إن ركبت الديون الشخص، ورفع الغرماء أمره إلى الحاكم وطلبوا من الحاكم الحَجْر عليه، نظر الحاكم في مالِه: أيَفي بديونه أم لا؟ فإن كان له مال يفي بالديون، فقد اتفق الفقهاء على: أن القاضي لا يَحجر عليه؛ لأنه لا حاجة به إلى الحَجْر؛ بل يأمره بقضاء الدَّيْن. فإن أبى وامتنع، حبسه كما مَرَّ. فإن لم يقْضه وصبر على الحبس، قضى الحاكم ديْنَه من ماله. إلّا أنَّ الإمام أبا حنيفة يرى استمرار حبْسه إلى أن يقضي الدَّيْن بنفسه. أما إن كان له مال لا يفي بالديون، فقد اختلف الفقهاء في جواز الحَجْر عليه، وذلك على رأيين:
الرأي الأوَّل.
الرأي الثاني.
الراجح.
١.١٠ آراء الفقهاء في: حكم الحَجْر على المدين
الرأي الأوَّل
راي الجمهور الفقهاء وهم: [أبو يوسف ومحمد من فقهاء الحنفية, والمالكية والشافعية والحنابلة] يرون: جواز الحَجْر على المدين. فإذا طلب غرماء المفلس الحَجْر عليه، حجر عليه القاضي، وباع مالَه إن امتنع من بيعه، وثمنه بين غرمائه بالحصص, ومنعه من تصرف يضر بالغرماء.
أدلة الجمهور: استدل جمهور الفقهاء القائلون بجواز الحَجْر على المدين وبيْع ماله بما يلي:
ما روي عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه: "أنه ركبته الديون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فكلَّم غرماؤه النبي -صلى الله عليه وسلم- فحَجَر عليه، وباع عليه ماله، حتى قام معاذ -رضي الله عنه- بغير شيء".
ووجه الدلالة: أن في حجْره -صلى الله عليه وسلم- على معاذ: دليل على: جواز الحَجْر على كل مديون، وأنه يجوز للحاكم بيع مال المديون لقضاء ديْنه. ولأنه لو ترك أحد من أجل أحد، لتركوا معاذًا من أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وفي رواية:
"إن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلَع مالَه لهم" يعني: لغرمائه. وهذا يحتمل تأويلين:
أحدهما: أنّ ماله لم يفِ بالدَّيْن، فحجر عليه؛ فيكون معنى "خلع": حَجَر عليه.
الثاني: أن معنى قوله "خلَع مالَه لهم" أي: باع مالَه لهم. وأقل ما يقتضي الخلع: أنه منعه من التصرف بماله.
XXXXXXXXXXXXX
ما روي: أنَّ رجلًا ابتاع ثمرة فأصيب بها فكثر ديْنه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لغرمائه: ((خذوا ما وجدْتُم، ما لكم غيره))، والحديث أخرجه الإمام مسلم.
ووجه الدلالة: أن المفلس إذا كان له من المال دون ما عليه من الديون، كان الواجب عليه لغرمائه تسليم هذا المال. ولم يرد بقوله -صلى الله عليه وسلم: "خذوا مالَه"، أي: انتهبوا ماله، وإنما أراد -صلى الله عليه وسلم-: ((خُذوه بالحصص)). وفي إذنه -صلى الله عليه وسلم- لهم بأخذ مالِه: منع من التصرف فيه.
روي: أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- خطب الناس، وقال: "ألا إن الأُسيفع -ومعنى "الأسيفع": سفع الشمس وجهه: فلفحته لفحًا يسيرًا، فغيِّرت لون بشرته وسوَّدته. فالسفعة: سواد مشرب بحمرة- أسيفع جهينة رضي من دِينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج -وروي: سبق الحاج-, فادَّان معرضًا, فأصبح وقد دين به. فمن كان له ذلك عليه دَيْنٌ فليحضر غدًا، فإنا بايعو ماله، وقاسموه بين غرمائه". وروي "فمن كان لهم عليه دَيْن فليغدُ بالغداة، فلينقسم ماله بينهم بالحصص"، والأثر رواه البيهقي في "سننه".
وهذا بمجمع من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-, ولم ينكر عليه أحد؛ فدلَّ على: أنه إجماع.
وقوله: "فادَّان معرضًا" أي: إنَّه يتعرَّض الناس فيستدين ممّن أمكن ويشتري به الإبل الجياد، ويروح في الحاج فيسبق الحاج، ويقال: دِين بالرجل: إذا وقع في ما لا يستطيع الخروج منه.
إن في الحَجْر عليه: نظراً للغرماء كي لا يلحق بهم الضرر بالإقرار والتلجئة، وهو: أن يبيعه من إنسان عظيم لا يمكن الانتزاع منه، أو بالإقرار له, ثم ينتفع به من جهته على ما كان.
إن البيع واجب عليه لإيفاء دينه، حتى لا يحبس عليه. فإذا امتنع، ناب القاضي منابه كما في الجَب والعِنَّة، فهذه هي أدلة الجمهور.
١.١٠ آراء الفقهاء في: حكم الحَجْر على المدين
الرأي الثاني
وهو رأي [الإمام أبي حنيفة -يرحمه الله-] يرى: عدم الحَجْر على المدين، ولا يجيز بيع ماله لسداد دينه.
أدلة الإمام أبي حنيفة:
استدلَّ الإمام أبو حنيفة على: منع الحَجْر على المدين، فلا يحجر عليه بسبب دَيْن، ولو طلب غرماؤه الحَجْر عليه، ولا يتصرَّف في ماله؛ ولكن يحبسه حتى يبيع في دينه بنفسه بالأدلة الآتية:
إن في الحَجْر عليه: إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم؛ وذلك ضرر عظيم. فلا يجوز إلحاقه به لدفع ضرر خاص وهو: ضرر المال؛ فلا يترك الأعلى للأدنى.
إن من شرط جواز البيع: التراضي، لقول الله تعالى: ((لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)) [النساء: ٢٩]، ولم يوجد الرضا في بيع القاضي مال المدين؛ فكان البيع باطلًا, ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحلّ مالُ امرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه))، والحديث أخرجه الدارقطني في "سننه"، ونفس المدين لا ترضى ببيع القاضي ماله فصار كالإجارة والتزوير.
١.١٠ آراء الفقهاء في: حكم الحَجْر على المدين
الراجح
بعد ذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشاتهم، فإني أميل إلى ترجيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من: جواز الحَجْر على المدين إذا طلب غرماء المفلس الحَجْر عليه، وذلك لقوة أدلّتهم، وأيضًا من طريق المعنى، إذا كان المريض محجورًا عليه لمكان ورثته، فأحْرى أن يكون المدين محجورًا عليه لمكان الغرماء.