٢.١٠ شروط التفليس


اشترط الفقهاء القائلون بالحَجْر على المدين شروطًا ثلاثة لذلك:

الشرط الأول
وهو: التماس الغرماء الحَجْر. فيشترط: أن يطلب الغرماء من القاضي: الحَجْر على المدين، وليس للقاضي الحَجْر بغير التماس؛ لأن الحق لهم. وهذا الشرط متفق عليه.
وكون الالتماس من الغرماء: فلو التمس بعضهم، وديْنهم قدر يجوز الحَجْر به، حُجِرَ عليه، وإلا فلا، عند بعض فقهاء الشافعية. والحجر لا يختص أثره بالملتمِس بل يعمّهم كلهم.
والصحيح عند الفقهاء: إنه إذا عجز مالُه عن ديونه فطلب الحَجْرَ بعضُ الغرماء، حَجَر القاضي، ولم يعتبروا قدر دَيْن الطالب.


٢.١٠ شروط التفليس


الشرط الثاني

وهو: أن يكون الدَّيْن حالًّا. فيشترط أن يكون الدَّيْن الذي على المدين وطلب الغرماء الحَجْر لأجله: حالًّا أصالة، أو بانتهاء أجَله؛ فلا يُحجر عليه بدَيْن مؤجَّل بالاتفاق؛ لأنه لا يطالب بالمؤجَّل في الحال لأن ذلك يسقط فائدة التأجيل.
حلول الدَّيْن بالتفليس:

اختلف الفقهاء في حلول الدَّيْن المؤجَّل بتفليس المدين، وذلك على رأيين:

الرأي الأول

[للشافعية والحنابلة] في رواية وهي المشهورة والصحيحة عندهم: يرون: عدم حلول الدَّيْن المؤجَّل بتفليس المدين.
أدلة القائلين بعدم حلول الدَّيْن بالتفليس، استدلوا بالأدلة الآتية:

٢.١٠ شروط التفليس


إنه دَيْنٌ مؤجَّل على حيّ، فلا يحلّ قبل حلول أجلِه، كما لو لم يحجر عليه.
ولأنَّ الأجل مقصود له فلا يفوت عليه، ولا يسقط بإفلاسه كسائر حقوقه.
إن تفليسه لا يوجب حلول ديونه التي له عند غيره، فلا يوجب كذلك حلول الديون التي عليه.

الرأي الثاني

[للإمام مالك والحنابلة] في رواية أخرى ذكرها أبو الخطاب: يرون: حلول الدَّيْن المؤجَّل بتفليس المدين؛ وهو قول آخر [للشافعية].
أدلة المالكية ومَن وافقهم:
استدلوا بأن التفليس في ذلك كالموت؛ فكما أن الدَّيْن المؤجَّل يحلّ بالموت، فكذلك يحلّ بالتفليس؛ لأنَّ الإفلاس يتعلّق به الدَّيْن بالمال، فأسقط الأجل كالموت.
الجواب: يترتَّب على الخلاف السابق في حلول الدَّيْن بالتفليس أو لا ما يأتي: إن القول بعدم حلول الدَّيْن بالتفليس يترتب عليه: أنه إذا حُجِرَ على المفلس لا يشارك أصحاب الديون المؤجَّلة غرماء الديون الحالَّة، بل يُقسم ...


٢.١٠ شروط التفليس


...المال الموجود بين أصحاب الديون الحالَّة، ويبقى المؤجَّل في الذمَّة إلى وقت حلوله. فإن لم يقتسم الغرماء حتى حلّ الدَّيْن، شارك الغرماء، كما لو تجدَّد على المفلس ديْن بجنايته. وإن أدرك بعض المال قبل قسمه، شاركَهم فيه، ويضرب فيه بجميع ديْنه، ويضرب سائر الغرماء ببقية ديونهم.
أما القول بأن الدَّيْن يحلّ فإنه يقسم مع الغرماء بدينه، كغيره من أرباب الديون الحاجرة.

هل يحل الدَّيْن المؤجَّل بالموت إذا مات وعليه ديون مؤجَّلة؟

فقد اختلف الفقهاء في حلول الدَّيْن بالموت، وذلك على رأيين:

الرأي الأول

[للحنابلة] في الراجح عندهم وهو: أن الديون المؤجَّلة لا تحل بالموت إذا وثّق الورثة، وهو قول [ابن سيرين، والعنبري، وإسحاق، وأبي عبيدة، وطاوس، والزهري، وغيرهم...].

٢.١٠ شروط التفليس


واستدلَّ الحنابلة بما يلي:
بما استدلَّ به على عدم حلول الدَّيْن بالتفليس، وسبقت الإشارة إليه.
إن الموت ما جعل مبطلًا للحقوق، وإنما هو: ميقات للخلافة، وعلامة على الوراثة؛ يؤيِّده: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: ((من ترك حقًّا أو مالًا فلَِوَرَثته)).

الرأي الثاني

للأئمة [أبي حنيفة، ومالك، والشافعي]، وهو: أن الديون المؤجَّلة تحلّ بالموت. ووافقهم أصحاب الرأي الأوّل إذا انتفت الثقة في الورثة. وهو قول: [الشعبي، والنخعي، وسفيان والثوري].
واستدل القائلون بأن الديون المؤجَّلة تحل بالموت بما يلي:
الدليل الأول: ما أخرجه الدارقطني والبيهقي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا مات الرجل وله دَيْن إلى أجَل، وعليه دَيْن إلى أجل, فالذي عليه حالّ، والذي له إلى أجلِه)).

٢.١٠ شروط التفليس


الدليل الثاني: ولأنه لا وجه لبقاء تأجيله لأنه لا يخلو: إمّا أن يبقى في ذمّة الميت, أو في ذمة الورثة, أو متعلقًا بأعيان المال، فبطل أن يبقى مؤجلًا في ذمة الميت لأنَّ ذمته خربت بالموت. وبطل أن يقال: يبقى في ذمة الورثة؛ لأن صاحب الدَّيْن لم يرضَ بذممهم، ولأنه لو تعلّق بذممهم إذا كان للميت مال لتعلق بذممهم، وإن لم يكن للميت مال، وبطل أن يقال: يبقى مؤجلًا متعلقًا بأعيان ماله؛ لأنَّ ذلك إضرار بصاحب الدَّيْن؛ لأن أعيان المال ربما تلفت وإضرار بالميت لأن ذمته لا تبرأ حتى يقضى عنه، لما أخرجه الترمذي في "سننه"، والحاكم في "المستدرك": أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((نفس المؤمن مرتهنة بديْنه حتى يُقضى عنه)).
فإذا بطلت هذه الأقسام، لم يبقَ إلّا القول بحلول الأجل.

الترجيح

ممّا سبق أرى: رجحان الرأي الثاني القائل: بأن الديون المؤجَّلة تحلّ بالموت، وذلك لقوّة ما استدلوا به.


٢.١٠ شروط التفليس


ونتساءل: هل لهذا الخلاف ثمرة؟

الجواب: نعم.
أولاً: يترتَّب على الرأي الأول القائل بأن الدَّيْن لا يحل بالموت: أنَّه إذا وثّق الورثة لصاحب الدَّيْن المؤجَّل، اختص المال بالتركة. وإن امتنع الورثة من التوثيق، حلَّ الدَّيْن وشارك أصحاب المال؛ لأنه لا يقضي إلى إسقاط الدَّيْن بالكلية.
ثانيًا: ويترتَّب على الرأي الثاني القائل بأن الدَّيْن يحلّ بموت المدين: أنه إذا أحب الورثة القضاء من غير التركة واستخلاص التركة، فله ذلك. وإن قضوا منها، فلهم أيضًا ذلك. وإن امتنعوا من القضاء، باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدَّيْن. وإن مات مفلس وله غرماء بعض ديونهم مؤجَّلة وبعضها حالّ، تساووا في التركة، فاقتسموها على قدر ديونهم.


٢.١٠ شروط التفليس


حكم نقل التركة المدينة إلى الورثة

في ذلك روايتان عند الشافعية والحنابلة:
إحدهما: لا يمنع الدَّيْن نقل التركة إلى الورثة؛ لأن تعلّق الدَّيْن بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس، فلا يمنع نقله؛ وبناءً عليه: إن تصرَّف الورثة في التركة ببيع وغيره، صحَّ تصرفهم ولزمهم أداء الدَّيْن.
والثاني: إن الدَّيْن يمنع نقل التركة إلى الورثة، وبناء عليه: لو تصرَّف الورثة في التركة لم يصح تصرفهم؛ لأنهم تصرّفوا في غير ملكهم، إلّا أن يأذن الغرماء لهم. وإن تصرَّف الغرماء، لم يصحّ أيضًا إلّا بإذن الورثة.

سفر المدين قبل القضاء

إذا كان على الشخص دَيْن مؤجَّل وأراد أن يسافر سفرًا يزيد على الأجل، فهل يحق للغرماء منعُه من السفر؟ اختلف الفقهاء في حكم منع الغريم المدين من السفر على رأيين.

٢.١٠ شروط التفليس


الرأي الأول: المالكية والحنابلة يريان: منع الغريم المدين من السفر قبل حلول أجله.
وتفصيل ذلك:
إنه إن أراد أن يسافر قبل محلّ الدَّيْن سفرًا يزيد على الأجل، نظرنا: فإن كان لغير الجهاد لم يكن للغريم منعه ولا مطالبته بأن يقيم له كفيلًا بديْنه، ولا أن يعطيه رهنًا؛ لأنه ليس له مطالبته بالحق، فلم يكن له مطالبته بكفيل أو رهن، كما لو لم يرد السفر.
الرأي الثاني: قال الشافعي -يرحمه الله-: "ويقال له: "حقك حيث وضعته"، يعني: إنك رضيت حال العقد أن يكون مالك عليه بلا رهن ولا ضمين. وإن كان السفر للجهاد ففيه وجهان:
أحدهما: إنَّ له منعه من السفر إلّا أن يقيم له كفيلًا أو يعطيه رهنًا بديْنه، قال الشافعي -يرحمه الله: "ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدَّيْن، ولم يفرق بين الدَّيْن الحالِّ والمؤجَّل؛ وذلك لأن المجاهد يعرض نفسه للقتل طلبًا للشهادة، فلم يكن بد من إقامة الكفيل أو الرهن ليستوفي صاحب الدَّيْن دينه منه"، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه المالكية والحنابلة.
والثاني: لا يلزمه ذلك؛ لأنَّ الشافعي -يرحمه الله- قال: "وإذا أراد الذي عليه دَيْن إلى أجلٍ السفرَ، وأراد غريمه منعَه لبعد سفره وقُرب أجَلِه, لم يكن له منعُه، ولم يفرق بين سفر الجهاد وغيره؛ لأنه لم يحلّ الدَّيْن، فلم يملك المطالبة بذلك، كما لو كان السفر لغير الجهاد.


٢.١٠ شروط التفليس


الترجيح: مما سبق أرى: رجحان الرأي الأول القائل: بأن للغريم منع المدين من السفر؛ وذلك لأنه سفر يمنع استيفاء الدَّيْن في محلّه، فملك منْعه منه إن لم يوثّقه بكفيل أو رهن، كالسفر بعد حلول الحق، ولأنّه لا يملك تأخير الدَّيْن عن محله، وفي السفر المختلف فيه تأخيره عن محله، فلم يملكه كجحوده للدين.

الشرط الثالث

وهو أن يزيد الدَّيْن على مال المدين، فمن شروط التفليس: أن يكون الدَّيْن يزيد على ما بِيَد المدين من المال، أو يكون ما بيده يزيد على الدَّيْن لكن الحالّ، ولا يفي بالدَّيْن المؤجَّل عند من يرى حلوله بالتفليس كما مرَّ. وهذا الشرط عند المالكية والشافعية والحنابلة. فلو كانت مساوية والرجل كسوب -أي يكتسب-، فلا حجر. أما الصاحبان فعندهما سبب الحَجْر هو: الدَّيْن الحالّ قلَّ أو كثر.


٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس



٢.١٠ شروط التفليس