المراد بالمشقة التي تكون سببًا في التيسير هي المشقة التي تنفك عنها التكاليف الشرعية دون المشقة التي لا تنفك عنها، كمشقة الجهاد، وألم الحدود ورجم الزناة، وقتل البغاة والمفسدين والجناة، فهذه المشقة لا أثر لها في جلب تيسيرٍ ولا تخفيف، وجلب الشيء معناه سوقه والمجيء به من موضع إلى موضع.

٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


أولاً: قاعدة "المشقة تجلب التيسير"

هذه القاعدة من القواعد الكلية الكبرى، وهي تفيد أن الصعوبة إذا وجدت في شيء من الأشياء كانت سببًا شرعيا صحيحًا للتسهيل والتخفيف ورفع المعاناة عن المكلف عند تنفيذ الأحكام بوجه ما.

والمشقة في اللغة معناها الجهد والتعب، يقال: شق عليه الأمر يشق شقًّا ومشقة إذا أتعبه.

ومنه قوله تعالى: ((وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [النحل: ٧] أي: لم تكونوا قادرين
على ذلك إلا بتعب النفس وانكسارها وعنتها، فإن من معاني المشقة الجهد والعناء والانكسار والضيق.


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


أولاً: قاعدة "المشقة تجلب التيسير"

وما هو التيسير؟

والتيسير في اللغة: معناه السهولة والليونة، يقال: يسر الأمر إذا سهل ولان.

ومنه الحديث الشريف:

((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا)) أخرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة، والمقصود بقوله: ((سدِّدوا)) أي: اقصدوا السداد في الأمر وهو الصواب، والمقصود بقوله: ((قاربوا)) أي: اطلبوا المقاربة، وهي القصد في الأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير، أي: إن الدين سهل سمح قليل التشدد، واليسر ضد العسر.

فالمعنى اللُّغوي لهذه القاعدة يفيد أن الصعوبة والعناء تصبح سببًا للتسهيل، هذا هو المعنى اللُّغوي وأما المعنى الاصطلاحي الشرعي للقاعدة فيفيد أن الأحكام التي ينشأ عنها حرجٌ على المكلف، وفيها مشقة تلحقه في نفسه أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسرٍ أو إحراج.


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


أولاً: قاعدة "المشقة تجلب التيسير"

أدلة القاعدة

من القرآن منها:
قوله تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)) [البقرة: ١٨٥]
وقوله تعالى: ((وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)) [البقرة: ٢٨٦]

يجب أن يُعلم أنَّ "المشقة تجلب التيسير" إذا لم يوجد نصٌّ في المسألة المفروضة، أما إذا وُجِدَ فيها نصٌّ فلا يجوز العمل على خلاف النص بداعي جلب التيسير وإزالة المشقة، أو لمراعاة المصلحة.

٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


أولاً: قاعدة "المشقة تجلب التيسير"

فروع هذه القاعدة

منها القعود في الصلاة عند مشقة القيام وفي النافلة مطلقًا، ومنها قصر الصلاة في السفر والجمع بين الصلاتين، ومن التخفيفات أيضًا
أعذار الجمعة والجماعة وتعجيل الزكاة، والتخفيفات في العبادات والمعاملات والمناكحات والجنايات, من التخفيفات المطلقة: فروض
الكفاية وسننها، والعمل بالظنون لمشقة الاطلاع على اليقين.


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


ثانياً: "إذا ضاق الأمر اتَّسع، وإذا اتَّسع ضاق"

هذه القاعدة تدل على أنه إذا ظهرت مشقة في أمر من الأمور؛ فإنه يرخص فيه ويُتوسع في حكمه، فإذا زالت المشقة عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهذا هو معنى القاعدة.

مثال ذلك:

فيما لو تحقق عسر مديون لا كفيل له بالمال، فيرخص بالتأخير وقت اليسر، ولو ثبت عدم اقتداره على دفع الدين دفعة واحدة؛ فيرخَّص له بتأدية الدين مقسطًا كذلك، ومعنى هذا أنه يجب إنظار المعسر إلى ميسرة.

وما هي أدلة القاعدة؟


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


ثانياً: "إذا ضاق الأمر اتَّسع، وإذا اتَّسع ضاق"

أدلة القاعدة

من الكتاب:
قوله تعالى: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [النساء: ١٠١] ووجه الدلالة أن الله- سبحانه وتعالى- خفَّف عن المؤمنين في حال الخوف، فأباح لهم قصر الصلاة، وتغيير كيفية أدائها، وشرع لهم صلاة الخوف،


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


ثانياً: "إذا ضاق الأمر اتَّسع، وإذا اتَّسع ضاق"

من فروع هذه القاعدة

جواز دفع السارق والباغي، ما أمكن إلى أن يندفع شره، ولو بالقتل، ولهذا قال الإمام عليٌّ: لا تتبعوا موليا ولا تجهزوا على جريح؛ لأنَّ القصد من القتال كان لدفع الضرر، وقد حصل بهربه أو جرحه، فلا يجوز الزيادة عليه؛ لأن ما جاز لأمر امتنع بزواله.
ومنها جواز قبول شهادة الأمثل فالأمثل، عند فقد العدالة أو عند ندرتها. ومنها إباحة أكل الميتة للمضطر، أو أكل مال الغير على أن يضمنه حفظا للحياة، ومنها شهادة النساء والصبيان في الحمامات، والمواضع التي لا يحضرها الرجال؛ دفعا لحرج ضياع الحقوق، والأصل في ذلك متفق عليه، ولكن اختلفوا في الفروع التطبيقية.


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


ثالثاً: الضَّرورات تبيح المحظورات

الضرورات جمع ضرورة، وأصلها الضَّرر، وهو الضيق، والمحظورات هي الممنوعات، ومعنى القاعدة أنَّ الأشياء الممنوعة تُعامل كالأشياء المباحة وقت الضَّرورة، وتعتبر حالة الضرورة من أعلى أنواع الحرج ومن أشدها، ومن أكثرها أهمية من الحاجة وهي أكبر خطرا.

دليلُ القاعدة

وقد دلت عليها آيات من كتاب الله- عز وجل- منها:

قوله تعالى: ((فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [المائدة: ٣]
ونظائرها مثل قوله تعالى: ((إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)) [الأنعام: ١١٩]
وبعد تعداده جملة من المحرمات قال الله تعالى: ((وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)) [الأنعام: ١١٩].


٤.١ قاعدة"المشقة تجلب التيسير", وبعض القواعد المتداخلة معها


ثالثاً: الضَّرورات تبيح المحظورات

أنواع الرخص المبنية على القاعدة

يفيد إباحة الممنوع ما دامت حالة الضرورة قائمة، كالأكل من الميتة للمضطر بقدر دفع الهلاك عند المجاعة، وكأكل لحم الخنزير، وإساغة اللقمة بالخمر عند الغصة، أو عند الإكراه التام بالقتل أو قطع عضو؛ لأن الاضطرار كما يتحقق بالمجاعة، يتحقق بالإكراه التام المفضي إلى التهلكة لا بالإكراه الناقص غير المفضي إليها.