٥.١ قاعدة "الضَّرر يزال", و فروعها والقواعد المتداخلة معها


أولاً: قاعدة "الضَّرر يُزال"

هذه القاعدة تتضمن نصف الفقه، لأنَّ الأحكام الشرعية، إما لجلب المنافع أو لدفع المضار.

والضرر يُزال: جملة خبرية لفظا إنشائية معنى؛ وأصل هذه القاعدة عدّة آياتٍ قرآنية والآحاديث منها:

قوله تعالى: في شأن المطلقات: ((وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)) (البقرة: من الآية: ٢٣١)
وحديثٌ حسن رواه ابن ماجه والدارقطني، وغيرهما عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس وعبادة الصامت، ونصه: ((لا ضرر ولا ضرار)).

قال العلامة ابن الأثير: لا ضرر أي: لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئا من حقه، والضرار فعال من الضر أي: لا يجازيه إضراره بإدخال الضرر عليه، وإن من يستقرئ أحكام الشريعة في كل جزئياتها، يدرك تماما أن الشارع الحكيم قصد من ذلك تحريم كل أنواع الضرر، وأن هذه الجزئية تندرج تحت أصل كلي يمكن أن يرجع إليه كل ما كان من هذا القبيل.


٥.١ قاعدة "الضَّرر يزال", و فروعها والقواعد المتداخلة معها


ثانيا: "الضَّرر لا يزال بالضَّرر"

معنى هذه القاعدة:

أن الضرر لا يزال بمثله، ولا بأكثر منه بالأولى، بل يشترط أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن، وإلا فبالأخف.

من الأمثلة:

إذا أخذ المضطر طعام غيره، وجب عليه أن يدفع ثمنه؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
لو تزوج رجل امرأة فوجدها ضيقة الفرج وهو ذو عبالة بحيث إذا أتاها أدى إلى إفضائها، وأضر بها فليس له أن يعاشرها معاشرة الأزواج؛ لأن في معاشرتها إزالة ضرر بضرر.


٥.١ قاعدة "الضَّرر يزال", و فروعها والقواعد المتداخلة معها


ثانيا: "الضَّرر لا يزال بالضَّرر"

مستثنيات القاعدة

ومنمستثنيات القاعدة:

ما لو كان أحد الضررين أعظم، فإنه يرتكب الضرر الأخف؛ لدفع الضرر الأعظم، وذلك في مثل القصاص والحدود، فإن القصاص من القاتل، وإن كان فيه ضرر لكن قتله أخف من ضرر تركه، حتى لا يشيع القتل في الأمة.
قتل تارك الصلاة ضرر، ولكن الضرر في عدم قتله أغلظ وأعظم؛ لأنه يدعو إلى تهاون الناس في ترك الصلاة، وهي أهم ركن من أركان الدين الإسلامي، وهو الصلاة.


٥.١ قاعدة "الضَّرر يزال", و فروعها والقواعد المتداخلة معها


ثالثاً: "يُحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"

قاعدة مهمة مبنية على مقاصد الشريعة في مصالح العباد، واستخرجها الأئمة المجتهدون من الإجماع، ومعقول النصوص وتتضح من خلال أن الشرع جاء بحفظ مقاصد عامة وقد يعارض هذه المصالح والمقاصد العامة مفاسد, فدفع هذه المفاسد بالردع والانزجار المبني على الحدود مثلا مقدم على ما يؤدي إليه التغاضي عن هذه المفاسد من تهديد المقاصد العامة, فالشرع جاء بحفظ النسب والدين والعقل والأموال والأنفس، فحفظ هذه المقاصد مقدم على مفسدة قتل القاتل ورجم الزاني وقطع السارق والتي هى مفسدة خاصة.

تطبيقات هذه القاعدة:

وجوب قتل قاطع الطريق، إذا قتل بأي كيفية، وبدون قبول عفو عنه من ولي القتيل؛ دفعا للضرر العام، ووجوب قتل كل مؤذٍ لا يندفع أذاه إلا بالقتل، كما أفتى بذلك بعض المتأخرين، ووجوب نقض الحائط المتوهن إذا كان في الطريق دفعًا للضرر العام، وجواز التسعير إذا تعدى التجار في بيعهم بالغبن الفاحش؛ دفعًا للضرر العام, وجواز الحجر على الطبيب الجاهل؛ دفعا للضرر العام، وبيع الفاضل من الطعام على المحتكر إذا كان يزيد عن قوته وقوت عياله إلى وقت السعة، وجواز الحجر على المفتي الماجن؛ حرصا على دين الناس.


٥.١ قاعدة "الضَّرر يزال", و فروعها والقواعد المتداخلة معها


رابعاً: "الضرر الأشد يُدفع بالضرر الأخف"

فلو كان أحد الضررين أعظم، فعندئذٍ نزيل الضرر الأعظم بارتكاب الضرر الأخف، ومن أمثلة ذلك: القصاص والحدود، وقتال البغاة، ودفع الصائل، والإجبار على قضاء الدين، والنفقة الواجبة، والظفر بالحق، وأخذ المضطر طعام غيره، وقطع شجر الغير، وشق بطن الميت، ورمي الكفار، وطلب القسمة في الشفعة، وغير ذلك من المسائل.

خامساً: "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفِّهما"

ومعنى هذه القاعدة: أن الأمر المتردد بين ضررين إذا كان أحدهما أشد من الآخر، فإنه يتحمل الضرر الأخف؛ لدفع الضرر الأشد، ومراعاة أعظمهما تكون بإزالته؛ لأن المفاسد تراعى نفيًا، كما أن المصالح تراعى إثباتا.

هذه القاعدة يُستدلُّ لها بحديث الأعرابيِّ، الذي بال في المسجد حيث نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن زجره تفاديا لحدوث ضرر أشد بارتكاب الأخف؛ دفعا له، وهذا معناه أن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان، فإنه يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلف فإنه يختار أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا لضرورة.


٥.١ قاعدة "الضَّرر يزال", و فروعها والقواعد المتداخلة معها


سادساً: "إذا تعارض المانع والمقتضي، يُقدَّم المانعُ إلا إذا كان المقتضي أعظم"

المراد أنه إذا اجتمع الحلال والحرام، أو اجتمع المبيح والمحرم غلب الحرام على المبيح؛ لأنه في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة وتقديم المانع على المقتضي.

من فروع هذه القاعدة: التجارة في المحرمات ممنوعة، ومنها الخمر والمخدرات بكل أنواعها، ولو أن فيها أرباحا كثيرة، ومنافع اقتصادية هائلة، ومنها الرشوة والسرقة والميسر، وصنوف المقامرة وجميع المعاملات التي يخالطها الغبن والغش والاحتقار؛ لأنها طرق خبيثة، وكل الطرق المؤدية إلى الخبيث، وإلى الثراء المحرم في التجارة والمعاملات كل ذلك حرام، وعلى الفرد أن يلتزم التزاما دقيقا بتركها، وأن يتبين أن كسبه حلال، وأن وسيلته في هذا الكسب فوق الشبهات. إذا اشتبهت امرأة محرمة بأجنبيات محظورات أو محصورات، فإنه لا يحل الزواج بإحداهن، وأيضا إذا اختلطت زوجته بغيرها، فليس له الوطء بالاجتهاد؛ لأنه لا مجال بالاجتهاد في المحرمات.