... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


الحكم الثالث المترتب على الحَجْر

وهو: بيع مال المدين وإيفاؤه الغرماء. اتفق الفقهاء على: أنه يُحكم على المدين بعد تفليسه ببيع مالِه, وقسمة ثمنه بين الدائنين الغرماء بالمحاصَّة. ومعنى كلمة بالمحاصَّة أي: كلٌّ بحصته بنسبة ديونهم. ويتطلب ذلك مراعاة الأمور التالية:

الإشهاد على الحَجْر

إذا حجر القاضي فيستحب أن يُشهِد على الحَجْر, ويعمل على نشر نبأ الحَجْر بوسائل الإعلام المناسبة, كالنشر في الصحف اليومية, أو الإعلان بنشرة في أقسام الشرطة, أو على حائط المكان الذي يقيم فيه المحجور عليه, وغير ذلك من الوسائل المستحدثة بحسب كل زمان ومكان. وقد كان يقوم في الماضي مناد من قِبَلِ الحاكم ينادي في الأسواق، وذلك ليُعلِم الناس حاله، فلا يعاملوه إلّا على بصيرة من أمره. ولأن هذا الإعلام تسجيل وإشهار لحكمٍ صدر من القاضي، يأخذ صورة النفاذ, فإذا تقلَّد أمر القضاء قاضٍ آخر, توفرت له أسباب العلانية التي تحول بينه وبين الغموض في أمر المحجور عليه, فيباشر تنفيذ الحكم الذي صدر من سلفه, ولا يحتاج إلى ابتداء الحَجْر من جديد.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


المبادرة بالبيع

إذا حجر القاضي على المفلس، يستحب أن يبادر ببيع ماله وقسمته، لئلَّا يطول زمن الحَجْر عليه؛ لأن المفلس يتضرر بطول الحَجْر, والغريم يتضرَّر بتأخر الحق, ولا يفرط في الاستعجال لئلَّا يباع بثمن بخس.

حضور المفلس والغرماء مجلس البيع

يستحب أن يبيع القاضي مال المفلس بحضرته أو وكيله, كما يستحب إحضار الغرماء، وذلك لتحقق فوائد عديدة.
أما حضور المفلس فيحقق الفوائد التالية:
الفائدة الأولى: ليحصي متاعه ويضبطه.
الفائدة الثانية: إنه أعرف بثمن متاعه, وجيِّده ورديئه. فإذا أحضر تكلَّم عليه, وعرف الغبن من غيره.

... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


الفائدة الثالثة: تكثير الرغبة في شرائه؛ لأنَّ شراءه من صاحبه أحب إلى المشتري.
الفائدة الرابعة: تطييب نفسه, وإسكان قلبه.
وأما حضور الغرماء فيحقق الفوائد التالية:
الفائدة الأولى: إن المال يباع لهم, وربما رغبوا في شراء شيء منه فزادوا في ثمنه؛ فيكون أصلح لهم, وللمفلس.
الفائدة الثانية: إنه أطيب لقلوبهم, وأبعَدُ عن التهمة.
الفائدة الثالثة: إنه ربما كان فيهم مَن يجد عين ماله فيأخذها.
فإن باع القاضي بغير حضورهم جاز؛ لأن ذلك موكول إليه ومفوّض إلى اجتهاده. وربما أداه اجتهاده إلى خلاف ذلك, وبانت له المصلحة في المبادرة إلى البيع قبل إحضارهم.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


ما يبدأ ببيعه

يقدم القاضي في البيع أولًا ما يخاف فساده من الطعام الرطب؛ لأن بقاءه يتلفه بيقين. فتباع الفواكه والبقول ونحوهما أولًا. ثم ما يتعلق به حق كالمرهون, فيدفع إلى المرتهن قدْر ديْنه, وما فضل من ثمنه ردّه إلى الغرماء. وإن بقيت من ديْنه بقية، ضُرب بها مع الغرماء. وقيل: يبدأ ببيع المرهون ليتعجل حق المرتهن؛ وهو قول للشافعية والحنابلة. ثم ببيع الحيوان لأنه معرض للتلف, ويحتاج إلى مؤونة في بقائه. ثم ببيع السلع والأثاث وسائر المنقولات لأنه يخاف عليه وتناله الأيدي. ثم العقار آخرًا لأنه لا يخاف تلفه, وبقاؤه أشهر له, وأكثر لطلابه, وبقاؤه أشهر له يعني: يعطيه شهرة وأكثر لطلابه.

بيع كلِّ شيء في سوقه

ويستحب أن يبيع القاضي كلّ سلعة في سوقها لأنه أحوط وأكثر لطلابه, ومعرفة قيمته. فإن باع في غير سوقه بثمن مثله جاز؛ لأن الغرض تحصيل الثمن, وربما أدَّى الاجتهاد إلى أن ذلك أصلح؛ ولذلك لو قال: "بع ثوبي في سوق كذا بكذا" فباعه بذلك في سوق آخَر، جاز.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


البيع بثمن المثل

أن يكون البيع بثمن المثل حالًّا, وبنقد البلد؛ وذلك لأن البيع بنقد البلد أوفر. فإن كان في البلد نقود باع بغالب نقودها. فإن تساوت باع بجنس الدَّيْن. فإن كانت الديون من غير نقد البلد, ولم يرض المستحقون إلّا بجنس حقهم، صرفه إليهم لتبرأ منه الذمَّة, ويصل إلى المستحق.

القسمة على الغرماء

إذا باع القاضي شيئًا من مال المفلس وكان الدَّيْن لواحد دفعه إليه؛ لأنه لا حاجة إلى تأخيره. وإن كان له غرماء فأمكن قسمته عليهم، قُسم ولم يؤخَّر. وإن لم يمكن قسمته، أُودع المال عند ثقة إلى أن يجتمع ويمكن قسمته, فيقسَّم فيما بينهم.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


ظهور غريم آخر بعد القسمة

إذا قسم القاضي مال المفلس بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين:
الرأي الأول: للمالكية في قول, والشافعية والحنابلة: يرون أن يرجع الغريم الذي ظهر على الغرماء بقسطه.
الرأي الثاني: للمالكية في القول الآخَر: يرون أنه لا يرجع عن الغرماء بنصيبه ولا يشاركهم؛ لأن ذلك نقض لحكم القاضي.
وردّ هذا القول: بأنه غريم لو كان حاضرًا لقاسمهم, فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله. وليست قسمة الحاكم مالَه حكمًا, وإنما هي قسمة بان الخطأ فيها؛ فأشبه ما لو قُسم مال الميت بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر, أو قُسمت أرض بين شركاء ثم ظهر شريك آخر, أو قُسم الميراث بين الورثة ثم ظهر وارث آخر سواهم, أو وصية ثم ظهر موصًى له آخر.
الترجيح
أرى: رجحان الرأي الأوَّل لقوّة ما استدلوا به, ولأن ظهوره يعني: أنه كان موجودًا ومستحقًّا وقت القسمة, فاستحق المشاركة بمجرد ظهوره.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


ما يترك للمفلس من متاع

إذا حجر القاضي على المدين، ترك له ما لا غنًى عنه لأي شخص من: الملبس, والمسكن, والنفقة؛ لأنها مِن حوائجه الأساسية.

ما يترك للمفلس من الكسوة

يترك له من الثياب: ما يليق بحاله، ويلزمه ضرورة من: قميص، وسروال، ونعل. ويزاد له في الشتاء: ما يدفع عنه البرد. ويُترك لعياله ولزوجته مثل ذلك. وإن كان يملك ثيابًا لا يلبسها في مثل حاله، بيعت واشتريَ له بها كسوة مناسبة. ويُردّ الفضل على الغرماء. فإن كانت إذا بيعت لا يفضل منها شيء، تُركت لأنه لا فائدة من بيعها. وإذا مات، يكفَّن في ثلاثة أثواب كما كان يلبس في حياته. وقيل: في ثوب واحد يستره ولا حاجة لزيادة. ولا وجه للقياس على ما يلبسه في حياته لأنه لا بُدَّ له منه.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


نفقة المحجور عليه للفلس

إذا حُجر على المفلس فإمَّا أن يكون ذا كسب, وإما ألّا يكون له كسب. فإن كان ذا كسب يفي بنفقته ونفقة من تلزمه نفقتهم، فنفقته مِن كسْبه لأنه لا حاجة إلى إخراج ماله مع غناه بكسْبه. وإن كان كسبه لا يفي بالنفقة، أخرج له القاضي من مالِه ما يفي. وإن لم يكن للمفلس كسْب، فقد اتفق الفقهاء على: وجوب الإنفاق على المفلس, وزوجته, وأولاده, ومَن تلزمه نفقته من الأقارب كالوالدَيْن؛ فيترك لهم ما يحتاجون إليه من نفقة, وكسوة, وطعام؛ لأنهم يَجرون مجرى نفسه, فينفق في ذلك أدنى ما ينفق على مثله بالمعروف. ونفقة المفلس مقدَّمة على نفقة زوجته وأولاده, ونفقتهما مقدَّمة على نفقة الأقارب ممَّن تلزمه نفقته, كالوالدَيْن المعسرين. والجميع مقدَّم على حق الغرماء. والأصل في ذلك ما يلي:
الدليل الأول: أخرج الإمام أحمد في "مسنده", والنسائي, وأبو داود, من حديث أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تصدّقوا)), قال رجل: عندي دينار, قال: ((تصدَّق به على نفسك)), قال: عندي دينار آخر, قال: ((تصدَّقْ به على زوجك)), قال: عندي دينار آخر, قال: ((تصدَّق به على ولدك)), قال: عندي دينار آخر, قال: ((تصدَّق به على خادمك)), قال: عندي دينار آخر, قال: ((أنت أبصر به)).

... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


الدليل الثاني: ما أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ابدأ بنفسك فتصدَّقْ عليها. فإن فضل شيء، فلأهلك. فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك. فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا, وهكذا)) أي: يمينًا وشمالًا, كناية عن: التصدق.
فالروايتان دليل على: أنه لا يجب على الرجل: أن يؤثر زوجته وسائر قرابته بما يحتاج إليه من نفقة نفسه. ثم إذا فضل عن حاجة نفسه شيء، عليه إنفاقه على زوجته وذوي قرابته.
الدليل الثالث: ولأنَّ الحي آكد حرمة من الميت لأنه مضمون بالإتلاف, وقد اتُفق على تقديم تجهيز الميت ومؤونة دفنه على ديْنه, فنفقته أوْلى, وكذلك زوجته تُقدَّم نفقتُها؛ لأن نفقتها آكد من نفقة الأقارب, ولأنها تجب من طريق المعاوضة, وفيها معنى الإحياء كما في الأقارب.

سكنى المحجور عليه للفلس

اختلف الفقهاء في جواز بيع دار المفلس التي لا غنًى له عن سكناها لقضاء ديونه من ثمنها, وذلك على رأيين:
الرأي الأول: للحنفية والحنابلة: يرون: عدم بيع داره التي لا غنًى له عن سكناها.و أدلة الحنفية ومن وافقهم:

... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


استدل أصحاب القول الأول القائلون بعدم بيع دار المفلس، بما يلي: وهو أنّ دار الإنسان ممّا لا غنى له عنه, فلا غنى للمفلس عن داره؛ فلا تباع في ديْنه كثيابه, وقوته, اللذين لا غنًى له عنهما.
الرأي الثاني: للمالكية والشافعية: يريان: جواز بيع دار يسكنها تباع عليه إن كان فيها فضل, ويُشترى له دار تناسبه. فإن كان لا فضل فيها فلا تباع. وأدلة أصحاب الرأي الثاني:
الدليل الأول: إنه يمكنه أن يستأجر دارًا يسكنها, فينسدّ بها حاجته إلى المسكن. كمن لديه سيارة فأفلس, فإنها تباع ويصرف ثمنها للغرماء؛ لأنه يمكنه أن يركب المرافق العامة من وسائل المواصلات التي تنبث في كل فج، وتصل إلى حيث شاء راكبها, وقد جرت عادة الناس بذلك.
الدليل الثاني: إن الدار مال، فإن أمكن الاستغناء عنه، بيع كسائر أمواله من العقارات وغيرها.
ورد المخالفون: بأن سائر ماله يُستغنى عنه بخلاف دار يسكنها. وأجيب بأنه لا يباع عليه دار لا يستغني عنها؛ بل إن كان فيها فضل على من هو في مثل حاله, ولا يجوز القياس على قوته وثيابه لأن العادة لم تجر باكترائها, ولذا لا تباع إلا في صورة خاصة وهي: أن تكون غالية جرت العادة أن يلبسها ذو الأقدار.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة


الترجيح

مما سبق، أرى رجحان: ما ذهب إليه المالكية والشافعية من: جواز بيع الدار التي يسكنها المفلس إن كان فيها فضل؛ لأنها مال تعلق به حق الغرماء, ولأنه إذا كان له داران يُستغنى بسكنى إحداهما بيعت الأخرى؛ لأن به غنًى عن سكناها بالاتفاق. وكذلك إن كان مسكنه واسعًا لا يسكن مثله، بيع واشتُري له مسكن مثله, ويردّ الزائد على الغرماء.


... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة



... ٥.١٠ بيع مال المدين وإيفاؤه للغرماء، وما يترك للمفلس من الكسوة