٣.٩ مبطلات عقد الرهن


مبطلات عقد الرهن
مبطلات عقد الرهن هي: مفسداته؛ وهذا عند المذاهب الثلاثة: المالكية، والشافعية، والحنابلة. فالباطل عندهم هو: الفاسد، والفاسد هو: الباطل، ولا فرق. خلافًا للحنفية الذين يفرِّقون بين الباطل والفاسد؛ فكل منهما مغاير للآخر عندهم.
وسنتكلم -بمشيئة الله- عن هذا بشيء من التفصيل عند الكلام عن مذهبهم؛ ومن ثَم فإن الكلام عن مبطلات عقد الرهن يكون في مذهبين:

المذهب الأول: للجمهور وهم: المالكية والشافعية والحنابلة

يرى الجمهور: أن عقد الرهن يبطل ويفسد بواحد من الأمور الآتية:
إذا اقترن العقد بشرط مناف لمقتضى العقد وطبيعته وحُكمه. مثال ذلك: أن يشترط الراهن ألا يقبض المرتهن المرهون. أو يشترط الراهن ألا يباع المرهون عند الأجل في الحق الذي رهن فيه. أو يشترط الراهن أجلًا معينًا وبعده لا يكون رهنًا. أو يشترط المرتهن أن يكون المرهون مبيعًا له عند الأجل، وهكذا.

٣.٩ مبطلات عقد الرهن


والبطلان والفساد هنا إنما هو للرهن بمعنى: الارتهان، لا بمعنى الذات المرهونة؛ إذ لا معنى لبطلان الذات.
هذا ويختلف الحنابلة مع المالكية والشافعية في هذا الحكم. فالمالكية والشافعية يقولون ببطلان الرهن بالشرط الفاسد.
ويرى الحنابلة: صحة الرهن وبطلان الشرط. فالرهن عندهم لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ وهذا على أحد قولين في المذهب الحنبلي. وأصل هذا كما قال ابن قدامة: "أن المرتهن إذا شرط في الرهن أنه متى حلّ الأجل ولم يوف الراهن الحق، فالرهن له والديْن، أو فهو مبيع له بالديْن الذي على الراهن، فهو شرط فاسد.
روي ذلك عن ابن عمر وشريح والنخعي والثوري.
واستدل الحنابلة على ذلك بالسنة لِما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه. له غُنْمه، وعليه غُرمه))
قال الأثرم من فقهاء الحنابلة: "قلت لأحمد: ما معنى قوله: ((لا يُغلق الرهن))؟ قال: "لا يُدفع رهن إلى رجل ويقول: "إن جئتك بحقك إلى وقت كذا وكذا، وإلا فالرهن لك". قال ابن المنذر: "هذا معنى قوله: ((لا يُغلق الرهن)) عند مالك والثوري وأحمد".

٣.٩ مبطلات عقد الرهن


وفي هذا يروى: أن رجلًا رهن دارًا بالمدينة إلى أجل مسمًّى، فمضى الأجل، فقال الذي ارتهن: "منزلي"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يُغلق الرهن))، ولأنه علَّق البيع على شرط، فإن جعله مبيعًا بشرط ألا يوفيه حقه عند الأجل والبيع المعلق بشرط، لا يصح. وإذا شرط هذا الشرط، فسَد الرهن؛ هذا قول في المذهب.
ويتخرج: ألا يفسد، بناء على الأصل في سائر الشروط الفاسدة من أنها تفسد هي، ولا يفسد العقد؛ وهو ظاهر قول أبي الخطاب.
واحتج بقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: ((لا يُغلق الرهن)). فقد نفى -صلى الله عليه وسلم- غلْقه دون أصله فسمَّاه رهنًا؛ فيدل هذا على صحته. ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط، فمع بطلانه أوْلى أن يرضى به.
ثم يقول ابن قدامة: "ولنا: أنه روي بشرط فاسد فكان فاسدًا كما لو شرط توقيته. وليس في الخبر أنه شرط ذلك في ابتداء العقد، فلا يكون فيه حجة".
اشتراط الرهن في البيع الفاسد، أي: إن البيع الفاسد إذا شرط فيه رهن فدفعه المشتري ظناً أنه يلزمه الوفاء به، فإن الرهن يكون فاسدًا، ويستردّه الراهن. وذلك مثل: مَن ظنّ أن عليه دينًا فدفعه لصاحبه، ثم تبيَّن أنه لا ديْن عليه، فإنه يستردّه ممّن أخذه. وتعليل بطلان الرهن هنا: أنّ الرهن مبنيّ على البيع الفاسد، والمبنيّ على فاسد يكون فاسدًا.

٣.٩ مبطلات عقد الرهن


إن كان الرهن في قرض مع ديْن قديم، بمعنى: أنه لو كان لشخص على آخر ديْن قديم برهْن أو بغيره، سواء أكان الديْن من بيع أو من قرض، ثم دفع إليه قرضًا جديدًا أو طلب منه رهنًا في الديْن القديم والجديد، فأعطاه الرهن، فإنه يبطل بالنسبة إلى الديْن القديم لأنه يعتبر سلفًا جَرَّ نفعًا، ويصحّ بالنسبة إلى الديْن الجديد.
ويبطل الرهن بموت الراهن أو إفلاسه إذا لم يكن قد حازه المرتهن؛ وذلك لأن الرهن لا يتم إلا بالحوز، أي: حيازة المرتهن وقبضه له؛ وذلك لأن الرهن لم يخرج قبل الحوز عن ملك الرهن.
إذن المرتهن للراهن في سكنى الدار المرهونة أو إجارة العين المرهونة، فهذا الإذن مبطل لحق المرتهن في الحوز، ويصير ديْنه بلا رهن، حتى ولو لم يسكن الراهن أو يؤجر. وكذا لو أذن له في هبة المرهون فوهبه الراهن -قبّضه للموهوب له-، بطل الراهن لأن هذا تصرف يتنافى مع مقتضى الوثيقة.
ويبطل الرهن إذا أعار المرتهن المرهون للراهن عارية مطلقة لم يقيِّدها بزمن ولا بعمل. وكذلك إذا أعاره لغير الراهن بإذنه عارية مطلقة غير مقيّدة بزمان ولا بعمل كذلك؛ وذلك لأنه لما أعار المرهون للراهن أو لغيره هذه العارية المطلقة، يكون هذا دليلًا منه على إسقاط حقه في الرهن، فيبطل. فلو قيّدها بزمن أو عمل تنقضي فيه قبل الأجل أو كان العرف يقضي بذلك، كانت مقيَّدة ولا يبطل الرهن إذًا.

٣.٩ مبطلات عقد الرهن


إذا تلف المرهون بآفة سماوية أو بفعل شخص لا يضمن، بطل الرهن لفواته بلا بدل.
إذا فسخ المرتهن الرهن فقد بطل ولو بدون الراهن؛ لأن الحق له، وهو جائز من جهته.
إذا كان المرهون عصيرًا فصار في يد المرتهن خمرًا، فقد زال ملك الراهن عنه، وبطل الرهن؛ لأنه صار محرَّمًا لا يجوز التصرف فيه فزال الملك فيه. فإذا تخللت الخمر بعد ذلك عاد الملك فيه. أي: إذا تحولت بنفسها إلى خلّ، لأنه عاد مباحًا يجوز التصرف فيه، ويعود رهنًا لعودة الملك إليه، حيث كان في السابق رهنًا فعاد كما كان.

مذهب الحنفية
يفرق الحنفية بين الرهن الباطل والرهن الفاسد، بناءً على أصلهم من: التفريق بين الفساد والبطلان؛ إذ إن كلاً منهما مغاير للآخَر عندهم.
وقبل أن نضرب الأمثلة لكل من الرهن الباطل والفاسد، يجدر بنا أن نبيِّن اصطلاحهم في كلٍّ من الفساد والبطلان. فالباطل عند الحنفية هو: ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، كبيع الأجنَّة في بطون أمهاتها، فلا يجوز لشخص أن يشتري من آخر الجنين الذي في بطن البهيمة. أي: يدفع له ثمنه مؤجَّلًا على أن يأخذه بعد ولادته؛ فهذا البيع باطل لانعدام ركن من أركان العقد وهو المبيع أو المثمن وقت العقد لأنه بيع فيه غرر؛ فربما ينزل الجنين ميتًا، أو تموت الأم خلال الولادة أو قبلها. وربما تلد أكثر من واحد ...


٣.٩ مبطلات عقد الرهن


...والعقد قد تم على واحد لا غير. وهكذا إلى آخر الأمور التي تؤدِّي إلى النزاع والمخاصمة بين البائع والمشتري بسبب الجهالة التي وقعت في العقد وهي: جهالة المبيع.
والفاسد عند الحنفية هو: ما شرع بأصله دون وصفه، كصوم يوم النحر. إن الصوم في حد ذاته مشروع، لكنه يوم النحر يكون فاسدًا، لِما فيه من الإعراض بصومه عن ضيافة الله للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه؛ فهذا الصوم فاسد لهذه الصفة فقط وهي: كونه وقع في يوم النحر. ويؤمر الصائم بالفطر فيه ليتخلص من المعصية. لكن لو صامه، يكون قد خرج من عهدة النذر لأنه أدَّى الصوم كما التزمه.
بناءً على هذا: فالرهن الباطل عند الحنفية هو: ما لا يكون منعدمًا أصلًا لانتفاء شرط الانعقاد فيه، وشرط الانعقاد في الرهن عند الحنفية هو: كون المرهون مالًا، وكون المقابل له مضمونًا. فعند انتفاء واحد منهما يكون الرهن باطلًا.
ومثاله عند الحنفية: الرهن بالدرك، وقد بيناه وهو: أن يأخذ المشتري من البائع رهنًا بالثمن الذي أعطاه له، خوفًا من استحقاق المبيع؛ فهذا رهن باطل. وبطلان الرهن هنا سببه: حتى لا يملك المرتهن حبس الرهن إن قبضه قبل الوجوب، ولو قبضه قبل الوجوب فهلك عنده يهلك أمانة لأن العقد غير موجود أصلًا لوقوعه باطلًا من أساسه.

٣.٩ مبطلات عقد الرهن


ومن صوَر الرهن الباطل عند الحنفية أيضًا: الرهن بالأعيان المضمونة بغيرها مثل: المبيع في يد البائع فهو مضمون بالثمن، فعند هلاكه يذهب الثمن. فإذا اشترى عينًا ولم يقبضها، ثم أخذ بها رهنًا من البائع، فالرهن باطل. وأما الرهن الفاسد فهو عندهم -أي: عند الحنفية- يكون منعقداً لكن بوصف الفساد، مثل: الفاسد من البيوع؛ وذلك بأن يكون الرهن قد توفرت فيه شروط الانعقاد من كون المرهون مالًا، وكون المقابل به مضمونًا، إلا أنه فَقَدَ بعض شرائط الجواز، فإنه يكون منعقدًا لكن بصفة الفساد، وفساده بسبب انعدام شرط من شروط الجواز.
ومثاله عند الحنفية: رهن المشاع وهو فاسد لا باطل؛ ولذلك إذا هلك بعد قبضه كان مقبوضًا، كما لا يجوز رهن ثمرة على رؤوس النخل دون النخل، ولا زرع في الأرض دون الأرض. ولا يجوز رهن النخل والأرض دونما الزرع والثمرة؛ فهذا كله رهن فاسد عند الحنفية.
وقال الكاساني: "يخرج المرهون عن كونه مرهونًا، ويبطل الرهن بالإقالة؛ لأنها فسخ العقد ونقضه، والشيء لا يبقى مع ما ينقضه. إلا أنه لا يبطله بنفس الإقالة من العاقدين ما لم يرد المرتهن المرهون على الراهن بعد الإقالة حتى كان للمرتهن حبسه بعد الإقالة؛ لأن العقد لا ينعقد في الحكم بدون القبض، فلا يتم فسخه بدون فسخه، وفسخه يكون بالرد. وعلى هذا يخرج ما إذا رهن شيئًا يساوي ألفًا بألف، فقبضه المرتهن، ثم جاء الراهن بشيء آخر، وقال المرتهن: "خذ هذا مكان الأول، وردَّ إليّ الأول"، وهذا جائز لأن إقالة العقد في الأول، وإنشاء العقد في الثاني، وهما يملكان ذلك. إلا أنه لا يخرج الأول عن ضمان الرهن إلا بالرد، أي: بردّه إلى الراهن حتى لو أنه هلك في يديه قبل الرد يهلك بالديْن لأن القبض يجري مجرى الركن حتى لا يثبت الضمان بدونه، فلا يتم ...


٣.٩ مبطلات عقد الرهن


...الفسخ بدون نقض القبض. وكذا لا يدخل الثاني في الضمان إلا برد الأول؛ لأن الراهن لم يرضَ برهن الاثنين على الجمع، وإنما رضي برهن أحدهما حيث رهن الثاني وطلب ردّ الأول.
ويخرج الرهن عن كونه رهنًا، ويبطل بالإعارة والإجارة، بأن أجره الراهن لأجنبي بإذن المرتهن أو أجره المرتهن بإذن الراهن، أو استأجره المرتهن؛ فيبطل في كل هذا.
ويخرج الرهن ويبطل أيضًا بالهبة أو بالصدقة إذا فعل ذلك الراهن أو المرتهن بإذن الآخر. ويخرج الرهن عن كونه رهنًا ببيع المرهون، لكنه لا يبطل الرهن لأنه زال إلى خلف وهو: الثمن، فبقي العقد عليه، ويكون المرهون هو الثمن إذن، وكذا في كل موضع خرج وخلف بدلًا.

٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن



٣.٩ مبطلات عقد الرهن