قاعدة: "العادةُ محكَّمة", والقواعد المتداخلة معها
أولاً: قاعدة "العادةُ محكَّمة"
القاعدة معناها:
أن العادة عامة كانت، أو خاصة تعتبر محكمة عند النزاع؛ لإثبات حكم شرعي لم يقم دليل ينص على خلافه بخصوصه، أو قام الدليل ولكنه كان عامًّا؛ لأن العادة دليل يُبنى عليه الحكم الشرعي، ويجب أن يكون معلومًا، أن النص أقوى من العرف والعادة, اعتبر الفقهاء العادة في استعمالاتهم، والمجتهدون في استنباط الأحكام، والقاضي فيما يرفع إليه من الدعاوى، إذا ما أصبحت العادة معهودة، وجارية بين الناس؛ لأن العرف هو ما استقر عليه الناس في عاداتهم وأعرافهم، وتلقته الطبائع بالقبول إلا أن العادة أعم من العرف؛ لأن العرف لا يكون إلا فيما تعارفه الناس جميعا، وهو العرف العام، ويكون فيما تعارفه أهل بلد بعينها، وهو العرف الخاص.
قاعدة: "العادةُ محكَّمة", والقواعد المتداخلة معها
أولاً: قاعدة "العادةُ محكَّمة"
ومن الأدلة على هذه القاعدة:
 |
قوله تعالى: ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة: ٢٢٨] |
 |
وقوله سبحانه: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [النساء: ١٩] ووجه الدلالة من الآيتين الكريمتين أن الله تعالى قد أرشد الزوجين في عشرتهما، وأداء حق كل منهما للآخر إلى المعروف المعتاد الذي يرتضيه العقل، ويطمئن إليه القلب. |
 |
ومن دليل السنة المطهرة على تحكيم العادة في بعض الأحوال، قوله -صلى الله عليه وسلم: ((الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة)) ووجه الدلالة أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزرع، فاعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة لما كانوا أهل متاجر اعتبرت عادتهم في الوزن أى: فيما يتقدر شرعًا، كنصب الزكاة، ومقدار الديات، وزكاة الفطر والكفارات ونحو ذلك، ولا يفهم من ذلك تعديل الموازين، والأرطال والمكاييل على حسب عيار أوزان أهل مكة، ومكاييل أهل المدينة، أو أن تكون حكما عند التنازع، فيحمل الناس عليها إذا تداعوا، وإنما المراد أنهم إذا اختلفوا في قدر المكيلة، والرطل، فإنهما يحملان على عرف البلد، وعادة الناس في المكان الذي حدث الخلاف فيه. |
قاعدة: "العادةُ محكَّمة", والقواعد المتداخلة معها
أولاً: قاعدة "العادةُ محكَّمة"
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها إحياء الموات، ومنها الحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يعد قبضا وإيداعا وإعطاء، وهدية، وغصبًا والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة، وأمثال هذا كثير وهو يرجع إلى العرف والعادة المتبعة؛ لأن العادة محكمة.
قاعدة: "العادةُ محكَّمة", والقواعد المتداخلة معها
ثانياً: "استعمالُ النَّاس حجة يجب العمل بها"
معنى هذه القاعدة أن عادة الناس حجة يجب العمل بموجبها، إذا لم تكن مخالفة للشرع؛ لأنه يستحيل تواطؤهم على الكذب والضلال؛ لكثرتهم واختلاف أقطارهم، ولكن لا مانع من تبدل الحكم المبني على استعمال الناس المخالف لنصوص الفقهاء المبني علي العرف، أو الاجتهاد والرأي، إذا تبدل العرف، وكان الاستمرار على الحكم السابق فيه مشقة تصيب العباد.
من الأمثلة:
 |
عدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة الآن، فعلى الحاكم أن يتحقق من عدالة الشهود مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- من الاكتفاء بظاهر العدالة، بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، ولكن أبا يوسف ومحمدًا نصا على أنه لا يكتفي بذلك الظاهر لفشوِّ الكذب في زمانهما. |
 |
تضمين الساعي بالنميمة مع مخالفة ذلك لقاعدة الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن كثرة السعاة المفسدين، أفتوا بتضمين الساعي المفسد. |
قاعدة: "العادةُ محكَّمة", والقواعد المتداخلة معها
ثالثاً: "إنما تُعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت"
إنما تعتبر العادة إذا اطَّردت أو غلبت جمعا مع قاعدة "العبرة للغالب الشائع لا للنادر"، وهما قاعدتان تعبران عن بعض شرائط العرف، فإن العرف لكي يعتبر صحيحًا، فإنه يشترط فيه الاطراد والغلبة والشيوع. والمراد من الاطراد في العرف أن يكون العمل به مستمرا، بحيث لا يتخلف في جميع الأوقات والحوادث، وقد يُعبَّر عن الاطراد بالعموم.
قاعدة: "العادةُ محكَّمة", والقواعد المتداخلة معها
رابعاً: "المعروف عُرفا كالمشروط شرطا"
هذه القاعدة معناها: أنَّ ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم، وإن كان لم يذكر صريحا هو قائم مقام الشرط في الالتزامات، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح.
مثال ذلك:
 |
أن المستفيد من سند الأمر، إذا وقع في ظهره توقيعا مجرداً على بياض وسلمه لشخص، كان هذا التوقيع حوالة منه إلى المستلم، أو إلى من يختاره المستلم، وإذا وقع شخص على صك يعتبر رضا بالعقد في عرف الناس اليوم؛ لأن التوقيع إنما يوضع عادة للتعبير عن الرضا، والموافقة. |
 |
أن توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود تحمل على عادة الناس في كل بلد، فمن اشترى سيارة مثلا دخل فيها العدة اللازمة لها، والخاصة بها، وتدخل أيضا مفاتيحها، ويدخل عجلها الاحتياطي بدون ذكر لذلك في العقد، للعرف المتداول وللعادة الجارية، وغني عن البيان أن الشرط المتعارف يكون قائما مقام الشرط، إذا لم يكن مصادمًا لنص من النصوص الشرعية. |