![]() |
إذا وهب المدين هبة بعوض، لزمه قبول العوض لأنه عوض على مال فلزم قبوله كثمن المبيع. |
![]() |
إذا جُنِيَ على المدين جناية, فإن أوجبت له مالًا كأرش جناية الخطأ، تعلق حق الغرماء به لأن الأرش مال، فيتعلق به حق الغرماء كسائر أمواله. وكذلك لو ورث المدين مالًا، تعلّق حقوق الغرماء به. أمَّا إن وجبت الجناية عليه قصاصًا، فليس للغرماء إجباره على العفو على مال، بل إنَّ المفلس بالخيار بين أن يقتص، وبين أن يعفو, وذلك لما يلي: |
![]() |
أن في ذلك اكتساباً للمال بالجبر، وهذا لا يلزمه. |
![]() |
أنَّه لو ألزمناه ذلك، لصار ذلك ذريعة للجناية عليه مرة بعد أخرى، فلم يلزمه. | |
![]() |
أنّ في إجباره على العفو على مال: ضررًا بتفويت القصاص الواجب لحكمة الإحياء للنفس أو الأعضاء. فإذا اختار المفلس العفو على مال بدلًا عن القصاص، تعلق به حق الغرماء. وإن عفا على غير مال: فإن كان موجب العمد الحادث للقوَد لا غير، صح عفوه، ولم يجب المال. وإن كان موجبه أحد أمرين: القود أو العفو على مال، فلا يصح عفوه، ويثبت المال ويتعلق به حق الغرماء. |
![]() |
ولا يجبر المدين على قبول العطايا؛ فلا يجبر على قبول هبة، ولا صدقة، ولا قرض عرض عليه، ولا المرأة على التزوج؛ لأن في ذلك ضرراً بلحوق المِنَّة، والتزوج من غير رغبة. ولو باع بشرط الخيار، لم يجبر على ما فيه الحظ من الرد -رد العقد- أو إمضائه ، وليس للغرماء الخيار لأن الخيار لم يشرط لهم. |
![]() |
ولا يملك المدين بعد تفليسه إسقاطَ ثمن بيع ولا أجرة، ولا أخذه رديئًا، ولا قبض المسلم فيه دون صفته، إلّا بإذن الغرماء؛ لأنَّ كل ذلك أموال له تعلَّق بها حقوقهم. |
![]() |
توجّه دعاوى المفلس لصالح الغرماء ما أمكن. فإذا ادَّعى المفلس على غيره بديْن وأنكره المدَّعى عليه، فإن أقام المفلس شاهدًا, فإن حلف معه استحق ما ادَّعاه، وقسم على الغرماء. وإن لم يحلف وحلف الغرماء، فهل يثبت المال للمفلس بحلفهم، وبالتالي تتعلق بهذا المال حقوقهم؟ |
![]() |
فذهب [الشافعية] في قول، و [الحنابلة] إلى: أن الغرماء لا يحلفون إن أبى المفلس الحلف؛ وهو الصحيح؛ لأنهم يثبتون بأيمانهم ملكًا لغيرهم تتعلّق به حقوقهم بعد ثبوته، وهذا لا يجوز، ولأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة. كما لا تحلف الزوجة لإثبات مال زوجها، وإن كان إذا ثبت تعلّقت به نفقتها. وكذلك الحكم في غرماء الميت إذا لم يحلف الميت لم يحلفوا؛ لأنهم يثبتون ملكًا لأنفسهم بأيمانهم. |
![]() |
وذهب [المالكية والشافعية] في القول الآخَر إلى: أنَّ الغرماء يحلفون؛ لأن حقوقهم تتعلق بما ثبت للمفلس، فكان لهم أن يحلفوا كالورثة، ولأن الإنسان قد يحلف ليثبت مالًا لغيره. كما نقول في الوكيل إذا أحلفه العاقد له، فإن الوكيل يحلف، ويثبت المال للموكل، كذلك هذه مثلها. |
![]() |
وأجيب: بأن الوكيل إنما حلف لأن اليمين متعلقة بالعقد. فلما كان هو العاقد، توجهت اليمين إليه. أمَّا إن لم يقم المفلس شاهدًا، فالقول قول المدَّعَى عليه مع يمينه. فإن حلف صدق، وإن نكل ردَّت اليمين على المفلس؛ فإن حلف ثبت المال، وقسم على الغرماء. وإن لم يحلف، ففي حلف الغرماء القولان السابقان في اليمين مع الشاهد. |
![]() |
أدلة الجمهور: استدل الفقهاء على صحة تصرفات المدين قبل الحَجْر عليه بما يلي: |
![]() |
الدليل الأول: لأنه رشيد غير محظور عليه وقت التصرف، فنفذ تصرّفه قياسًا على غيره. | |
![]() |
الدليل الثاني: إنّ سبب المنع من الحَجْر لا يتقدَّم على الحَجْر. |
![]() |
أدلة الرأي الثاني: |
![]() |
استدلَّ الإمام مالك بأنَّ له أن يفعل ما يلزم بالشرع وإن لم يكن بعوض كنفقته على الآباء الموسرين أو الأبناء، ولأن له إتلاف اليسير من ماله بغير عوض كالأضحية والنفقة في العيد، والصدقة اليسيرة. |
![]() |
أما تبرعات المفلس، فلا تصح هبته بغير عِوض؛ لأنَّ فيه تفويتًا للمال يضرّ بالغرماء. وإن تعلق التصرف بما بعد الموت كالوصية، صحّ لأنه لا تأثير لذلك إلا بعد الموت، وخروجه من ثلث التركة. |
![]() |
وأما معاوضات المفلس فمنها: ما يتعلق بالذمة, ومنها: ما يتعلق بأعيان مالِه. فحكم تصرف المدين الذي يرد على الذمة بأن اشترى بثمن في الذمة, أو باع طعامًا بيْعَ سلَم، فيصح ويثبت ذلك في ذمته لأنه لا ضرر على الغرماء، فيعتبر كما لو التزم شيئًا لغير رب الدَّيْن, ولأنه أهل للتصرف, وإنما وُجد في حقه الحَجْر, والحَجْر إنما يتعلق بماله لا بذمَّته. |
![]() |
الدليل الأول: أنه حظر ثبت بالحاكم، فمُنع من التصرف كالحَجْر على السفيه. |
![]() |
الدليل الثاني: أن حقوق الغرماء تعلَّقت بأعيان مالهم, فلم يصح تصرّفه فيها كالمرهونة. |
![]() |
استدلَّ الصاحبان على: أن المراد بمنعه من البيع ونحوه: أن يكون بأقل من ثمن المثل؛ لأنّ البيع بثمن المثل لا يبطل حق الغرماء والمنع لحقهم، فلا يُمنع منه. |
![]() |
استدل أصحاب الرأي الثالث القائلون بأن تصرفه موقوف بأن من صح ابتياعه في ذمته صح بيعه لأعيان ماله كغير المفلس, ولأنه حُجر عليه لحق الغير, فكان تصرّفه موقوفًا كالحَجْر على المريض. |
![]() |
ورد المخالفون: بأن ذلك يخالف الحَجْر على المريض؛ لأن الورثة لا تتعلق حقوقهم بماله إلا بعد الموت, وههنا حقوق الغرماء تعلَّقت بماله في الحال, فلم يصح تصرفه فيه, كالرهن لا يصح تصرف الراهن به. |
![]() |
على القول بأن تصرفه باطل في أعيان ماله: رد جميع ما باع ووهب ونحوهما, وقسمته بين الغرماء؛ فإن وفَّى مالُه بديْنه بأن زادت قيمته, أو أُبرئ من بعض دينه. |
![]() |
على القول بأنَّ تصرفه صحيح موقوف: قُسم ماله, فإن وفَّى مالَه بدينه غير الذي تصرف فيه نفذ تصرّفه, وإن لم يف مالُه إلّا أن ينقض جميع ما تصرَّف فيه/ نُقض وأُبطل جميعه. وإن لم يف بدينه إلّا بعض الأعيان التي تصرَّف فيها، نُقض منها شيء بعد شيء. وذكر بعض الفقهاء الشافعية: أنه يُنقض الأضعف فالأضعف. وإن كان متقدمًا في التصرُّف, فعلى هذا ينقض الهبة أولًا لأنها أضعف؛ لأنه لا عوض فيها، ثم البيع بعدها لأنه يلحقه الفسخ. |
![]() |
ما لا يصادف المال من تصرفات المدين، فإنه يصح منه كالنكاح, والطلاق, والخلع, واستيفاء القصاص, والعفو عنه, واستلحاق النسب, ونفيه للنسب باللعان؛ وذلك لأنَّ هذه الأشياء لا يتعلق بها عين مالِه فلا يضر بالغرماء. أما نكاحه وطلاقه، فلأنَّ مهر زوجته ثابت في ذمَّته ولها المحاصَّة. ومعنى المحاصَّة يعني: لها المقاسمة أو لها حصّتها. وأما خلعه فيجوز لأنه قد يأخذ منها مالًا, أو يُحط عنه دَيْن مهرها. وكذلك يصح خلعه بدون مهر المثل؛ لأن له في الطلاق مجانًا، فبالأوْلى أن يخالع بدون مهر المثل, كأن يخالع زوجته على نقد سواء أخذه من مالها أم من مال غيرها، إن كانت محجورًا عليها، لأن العوض عائد إليه. |
![]() |
أما المرأة المفلسة فإن اختلعت على عين من أعيان مالِها لم يصح، لتعلّق حق الغرماء بأعيان مالِها, وإن خالعت على ديْن في ذمتها صحّ, ولا تشارك به مع الغرماء إن حدث بعد الحَجْر. |
![]() |
وأمَّا جناية المفلس فإذا جنَى المحجور عليه على غيره, أو أتلف مال غيره، شارك المجنيّ عليه, والمتلَف عليه الغرماء؛ لأنَّ ذلك ثبت بغير رضا من له الحق. |
![]() |
وبالجملة فكلّ تصرف للمفلس لا يتعلّق بشيء من أعيان مالِه صح منه. |