..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


عزيزي الدارس، نتناول بالشرح:

أولاً : قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"
ثانياً : قاعدة "الأصل بقاءُ ما كان على ما كان"
ثالثاً : قاعدة "القديم يُترك على قدمه"
رابعاً : قاعدة "الأصل إضافةُ الحادث إلى أقرب أوقاته"
خامساً : قاعدة "الأصل في الصفات العارضة العدم".

..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


أولاً: قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"

اليقين في اللغة معناه: العلم الذي لا تردُّد فيه، أو معناه أنه قرار الشيء، يقال: يقن الماء في الحوض بمعنى أنه استقر فيه وثبت، هذا هو معنى اليقين في اللغة.

وأما معناه اصطلاحًا: فهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، أو هو حصول الجزم أو الظن الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه.

فخرج بالاعتقاد الجازم الظن وغلبة الظن؛ لأنه لا جزم فيهما.
وخرج بقوله في التعريف المطابق للواقع ما ليس مطابقاً للواقع وهو الجهل وإن كان صاحبه جازمًا.
وخرج بقوله عن دليل اعتقادُ المقلد فيما كان صوابًا؛ لأن اعتقاده لَمَّا لم يكن عن دليلٍ كان عرضةً للزوال.
والمناسب هنا هو اليقين بالمعنى اللُّغوي؛ لأنَّ الأحكام الفقهية إنما تُبنى على الظاهر، فكثيرًا ما يكون الأمر في نظر الشارع يقينًا لا يزول بالشك في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه.

..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


أولاً: قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"

الشك معناه التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر

أو بتعبيرٍ أدقَّ: تردد الفعل بين الوقوع وعدمه ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر، فإن ترجح أحدهما على الآخر بدليل ووصل ترجيحه إلى درجة الظهور الذي يبني عليه العاقل أموره ولم يطرح الاحتمال الآخر فهو الظن، فإن طرح الاحتمال الآخر بحيث لم يبق له اعتبار في النظر لشدة ضعفه فهو الظن الغالب، والظن الغالب معتبر في الشرع بمنزلة اليقين في بناء الأحكام عليه في كثيرٍ من المسائل إذا كان مستندًا إلى دليلٍ معتبرٍ وإن لم يترجح فهو الوهم.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


أولاً: قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"

أدلة القاعدة

منها قوله تعالى: ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا)) [يونس: ٣٦].
منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)) ووجه الدلالة أن الإنسان لا يدع ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين في انتقالها، وقوله في الحديث: ((حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)) معناه: أنه لا ينصرف من صلاته حتى يتيقن من خروج الحدث.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


أولاً: قاعدة "اليقين لا يزول بالشك"

المسائل المفرَّعة على هذه القاعدة

المسائل المخرّجة على هذه القاعدة تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو تبلغ أكثره، ومن أهم الفروع ما يلي:

إذا سافر رجل إلى بلاد بعيدة وانقطعت أخباره مدة طويلة، فانقطاع أخباره يثير شكًّا في حياته، إلا أن ذلك الشك لا يزيل اليقين وهو حياته المتيقنة من قبل، ومن ثَمّ فلا يجوز الحكم بموته وليس لورثته اقتسام تركته ما لم يثبت موته يقينًا، وعلى العكس من ذلك إذا سافر شخصٌ آخر بسفينة وثبت غرقها فعندئذٍ يحكم بموته؛ لأن موته ظن غالب والظن الغالب بمنزلة اليقين.

..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


ثانياً: قاعدة "الأصلُ بقاء ما كانَ على ما كان"

هذه القاعدة معناها أنَّ الأصل يبقى على ما كان عليه، حتى يقوم الدليل على خلافه؛ لأن ما ثبت على حالٍ في الزمان الماضي ثبوتًا أو نفيًا يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره.

ما الدليل الذي تستمد منه هذه القاعدة ؟

الدليل الذي تستمد منه هذه القاعدة هو الاستصحاب.

تعريف الاستصحاب :

والاستصحاب في اللغة: معناه الملازمة وعدم المفارقة.
وعرَّف الفقهاء الاستصحاب: بأنه لزوم حكم دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


ثانياً: قاعدة "الأصلُ بقاء ما كانَ على ما كان"

و ينقسم الاستصحاب عند الفقهاء إلى قسمين:

الأول: أنَّ الشيء إذا كان على حالٍ في الزمان الماضي، فهو على حاله في المستقبل ما لم يوجد ما يُغيِّره، وهذا القسم من الاستصحاب سمَّاه بعضُهم استصحاب الماضي للحال.
الثانى: أنَّ الشيء على حالته الحاضرة، يُحكم أنه كان عليها في الزمان الماضي، ما لم يوجد دليل يُغيرها، وهذا يُسمّى الاستصحاب المعكوس، وسماه بعضُهم استصحاب الحال للماضي.

وهذه القاعدة معناها يُشير إلى النوع الأول من الاستصحاب وهو استصحاب الماضي للحال.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


ثانياً: قاعدة "الأصلُ بقاء ما كانَ على ما كان"

استثناءات من القاعدة:

ويستثنى من حكم هذه القاعدة بعض مسائل خرجت عنها وأخذت حكمًا مغايرًا، ودائمًا المسائل المستثناة من القاعدة تأخذ حكمًا مختلفًا عن حكم القاعدة، ومن هذه المسائل:

ما لو ادعت المرأة مضيَّ عِدّتها في مدة تحتمل انقضاء العِدّة، فإنها تصدق بيمينها مع أنَّ الأصل بقاء العِدّة بعد وجودها؛ وذلك لأن مضي مدة العدة من الأمور التي لا تعلم إلا من المرأة، فما لم يكن دليل على قولها فإن قولها هو الثابت، ولا يمكن ثبوت مضيِّها أصلاً إلا عن طريقها، وذلك من أجل الضَّرورة.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


ثالثا : قاعدة "القديم يُترك على قدمه"
المراد بالقديم هنا ما لا يُعرف أوله؛ لأن ما يُعرف مبدؤه لا يكون قديمًا.

معنى القاعدة
ومعنى القاعدة أن القديم المشروع يجب أن يُترك على حاله الذي هو عليه حتى يثبت خلافه؛ لأن بقاء الشيء مدة طويلة دليلٌ على أنه مستندٌ إلى حق مشروع فيحكم بأحقيته، وذلك من باب حسن الظن بالمسلمين بأنه ما وضع هذا الشيء إلا بوجه شرعي، وما وضع بوجهٍ شرعي فيبقى على ما هو عليه، وذلك ما لم يكن هذا القديم ضارا؛ لأن الضرر لا يكون قديمًا ولأن الضرر مرفوع عن الأمة ولا ينبغي وجوده أصلًا، لا يوجد الضرر ابتداءً ولا دوامًا، فإذا كان رجلٌ لداره مسيل ماء، أو كان له ممرٌ إلى داره في أرض الغير، وكان ذلك المسيل أو ذلك الممر قديمًا لا يعرف أحد الحاضرين مبدأ لحدوثه،


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


وأراد صاحب الأرض أن يمنع صاحب الدار من المرور في أرضه، أو أراد أن يحول المسيل إلى جهة أخرى أو يحول الممر ويغيره عن حاله القديم فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه -أي: صاحب الحق- في المرور، ومتى بنى صاحب الأرض بناءً في هذا الممر بإذن صاحب حق المرور فإنه يسقط حق مروره ولا يكون له بعد ذلك حق المخاصمة مع صاحب الأرض لاستعادة حقه القديم؛ لأن إذنه لصاحب الأرض في البناء في الممر قد أسقط حقه في المطالبة به، إلا إذا كان صاحب المرور مالكًا لرقبة الطريق، فلا يمنع من المخاصمة واستعادة حقه بعد الإذن له في البناء؛ لأن الملك لا يسقط بالإسقاط، فإذا قال شخصٌ: أبطلت حقي في المسيل، فإنه إذا كان له حق إجراء الماء دون الرقبة بطل حقه، وإن كان له حق في رقبة المسيل لا يبطل ذلك الحق بالإبطال.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


رابعا: قاعدة "الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته"

المقصود بالقاعدة:

أنه إذا تنازع اثنان في أمرٍ ووقع الخلاف بينهما في حدوثه أو عدم حدوثه، فإنه يُنسب هذا الأمر إلى أقرب الأوقات إلى الحال، ما لم يثبت نسبته إلى زمان أبعد؛ لأنَّ الوقت الأقرب قد اتفق الطرفان على وجود الأمر الحادث فيه، وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك في الزمن الأبعد، فوجود الحادث في الوقت الأقرب متَّفق عليه فهو متيقَّن، ووجوده في الزمن الأبعد مشكوك فيه؛ فلذلك نسب إلى الزمن الأقرب دون الأبعد؛ حتى يثبت الأبعد، فعند ذلك ينسب إليه.


..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


من الأمثلة التي تندرج تحت قاعدة أن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته: فضلا، انقر على الزرين للتفصيل

إنَّ الزوجة إذا ادَّعت أن زوجها طلقها أثناء مرض الموت طلاق الفار ليحرمها من الميراث وطالبت بالإرث، فادعى الورثة أنه طلقها في حال صحته وأنه لا حق لها في الميراث، فالقول للزوجة؛ لأن الأمر الحادث المختلف فيه هو زمن وقوع الطلاق، فيجب أن يضاف إلى الزمن الأقرب وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة ما لم يقم الورثة بالبينة على أن طلاقها كان حال الصحة.

..٣.١ قاعدة "اليقين لا يزول بالشك", وبعض القواعد المتادخلة مع


خامساً: قاعدة "الأصل في الصفات العارضة العدم"

الشيء الذي يكون بطبيعته خاليًا من هذه الصفات، وهي عارضة عليه، فالأصل في هذه الصفات العدم؛ لأن وجودها طارئ معارضٌ، على أصل طبيعة الشيء، وذلك مثل كون المبيع معيبًا، أو كون العقد غير صحيح، فإن مثل هذه الصفات كغيرها من الأمور العارضة التي توجد بعد العدم، فيكون الأصل فيها العدم وهكذا سائر العقود، وأما الصفات التي يكون وجودها في الشيء مقارنًا لوجوده، فيكون مشتملًا عليه بطبيعتها غالبة، فتكون هذه الصفات صفات أصلية والأصل فيها الوجود، وذلك كبكارة البنت، وسلامة المبيع من العيوب، وكذلك الصحة في العقود بعد انعقادها, وكما لو اختلف المضارب ورب المال في حصول الربح وعدمه، فالقول للمضارب والبينة على رب المال لإثبات الربح في المضاربة؛ لأن الأصل في الربح هو العدم.

مستثنيات هذه القاعدة

ومن مستثنيات هذه القاعدة لو اختلف الزوجان في هبة المهر فقالت الزوجة: وهبته له بشرط أن يطلقني، وقال الزوج: إن الهبة كانت بغير شرط، فالقول قولها مع أن الشرط من الصفات العارضة والأصل فيه العدم.