١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


معنى الأشباه والنظائر

الأشباه والنظائر هي: المسائل، والفروع الفقهية المتشابهة من حيث اندراجها تحت أصلٍ واحدٍ يجمع بينها في الحكم.
وفن الأشباه والنظائر ليس كغيره، بل إن هذا الفن يحتاج إلى وقفة تأمل؛ فهو فن دقيق. قال السيوطي فيه:
"اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم, به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممر الزمان".

١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


معنى الأشباه والنظائر

الأشباه جمع شبيه، والنظائر جمع نظير، وهو من عطف المترادف؛ لأن شبيه الشيء نظيره، ونظير الشيء شبيهه، والشّبيهُ هو كل فرعٍ فقهيٍّ بينه وبين الآخر وجه شبه.
وهذا يفيد في أن القاعدة لا تتكون إلا بالإلمام بالفروع والجزئيات التي منه تبنى الكلية العامة بحيث يُنتقل من الجزء إلى الكل ومن المحسوس إلى المعقول, وهذا على منهج الأحناف في بناء القاعدة خلافا للشافعية فإنهم وضعوا القواعد ثم جمعوا لها الفروع.
لذا فعلم الأشباه والنظائر يجعلنا نقف على حقائق الفقه، ومداركه، ومآخذه، وأسراره, فمدارك الحكم؛ جمع مدرك -بضم الميم- والمراد به مكان الإدراك، ومكان الإدراك هو الأدلة، فالدليل مكان معنوي للحكم؛ فهو مكان اعتباري تشبيهًا للأمر المعنوي بالأمر المحسوس, والمآخذ هي المدارك, وأما الأسرار فهي حكمة مشروعية الحكم الشرعي، والحكمة غير العلة؛ لأن العلة مطردة، والحكمة غير مطردة.
فالعلة كما عرفها الآمدي: الوصف الباعث على الحكم، وفسر الباعث على الحكم باشتمال الوصف على حكمة تصلح أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.


١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


معنى الأشباه والنظائر

التمكن من علم الأشباه والنظائر يعين على إلحاق كل شبيه يستجد من الفروع بشبيهه في الحكم, ويعين على التخريج وهو الإتيان بالمسألة التي استجدت، ولم يكن لها شبيه؛ فنخرجها على القاعدة أو يخرجها أصحاب إمام معين على فروع مذهبه وأقواله فيها.
وبهذا التخريج والإلحاق يمكن معرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، وهي الحوادث التي تتجدد دائمًا؛ فإن معرفة أحكام هذه المسائل تتوقف على معرفتنا بهذا العلم، وهو علم الأشباه والنظائر، المسمى بالقواعد الفقهية.

١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


الفقه معرفة النظائر, والدليل على ذلك

نقل الإمام السيوطي عن بعض أصحاب الشافعي قولهم: الفقه: معرفة النظائر, فإن من عرف الأشباه والنظائر المستجدة في فروع الفقه؛ فهو خليق بأن يوصف بأنه فقيه؛ فلا يكون فقيهًا إلا بمعرفة النظائر؛ لأنه بذلك أدرك وجه الارتباط بين الفروع، وما تفرعت عنه.
أما من درس الفقه فروعًا، ومسائل في المذاهب الفقهية، دون الربط بينها بواسطة القواعد والضوابط التي تجمعها، ومن غير أن تكون لديه الملكة الفقهية، ويقتصر على ذلك؛ فقد لا يقدر، وهو لا يقدر بالفعل على إثبات حكم لحادثة ليس لها نصٌّ في كتب الأئمة.
ودليل ذلك ما نقل عن كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري فنقول: يعتبر هذا الكتاب دستورًا في القضاء والتقاضي في الإسلام، كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري.


١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري

"من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن قيس, سلام عليك، أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة؛ فافهم إذا ولي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في وجهك، وعدلك، ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا، لا يمنعك قضاء قضيته اليوم، راجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله. اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عندك؛ فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا، أو بينة غائبة أمدًا ينتهي إليه؛ فإن أحضر بينته أخذت له حقه، وإلا استحللت عليه القضية؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدّ، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو كان ظنينا في ولاء أو نسب؛ فإن الله تعالى تولى منكم السرائر، ودرأ بالبينات والأيمان، وإياك والقلق والضجر، والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات؛ فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه؛ كفاه الله فيما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله وعابه، فما ظنك بثوابٍ عند الله -عز وجل- في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام عليك ورحمة الله".


١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


وهذا قد ثبت من عدة وجوه وأجمعت الأمة على العمل بما فيه, وقد أنكره الظاهرية سندا قديما وتولى ابن القيم وغيره الرد عليهم وإثبات صحته, وكذلك طعن فيه المستشرقون الحاقدون على الإسلام وأهله وتولى المعاصرون الرد على ذلك كالدكتور علي حسن عبد القادر -رحمه الله- عميد كلية الشريعة والقانون سابقًا، وذلك في كتابه (نظرة عامة في تاريخ الفقه), محل الشاهد في النص السابق هو قوله لأبي موسى: "اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور عندك؛ فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى". وقد أشار السيوطي إلى أن هذه قطعة من كتاب عمر، وهي صريحة في الأمر بتتبع النظائر، وحفظها ليقاس عليها ما ليس بمنقول -أي: ليقاس ما ليس فيه نص على ما فيه نص- وذلك ليثبت بالدليل النقلي والعقلي أن الله تعالى ختم الشرائع، والرسالات بشريعة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- فإنه سبحانه جعل رسالته صالحة لكل زمان ومكان، ونصوص الشريعة محصورة ومحدودة، لا تفي بحوادث الناس المستجدة التي لا تحدّ، وأمور العبادة المستحدثة التي لا حصر لها، وما هو محصور ومحدود لا يفي بما هو غير محصور ولا محدود؛ فيجب التعرف على أحكام الأمور المستحدثة عن طريق الاجتهاد بقياسها على نظائرها، أو توجيهها إلى تحقيق المصالح التي تهدف إليها الشريعة.


١.٢ معنى الأشباه والنظائر ، و الفقهُ معرفة النَّظائر


قولان للعلماء في ذلك: فضلا، انقر على الزرين للتفصيل

الأول للمصوِّبة: قالوا: المجتهد إنما يكلف بما ظنه صوابًا وليس عليه أن يدرك الحق في نفس الأمر، ولا أن يصل إلى اليقين وإلى أن المجتهد لا يقلد غيره، وعلى ذلك: فكل مجتهد مصيب, وهذا واضح من قول عمر لأبي موسى: "فيما ترى" أي: فيما تظن. هذا المذهب قال به ]المزني، والأشعري، والقاضي الباقلاني، وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة[، ونسب هذا القول إلى ]مالك[، وهؤلاء قالوا جميعًا: إنًَّ الحق في الظنيات -أي: الأمور التي هي محل الظن والاجتهاد- يتعدد -الحق يتعدد- وهؤلاء سُمُّوا بالمصوِّبة. وهم على طوائف: