١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة مدنية مرجعها الإسلام

إنَّ أول هذه المعالم أو الملامح أنها دولة مدنية مرجعها الإسلام، إذًا هي ليست دولة دينية أو ثيوقراطية تتحكم في رقاب الناس أو ضمائرهم باسم الحق الإلهي، وليست دولة الكهنة أو رجال الدين الذين يزعمون أنهم يمثلون إرادة الخالق في دنيا الخلق، أو مشيئة السماء في أهل الأرض، فما حلوه في الأرض فهو محلول في السماء، وما عقدوه في الأرض فهو معقود في السماء، فالحق أنها دولة مدنية تحكم بالإسلام وتقوم على البيعة والشورى، ويختار رجالها من كل قوي أمين حفيظ عليم، فمن فقد شرط القوة والعلم أو شرط الأمانة والحفظ فلا يصلح أن يكون من أهلها، إلا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات.
على أن الإسلام في مفهومه الصحيح وتطبيقه السليم لا يعرف مصطلح رجال الدين الذي عرف في مجتمعات دينية أخرى، فكل مسلم رجل لدينه، وإنما يوجد علماء دين، وهم المتخصصون في علوم الإسلام، وهم أشبه بعلماء الأخلاق والفلسفة، والقانون في المجتمعات الأخرى. وعلاقة هؤلاء العلماء بالدولة أن يقدموا لها واجب النصح الذي فرضه الإسلام لأئمة المسلمين وعامتهم في قوله -صلى الله عليه وسلم:

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


((الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)) وهذا واجب إذًا على كل مسلم، وهو أوجب على أهل العلم حتى تمضي الدولة في طريق الإسلام الصحيح، تحق الحق وتبطل الباطل، وتحل الحلال، وتحرم الحرام، كما أن عليهم أيضًا أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يخافوا في الله لومة لائم.
وعلى الدولة المسلمة حقًّا أن تعينهم على أداء واجب النصيحة، والدعوة والأمر والنهي، وينبغي أن يتكون منهم هيئة أو محكمة دستورية عليا، تعرض عليها مشروعات القوانين والأنظمة حتى لا يصدر منها ما يتعارض مع الإسلام، فيفترق القرآن والسلطان وهو ما حذر منه الحديث النبوي الشريف، وإذا كانت دولة الإسلام بعيدة عما عرف باسم الدولة الدينية قديمًا، فهي أيضًا ليست دولة علمانية.
سواء تمثلت علمانيتها في إنكار الدين بالكلية ونصب العداوة له، واعتباره مخدرًا للشعوب، وقائمًا على الخرافة كما هو شأن الدولة الشيوعية، أم تمثلت في فصل الدين عن الدولة، وعزله عن التأثير في الحياة والمجتمع، من سياسة، واقتصاد، وثقافة، وتربية، وأخلاق وتقاليد، كما هو شأن الدولة في المعسكر الغربي الذي يسمي نفسه العالم الحر، وهو العالم الذي لا يجحد وجود الله تعالى، ولكن لا يرى حاجة إليه، ولا يدع مكانًا له في نظامه للحياة.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


أنها دولة عالمية

فدولة الإسلام ليست دولة عنصرية ولا إقليمية، إنها لا تقوم على أساس حدود أرضية وفواصل جغرافية، إنها في الأصل دولة مفتوحة لكل مؤمن بمبادئها باختياره الحر بلا ضغط ولا إكراه. دولة عالمية لأن لها رسالة عالمية، إنها دولة فكرة، وعقيدة تذوب فيها فوارق الأجناس والأوطان، والألسنة، والألوان، حيث يوحد الإسلام بين أبنائها بإله واحد، ورسول واحد، وكتاب واحد، وتجمع بينهم قبلة واحدة، وشعائر واحدة، وشريعة واحدة وآداب واحدة، وبهذا تتكون منهم أمة واحدة تقوم على توحيد الكلمة المنبثق من كلمة التوحيد.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة شرعية دستورية

فالدولة الإسلامية دولة دستورية أو شرعية لها دستور تحتكم إليه وقانون ترجع إليه، ودستورها يتمثل في المبادئ والأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وبينتها السنة النبوية المطهرة في العقائد والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، والعلاقات شخصية ومدنية، وجنائية، وإدارية، ودستورية، ودولية.
وهي ليست مخيرة في الالتزام بهذا الدستور أو القانون، فهذا مقتضى إسلامها ودليل إيمانها. قال تعالى: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة: ٤٩، ٥٠].
وقال أيضًا: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) [المائدة: ٤٤].
وأيضًا: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [المائدة: ٤٥]،
وأخيرًا يقول تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [المائدة: ٤٧].
وهذه الآيات، وإن نزلت في شأن أهل الكتاب جاءت بلفظ عام يشملهم، ويشمل المسلمين معهم، والعبرة كما يقول أهل العلم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا يتصور أن يحكم الله بالكفر أو الظلم أو الفسق على من لم يحكم بما أنزله من اليهود والنصارى، ويعفي من ذلك المسلمين، فعدل الله واحد، وليس ما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- دون ما أنزله الله سبحانه على موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة شورية لا كسروية

إنها لا تقوم على الوراثة التي تحصر الحكم في أسرة واحدة، أو فرع من أسرة يتوارثه الأبناء عن الآباء والأحفاد عن الأجداد كما يتوارثون العقارات والأموال، وإن كانوا أضل الناس عقولًا، وأفسدهم أخلاقًا.
إن العلم والحكمة والفضائل لا تورث بالضرورة، فكم رأينا من آباء صالحين وأبناء فاسدين، وقد قال الله عن إبراهيم وإسحاق: ((وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ)) [الصافات: ١١٣]. وقال الله تعالى عن خليله إبراهيم -عليه السلام: ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)) [البقرة: ١٢٤].
ودولة الإسلام تقوم على أفضل ما في الديمقراطية من مبادئ، ولكنها ليست نسخة من الدولة الديمقراطية الغربية. إنها توافق الديمقراطية الغربية في ضرورة اختيار الأمة لمن يحكمها، فلا يجوز أن يفرض عليها من يقودها رغم أنفها، وتوافقها في أنه مسئول أمام ممثليها من أهل الشورى وأصحاب الحل والعقد فيها، حتى إن لهم أن يعزلوه إذا انحرف وجار ولم يستمع لنصح الناصحين أو ظهر منه الكفر الصريح.
وتزيد عليها في أنها تجعل لكل فرد في الأمة رجلًا كان أو امرأة أن ينصح للحاكم، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر بما له من ولاية المؤمن على المؤمن، أيًّا كان منصبه ومنزلته ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ)) [التوبة: ٧١].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة هداية لا جباية

الدولة الإسلامية هي دولة هداية لا دولة جباية كما قال أبو الحسن الندوي، أي: أن أكبر همها نشر دعوتها في العالمين، وتوصيل رسالتها إلى كل مكان، فهي رحمة الله إلى الناس كافة، ولا يجوز حجز رحمة الله أن تصل إلى عباد الله، وقد بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكتابة إلى ملوك العالم وأمرائه؛ ليبلغهم الدعوة، ويقيم عليهم الحجة، وعلى الدولة التي تتحدث باسمه اليوم ولديها من الوسائل ما لم يكن عشر معشاره متيسرًا من قبل، أن تتخطى العقبات وتُسمع صوت الإسلام للعالم كله، وإلا فإن الله سائلها عن أولئك الملايين بل البلايين من الناس الذين لم يكادوا يعرفون عن الإسلام شيئًا، أو لا يعرفون عنه إلا قشورًا أو معلومات مشوهة تضر أكثر مما تنفع، بل ربما تضيف إليه ما ليس منه، وتخرج من تعاليم الإسلام ما هو من لبه وصلبه، وتبرز الحقائق في صورة الأباطيل، والأباطيل في صورة الحقائق.
إن مهمة الدولة المسلمة أن تهدي الناس إلى الله، وأن تزيح العوائق من طريق الإسلام، وأن تخاطب الناس بلسان عصرهم وعالمهم، حتى يفهموا عنها كما قال القرآن: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم: ٤] ولسان الناس في القرن الخامس عشر الهجري غير لسانهم في القرن الثالث عشر أو الثاني عشر، فلنراعِ هذه الفروق ولنحدث الناس بما يعرفون، وندع ما ينكرون حتى لا يكذبوا الله ورسوله.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


فقد حدث أن بعث والي عمر بن عبد العزيز على مصر إلى عمر يشكو إليه كثرة دخول الناس في الإسلام؛ حيث تسقط عنهم الجزية بإسلامهم، ولا تجب عليهم الزكاة إلا بعد حول من دخولهم في الإسلام، ويريد الولي أن يظل فرض الجزية قائمًا على من أسلموا لمصلحة الخزانة وجباية المال، فماذا كان جواب عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه؟! وقد كان جوابه جملة مختصرة مضيئة تبين رسالة الدولة المسلمة كما يتصورها الخليفة الراشد أو الخليفة العادل -رضي الله عنه- يقول عمر للوالي: "قبح الله رأيك إن الله بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا". تلك هي الرسالة؛ الهداية لا الجباية.
بعض الدول تجعل شغلها الشاغل جمع أكبر حصيلة من الأموال من جيوب الرعية بكل وسيلة، أو عن طريق الضرائب أو مسميات كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، أما دولة الإسلام فمهمتها هداية أكبر عدد من الناس إلى دين الله، ولأن يهدي الله بك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة لحماية الضعفاء

من معالم دولة الإسلام أنها تحمي الضعفاء، فهي دولة لحماية الضعفاء أو لحماية حقوقهم لا لحماية مصالح الأقوياء، فهي تفرض الزكاة، وتأخذها من الأغنياء لتردها على الفقراء، كما تفرض في موارد الدولة الأخرى -كالفيء والغنيمة وغيرهما- نصيبًا مؤكدًا لليتامى والمساكين، وأبناء السبيل ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) [الحشر: ٧].
وقال الخليفة الأول في خطبته الأولى، وهو أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- حين قال: "أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ألا إن القوي فيكم هو الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم هو القوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله"، رضي الله عن الخليفة الأول الصديق أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه.
إذًا دولة الإسلام دولة المظلومين والمستضعفين في الأرض، والذين طالما داستهم أقدام المتجبرين، وافترستهم أنياب الأقوياء ممن أطغاهم المال أو السلطان. إنها تقف في صفهم إلى حد أنها تقاتل في سبيل تحريرهم، وإنقاذهم من الطواغيت. يقول الله تعالى: ((وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)) [النساء: ٧٥].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


ولا نجد دينًا كالإسلام وعى حقوق الضعفاء، وعمل على حمايتهم من ظلم الأقوياء دون أن يطالبوا هم بشيء من ذلك، بل دون أن يحسبوا أن لهم حقًّا لدى غيرهم، فقد توارثوا الجور وهضم الحق حتى أصبح هو الأصل والقاعدة في نظام المجتمع، فلما جاء الإسلام أرشد الناس إلى أن العدل الذي نزلت به كتب الله تعالى، وبعث به رسله، وبه قامت السماوات والأرض يقتضي رعاية الضعفاء والوقوف بجانبهم، حتى ينالوا حقوقهم المادية والأدبية، وضع الإسلام خطة لتحرير الرقيق بالتدرج، ويكفي أنه جعل مصرفًا من مصارف الزكاة الأساسية لهذا التحرير.
وفي عهد عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أرسل واليه على إفريقيا يذكر له أنه لم يجد فقيرًا يعطيه الزكاة، فقال له: "اشتر بها رقابًا فأعتقها"، وجعل الإسلام للفقراء حقًّا معلومًا في أموال الأغنياء، ليس مجرد إحسان يتبرعون به إن شاءوا بل هو فريضة ركنية من أركان الدين، تؤخذ كرهًا إن لم يدفعها صاحبها طوعًا، بل يقاتل عليها بحد السيف إذا تمثل في جماعة ذات شوكة كما فعل أبو بكر الخليفة الأول، وقال كلمته الشهيرة: "والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه". ولم تكن الزكاة مجرد إسعاف سريع بدراهم معدودة أو لقيمات محدودة، بل الأصل فيها تحقيق الكفاية التامة للفقير ولأسرته، بحيث تلبي كل حاجاته الأساسية من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن، وعلاج وتعليم، وكل ما لا بد له منه من غير إسراف ولا تقتير.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


بل لقد ذهب الإمام الشافعي وأصحابه إلى إعطاء الفقير من الزكاة ما يغنيه طوال عمره المعتاد لمثله، ولا يحوجه إلى الزكاة مرة أخرى، ورعى الإسلام كذلك شأن ذوي الحاجات الطارئة مثل الغارمين وأبناء السبيل، كما عني الإسلام في قرآنه وسنته أبلغ العناية باليتامى الذين فقدوا آباءهم في الصغر، وشدد الإسلام أوامره بالمحافظة على شخصيتهم من القهر والإذلال، وعلى أموالهم إن كان لهم مال من الإهمال وسوء الاستغلال، حتى إن القرآن الكريم يقول: ((وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)) [الأنعام: ١٥٢].
فلو كانت هناك طريقتان لتنمية مال اليتيم إحداهما حسنة، والأخرى أحسن وأفضل منها، لم يجز تنميته إلا بالتي هي أحسن، وقد استفاضت أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في الاهتمام بأمر الضعفاء، والدفاع عنهم بأبلغ الأساليب التي لم يعهدها الناس من قبل، وهكذا رعى الإسلام كل أنواع الضعفاء سواء كان الضعف من فقد المال كالفقراء والمساكين، أو من فقد الحرية كالرقيق ومن في حكمهم، أو من فقد الوطن كأبناء السبيل أو من فقد الناصر أو النصير والمعين كاليتيم، أو من فقد العائل كالأرملة أو من فقد القدرة من أجل السن كالشيوخ والأطفال وهكذا.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


فهو يقول -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص، وقد بدا منه شيء من عدم الاكتراث ببعض ضعفاء القوم: ((وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)) وفي رأيي أن الحديث -وهو في البخاري- مع إفادته قرب هؤلاء من الله تعالى، وأن الله يبارك للأمة ويؤيدها بفضلهم وإخلاصهم وانكسارهم، يشير إلى حقيقة أخرى كثيرًا ما يغفل عنها الناس، وهي أن هذه الفئات الضعيفة المغلوبة عادة في المجتمعات هي عماد الإنتاج في السلم، فهي تُكوِّن الهيكل العظمي للطبقة العاملة الكادحة، وهي عماد النصر في الحرب؛ لأنها تكون العمود الفقري للجنود المقاتلين في الحرب.
وقد روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا قدست أمة لا يعطى الضعيف فيها حقه غير متعتع)) أي: من غير أن يصيبه أذى يزعجه ويقلقه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وكلها تؤكد هذه الحقيقة الكريمة من حقائق الإسلام. من هنا إذًا يقف الإسلام مع الطرف الضعيف أيًّا كان سبب ضعفه في مواجهة الطرف القوي، فهو يقف مع الفقير حتى يأخذ حقه من الغني إلى حد قتال الأغنياء على ذلك، ويقف مع المستأجر حتى يأخذ أجرته من مؤجره، ويقول في ذلك بصراحة: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)).

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


ويجعل من الثلاثة الذين يخاصمهم الله يوم القيامة: رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى منه عمله ولم يوفه أجره، ويقف مع الإنسان المغمور في المجتمع ممن لا مال له ولا جاه ولا نسب ولا عشيرة، ممن إذا شفع لم يشفع وإذا خطب لم يزوج، وإذا استأذن لم يؤذن له، وهو الذي قال في شأنه الرسول العظيم -صلى الله عليه وسلم- مفاضلًا بينه وبين آخر من ذوي الجاه والحسب والحظوة والشهرة، قال: ((هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- وقد أكد ذلك بقوله: ((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)). ويقف مع المرأة حتى تأخذ حقها من الرجل، ويرفع الظلم عنها، ولو كان هذا الرجل أباها أو زوجها وشريك حياتها، وفي هذا يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [النساء: ١٩].
ويقف مع الأطفال بنين كانوا أو بنات حتى ينالوا حقهم من الرعاية المادية والأدبية والعاطفية من آبائهم وأمهاتهم، وندد بأهل الجاهلية الذين قتلوا أولادهم من إملاق أو خشية إملاق واقع أو متوقع، وخصوصًا البنات اللاتي كان نصيبهن الوأد من أقرب الناس إليهن وهم آباؤهن. يقول تعالى: ((وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)) [التكوير: ٨، ٩]، ويقول: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة: ٢٣٣].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


ويقف مع الآباء والأمهات إذا أدركتهم مرحلة الشيخوخة التي يحتاجون فيها إلى مزيد من العطف والرعاية؛ لحاجاتهم المادية والنفسية، وتقدير حساسيتهم المفرطة تجاه أية كلمة تؤذي شعورهم. وفي هذا يقول القرآن الكريم في رعاية الجانب النفسي والشعوري: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)) [الإسراء: ٢٣، ٢٤].
وفي رعاية الجانب المادي قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((أنت ومالك لأبيك))، ويقف مع جمهور المستهلكين من عامة الناس ضد المحتكرين من التجار والمتلاعبين بالأسواق، وبخاصة أقوات الناس وأطعمتهم. يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يحتكر إلَّا خاطئ)) أي آثم أو مذنب أو عاص، وهي الكلمة التي وصف بها القرآن الجبابرة المستكبرين في الأرض بغير الحق: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)) [القصص: ٨].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


ولهذا ذهب الفقهاء المحققون إلى وجوب تسعير السلع إذا تعدى أصحابها تعديًا فاحشًا يضر بعامة الناس، وبخاصة في أقواتهم وفي كل ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة. وعلى الدولة الإسلامية مسئولية أساسية عن رعاية كل هؤلاء الضعفاء والوقوف بجانبهم، وتوفير الضمانات اللازمة لإيصال حقوقهم إليهم، ومنع عدوان الأقوياء عليهم ورفع ذلك إذا وقع بكل سبيل، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته)) إلى آخر الحديث ويقول -صلى الله عليه وسلم: ((إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: أحفظ أم ضيع)).
وقد نفذ -صلى الله عليه وسلم- في حياته ذلك وفي دولته النموذجية التي أقامها بالمدينة، والتي رعت الفقراء والمساكين، والغارمين، وأبناء السبيل، واليتامى، والأرامل، والرقيق والمستضعفين، وقال -عليه الصلاة والسلام: ((أنا أولى بكل مسلم من نفسه، من ترك مالًا فلورثته ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي)) المراد بالضياع الأسرة والذرية المعرضة للضياع؛ لعدم المورد وفقد العائل. وفي أول فرصة واتت النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أفاء الله عليه بعد جلاء بني النضير -من يهود المدينة- جعل من هذا الفيء سبيلًا للتوسعة على فقراء المهاجرين، وبعض فقراء الأنصار؛ رفعًا للمعاناة عنهم، وتقريبًا للشقة بينهم وبين الموسرين القادرين، وفي هذا قرر القرآن مبدأ عظيمًا من مبادئ العدل الاجتماعي؛ حيث قال: ( (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) [الحشر: ٧].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


ولم يقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون للأقوياء ميزة في دولته يتمتعون بها دون سائر الناس، كأن تخفف عنهم بعض التكاليف أو يعفوا من بعض العقوبات رعاية لأنسابهم وأحسابهم ومنازلهم، وحين توسطت إليه قريش في شأن المرأة المخزومية التي سرقت، أو التي كانت تجحد العارية وشفعت فيها بحبه وابن حبه أسامة بن زيد غضب أشد الغضب -صلى الله عليه وسلم- وقال قولته الشهيرة في رفض التفرقة بين الشريف والضعيف وختمها بتلك الجملة الذهبية: ((وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة الحقوق والحريات إيمانًا والتزامًا لا دعاية وكلامً

إن حق الحياة، وحق التملك، وحق الكفاية من العيش، وحق الأمن على الدين والنفس والعرض والمال والنسل؛ تعتبر كلها في نظر التشريع الإسلامي من الضروريات الخمس أو الست، التي أنزل الله الشريعة للمحافظة عليها، ولا يجوز لأحد أن يفرط فيها، وقد أوجب الشارع العقوبات الرادعة من الحدود والقصاص لحمايتها من العدوان عليها، وواجب الدولة المسلمة أن تعمل على أن تحقق لكل فرد -يعيش في ظلها- هذين الهدفين الأساسيين من أهداف حياته: الكفاية والأمن؛ حتى يستطيع الناس إذا اكتفوا وأمنوا أن يفرغوا لعبادة ربهم الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف.
والحريات التي يتغنى بها الناس في عصرنا ويحسبونها من مبتكرات الثورات الحديثة في الغرب، كالثورة الفرنسية، وغيرها مثلًا فقد سبق الإسلام ببيانها والدعوة إليها، وقامت الدولة المسلمة برعايتها، وإخراجها من حيز النظر إلى حيز التطبيق، فالحرية الدينية اختراع إسلامي كما يقول الشيخ الغزالي -رحمه الله- فلم يعرف في ظل دين من الأديان أن عني بتقرير الحرية الدينية لمخالفيه، وأن رفض الإكراه في الدين بأية صورة من الصور، واعتبر الإيمان هو الذي يأتي عن طريق الاقتناع والاختيار الحر، أما إيمان فرعون عند الغرق فلا قيمة له؛ لأنه فقد حرية الاختيار، وكذلك من رأى بأس الله ولم يعد يملك دفعه: ((فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)) [غافر: ٨٥].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


أعلن القرآن في مكة والمدينة رفض الإكراه على الإيمان، ففي مكة يقول: ((أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) [يونس: ٩٩]، وفي المدينة يقول: ( (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: ٢٥٦].
وقرر الإسلام الحرية الدينية لمن يعيش في كنفه من مخالفيه كاليهود والنصارى وغيرهم، وسمح لهم بحرية الاعتقاد، وحرية التعبد، وحرية الاحتكام إلى الشريعة فيما تأمرهم به، بل سمح لهم أن يتناولوا من الأطعمة ما يؤمن هو بحرمته ورجسيته، مثل لحم الخنزير ما داموا هم يعتقدون حله، وهي قمة في التسامح لم يصل إليها دين أو لم تصل إليها شريعة من الشرائع الأخرى. وإذن نختم هذه الفقرة بتقرير أن الدولة الإسلامية هي الدولة التي اتسعت لمختلف المدارس العلمية والفكرية على مدار التاريخ، وخصوصًا في قرون الازدهار الحضاري، ورأينا مختلف مدارس الكلام والفقه، والتفسير والتصوف وغيرها تختلف وتتحاور، ويرد بعضها على بعض، ولكنها تتعايش فيما بينها، ويأخذ بعضها من بعض بلا حرج ولا تعصب.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


دولة مبادئ وأخلاق

فالدولة الإسلامية تلتزم بمجموعة من المبادئ والأخلاق، ولا تحيد عنها في داخل أرضها وخارجها، مع من تحب، ومع من تكره في سلمها وفي حربها، فهي لا تتعامل بوجهين ولا تتكلم بلسانين، ولا تقبل أن تصل إلى الحق بطريق الباطل، ولا أن تحقق الخير بوسائل الشر. إنها تؤمن بالغاية الشريفة والوسيلة النظيفة معًا، وهي ترفض تمامًا الفلسفة المكيافلية التي ترى أن الغاية تبرر الوسيلة، كالذي يأكل الربا ليبني به مسجدًا، أو التي تزني لتتصدق على الفقراء، فليتك لم تزني، ولم تتصدقي، ونبي الإسلام يعلم أمته قائلًا: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا)) يشير إلى ذلك الذي يجمع المال من طريق السحت والباطل ثم ينفقه في طريق الخير.
وإذا كانت بعض الدول تلتزم بالقيم الأخلاقية في سلمها، وتلغيها أو تجمدها في حالة حربها، فإن دولة الإسلام لا تتخلى عن قيمها الأخلاقية في حرب أو سلم، وقرآنها ينهاها عن العدوان في القتال كما ينهاها عنه في حالة السلام: ((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) [البقرة: ١٩٠]، كما ينهاهم عن الخيانة مع العدو، وإن تكرر منه ذلك حتى ننبذ إليه على سواء. قال تعالى: ((وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)) [الأنفال: ٥٨].

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


ولا تستبيح الدولة الإسلامية في حربها دماء النساء والأطفال والشيوخ ممن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، بل لا يقتل إلا من يقاتل، وفي إحدى المعارك رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة مقتولة، فأنكر قتل النساء والصبيان، ولا تتوسع الدولة المسلمة في سفك الدماء في الحرب بل تقتصد فيه أشد القصد، إلا ما اقتضته الضرورة، ومثل ذلك قطع الشجر وهدم البناء وغيرهما مما اعتاده الناس في الحروب، فقد نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- ومشى على ذلك أصحابه من بعده، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين، ثم قال: ((اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا)) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم.

١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


xxxxxxx


١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


xxxxxxx


١.٣ خصائص وسمات الدولة الإسلامية


xxxxxxx