الدينية اختراع إسلامي كما يقول الشيخ الغزالي -رحمه الله- فلم يعرف في ظل دين من الأديان أن عني بتقرير الحرية الدينية لمخالفيه، وأن رفض الإكراه في الدين بأية صورة من الصور، واعتبر الإيمان هو الذي يأتي عن طريق الاقتناع والاختيار الحر، أما إيمان فرعون عند الغرق فلا قيمة له؛ لأنه فقد حرية الاختيار، وكذلك من رأى بأس الله ولم يعد يملك دفعه: ((فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)) [غافر: ٨٥].