٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


قضاء الراهن بعض الديْن

بَيَّنَّا من قبل: أن المرهون وثيقة في يد المرتهن ضمانًا لحقّه، عند الأجل يبيعه لاستيفاء ديْنه من ثمنه إذا لم يدفع الراهن. فإذا دفع الراهن ما عليه من دَين، كان على المرتهن أن يردّ المرهون إليه. لكن ما الحكم لو دفع الراهن للمرتهن بعضَ ما عليه من الديْن، هل من حقه أن يأخذ المرهون من المرتهن أم لا؟
اتفق الفقهاء على: أن الراهن إذا دفع للمرتهن بعضَ الديْن، فليس من حقه أن يطالب بالمرهون؛ لأن المرهون لا ينفك بقضاء بعض الديْن، وإنما ينفك بقضاء جميع الديْن. هذا قدرٌ متفق عليه بين جمهور الفقهاء، على تفصيلٍ في ذلك نبسط القول فيه بعض الشيء؛ حيث اتفق الأئمة الأربعة في بعض الأمور في هذه المسألة، واختلفوا في بعضها الآخَر.

فعند الحنفية
مَن رهن شيئين بألفٍ عند شخص واحد، ثم قضى حصّة أحد هذين الشيئين دون الآخر، لم يكن من حقه أن يقبض هذا الشيء الذي قضى حصّته حتى يؤدِّي بقيّة الديْن، وحصة كل واحدٍ من هذين الشيئين ما يخصه إذا قسم الديْن على قيمتهما.

٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


وتعليل ذلك: أن الرهن محبوسٌ بكل الديْن، فيكون محبوسًا بكل جزءٍ من أجزائه، مبالغة في حمل الراهن على قضاء الديْن، وصار هذا كالمبيع في يد البائع من أن المشتري إذا أدى حصة أحدهما من الثمن في البيع لا يتمكَّن من أخذ المبيع حتى يؤدِّي باقي الثمن. هذا سواءٌ سمّى لكل واحدٍ من الشيئين المرهونين شيئًا من الألف الذي رهن به أو لم يسمِّه. فإن الرهن لا ينفك بقضاء أحد الشيئين دون الآخر. وقيل: عند التسمية له، يفكّ ويقبض الذي قضّى دَينه المسمَّى له. فلو سمى لكلٍّ منهما خمسمائة وقضى من الألف خمسمائة، كان له قبض أحدهما.
وجْهة عدم الفك إلا بقضاء الجميع: أن العقد متَّحد لا يتفرّق بتفرق التسمية كما في البيع. وجْهة الفك للجزء الذي أدّى ما سمّى له: أنه لا حاجة إلى الاتحاد لأن أحد العقدين لا يصير مشروطًا في الآخر، بدليل: أن المرتهن لو قبل الرهن في أحدهما فقط جاز ذلك. هذا في رهن الشيئين عند شخصٍ واحدٍ.
أما إذا كان المرهون شيئًا واحدًا عند شخصين بدَينٍ لكل واحدٍ منهما عليه، جاز ذلك، وجميع المرهون يكون رهنًا عند كل واحٍد منهما؛ وذلك لأن الرهن أُضيف إلى جميع العين المرهونة في صفقة واحدة ولا شيوع فيه. وموجبه: صيرورته محتبسًا بالديْن، وهذا ممّا لا يقبل الوصف بالتجزئة، فصار محبوسًا بكل الديْن منها والمضمون على كل واحدٍ منهما حصته من الدين.


٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


عند المالكية
إذا قضى الراهن بعض الديْن، أو سقط الدين عنه بهبة ونحوها، فإنه لا يحق له أخذ الرهن بقضاء بعض الديْن؛ بل يظلّ جميع الرهن رهنًا فيما بقي من الديْن. وسواءٌ أكان الرهن متحدًا كدار، أم متعددًا كثياب، فليس للراهن أخذ شيءٍ منه؛ لأنه قد تحول عليه الأسواق. وأما إن تعدد الراهن والمرتهن، أو تعدَّد أحدهما، فإنه يُقضى لمن وَفّى حصَّته من الديْن بأخذ حصّته من الرهن. وتعدّد الراهن مثل: رجلان رهنا معًا بيتًا لهما في ديْنٍ، فقضى أحدهما حصَّته من الديْن، فله إذن أخذ حصَّته من البيت. فإن تعدد المرتهن واتحد الراهن والرهن، وقضى الراهن ديْن أحد المرتهنين، كان له أخذ حصته من الرهن إذا كان الرهن ممّا ينقسم، فإن كان ممّا لا ينقسم بقيت الحصة أمانة عند المرتهن الثاني.

عند الشافعية
لا ينفك شيء من الرهن حتى يبرأ الراهن من جميع الديْن. فلو برئ من بعض الديْن لا ينفك الرهن مهما قلَّ الديْن الباقي، كحق حبس المبيع. وقد حكى ابن المنذر: الإجماع في هذا؛ وذلك لأن الرهن وثيقة محضة فلذلك كان وثيقة بالديْن وبكل جزءٍ منه، كالشهادة والضمان. فلو شرط كلّما قضى من الحق شيئًا انفك من الرهن بقدْره، فسد الرهن لاشتراط ما ينافيه، كما قاله الماوردي.

٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


ولو رهن رجلان عند رجلٍ شيئًا بينهما بديْنٍ له عليهما، فقضى أحدهما ديْنه وبرئ منه، أو رهن رجلٌ واحدٌ عند رجلين شيئًا بدينٍ عليه لهما، فقضى ديْن أحدهما وبرئ منه، انفك نصف الشيء المرهون، أو انفك قسطه.
وتعليل ذلك: أن الصفقة إذا حصل في أحد شطريْها عاقدان، فهما عقدان. أو بمعنى آخر: تتعدد الصفقة بتعدّد العقد؛ فلا يقف الفكاك في أحدهما على الفكاك في الآخَر، كما لو فرّق بين العقدين.

عند الحنابلة
لا ينفك الرهن كله ولا بعضه حتى يَقضي الراهن الديْن كلّه. ولا ينفك بعض الرهن بقضاء بعض الديْن، سواءٌ أكان ممّا يقبل القسمة أو لا يقبلها؛ وذلك لتعلّق حق الوثيقة لجميع الرهن، فيكون محبوسًا بكل جزءٍ منه.


٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


اختلاف الراهن والمرتهن

ننتقل بعد ذلك لنتحدث في ختام حديثنا عن الرهن عن: اختلاف الراهن والمرتهن؛ لأن هذا من الأهمية بمكان. إذا اختلف الراهن والمرتهن في شيءٍ ممّا يتعلق بالرهن، فمن يكون قوله؟ قبل أن نبين الحكم في ذلك، يجدر بنا أن نبيِّن الأمور أو الأشياء التي يقع فيها الاختلاف عادة بين المتراهنيْن:
قد يكون الاختلاف في أصل الرهن مثل: أن يقول شخصٌ لآخر: "أنت رهنتني بيتك"، فينكر الآخَر الرهن ويقول له: "لم أرهن لك شيئاً".
قد يكون الاختلاف في قدْر الرهن مثل: أن يقول له: "رهنتني الأرض بأشجارها"، فيقول له: "بل رهنتك الأرض فقط".
قد يكون الاختلاف في عين المرهون، كأن يقول له: "أنت رهنتني بيتك"، فيقول له: "بل رهنت لك سيارتي".
وقد يكون الاختلاف في قدْر المرهون به الذي هو: الديْن الذي به الرهن، مثل: أن يقول له: "رهنت لك البيت على ديْنٍ قدره ألف"، فيقول له: "بل على ألفين"، سواءٌ اتفقا على أن الديْن ألفان، أو اختلفا في ذلك.
قد يكون الاختلاف في صفة المرهون به مثل: أن يقول المرتهن: "أنت رهنتني بالألف الحال" أي: التي حلّ موعد سدادها وقت الاختلاف، فيقول الراهن: "بل بالألف المؤجّلة" أي: التي لم يحلّ أجَل سدادها وقت الاختلاف؛ وذلك في حالة ما لو يكون على الراهن ديْن ألفين: ألف منها حلّ موعد سدادها قبل الأخرى؛ لأنه استدانها منه ...

هذه هي الأمور التي يمكن أو يُتصور وقوع الاختلاف فيها بين الراهن والمرتهن عادة.

٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


...قبلها، فيكون الاختلاف بين التأجيل والتعجيل. وكذلك لو قال الراهن: "رهنتك ببعض الديْن" كنصفه أو رُبعه، فيقول المرتهن: "بل رهنتنيه بكل الديْن".
قد يكون الاختلاف في جنس المرهون به مثل: أن يقول له: "رهنته بالجنيه المصري"، ويقول الآخَر: "بل رهنتني بالريال السعودي".
قد يكون الاختلاف في رد المرهون بأن يقول المرتهن للراهن: "رددت الرهن إليك"، فينكر الراهن الرد.


٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


الحكم في ذلك
وهنا يقول [الشافعية والحنابلة]: يُصدّق مَن عليه الديْن وهو الراهن -أي: المالك- في كلّ هذا، والقول قوله مع يمينه ما دام لم تكن هناك بيِّنة، حتى ولو كان المرهون بيد المرتهن؛ لأن الأصل: عدم الرهن وعدم ما يدَّعيه المرتهن إذا كان رهن تبرّع أي: ليس مشروطًا في بيع. فإن كان مشروطًا في بيعٍ، تحالفا كما لو اختلفا في سائر كيفيات البيع. فإن اتفقا على اشتراط الرهن في البيع واختلفا في الوفاء، كأن قال المرتهن: "رهنت مني المشروط رهنه وهو كذا"، فأنكر الراهن، فلا تحالف حينئذٍ؛ لأنهما لم يختلفا في كيفية البيع الذي هو موقع التحالف؛ بل يُصدّق الراهن بيمينه، وللمرتهن الفسخ إن لم يرهن.
واستدل الشافعية على أن القول قول الراهن بيمينه، بالسُّنة النبوية الشريفة؛ حيث يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البيهقي من حديث ابن عباس بسندٍ صحيحٍ: ((البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر)). وهنا الراهن مُنكِر، والمرتهِن مُدَّعٍ ولا بيِّنة معه، فعملًا بهذا الحديث يكون القول قول الراهن لأنه هو المُنكِر بيمينه.
وعند [الحنفية]: فإنهم يوافقون الشافعية والحنابلة من: أن القول قول الراهن بيمينه عند الاختلاف في قدر المرهون به ألا وهو الديْن. قالوا في ذلك -الحنفية-: لأن المرتهن يدَّعي على الراهن زيادة ضمان، وهو يُنكر لذلك، كان القول قوله. ولو أقاما البيِّنة، فالبيِّنة بيِّنة المرتهن؛ لأنها تُثبت زيادة الضمان. ولو قال الراهن: "رهنته بجميع ...


٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


...الرهن الذي لك عليّ وهو ألف، والرَّهن يساوي ألفًا"، وقال المرتهن: "ارتهنته بخمسمائة والرهن قائم"، فقد روي عن الإمام أبي حنيفة: أن القول قول الراهن، ويتحالفان ويترادّان؛ لأنهما اختلفا في قدر ما وقع عليه العقد وهو المرهون به، فأشبه اختلاف البائع والمشتري في مقدار الثمن والحكم. هناك اختلاف البائع والمشتري يتحالفان ويترادان، كذا هنا اختلاف الراهن والمرتهن.
وإن اتفقا على أن الرهن كان بألف واختلفا في قيمة المرهون، فالقول قول المرتهن؛ لأن الراهن يدَّعي عليه زيادة الضمان وهو يُنكر؛ ولهذا كان القول قول الغاصب في مقدار الضمان، فكذا هنا. ولو أقاما البيِّنة، فالبيِّنة بيِّنة الراهن لأنها تثبت زيادة الضمان. ولو اختلفا في قدْر الرهن بأن قال المرتهن: "رهنتني هذين الثوبين بألف"، وقال الراهن: "بل رهنت أحدهما بألف"، يحلف كلٌّ منهما على دعوى صاحبه؛ لأنهما اختلفا في قدر المعقود عليه وأنه يوجب التحالف كما في باب البيع. ولو أقاما بيِّنة فالبيِّنة بيّنة المرتهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان.
رأي [المالكية] عند اختلاف وتنازع الراهن مع المرتهن:
إذا حصل تنازع بين الراهن والمرتهن في أصل الرهن، فيرى المالكية: أنّ القول لمدَّعي نفي الرهن، فمثلًا: إذا قال الراهن: "هذا الثوب عندك وديعة أو عارية"، وقال المرتهن: "بل هو عندي رهن"، أو العكس بأن قال المرتهن: "هو عندي وديعة أو عارية"، وقال الراهن: "بل هو عندك رهن"؛ فهنا يكون القول قول مَن يدَّعي نفي الرهنية، سواء أكان الراهن أم المرتهن، ويكون...


٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


... ذلك باليمين؛ لأن مدَّعي الرهنية أثبت للثوب وصفًا زائدًا هو: الرهنية، فعليه البيِّنة. والنافي لذلك متمسك بالأصل وهو: عدم الرهنية، فكان القول قوله بيمينه.
وسواء أكان الرهن واحداً أم متعددًا، فالحكم واحد.
وإن اختلفا في قدْر الديْن بأن قال الراهن: "الديْن مائة"، وقال المرتهن: "الديْن مائتان"، فمن كان له شاهد على دعواه حلف مع شاهده، وكان القول قوله. فإن لم يكن له شاهد، فإن كانت قيمة الرهن مثل دعوى المرتهن فأكثر، صدق المرتهن مع يمينه. وإن كانت قيمته مثل دعوى الراهن، صدّق مع يمينه. فإذا زادت دعوى المرتهن على قيمة الرهن ووافقت قيمته دعوى الراهن، فإنه يحلف وحده، ويأخذ رهنه، ويغرم ما أقرّ به للمرتهن. فإن نكل، حلف المرتهن وأخذ ما ادّعاه. فإن نكل، عمل بقول الراهن. فإن نقصت دعوى الراهن عن قيمة الرهن مع زيادة دعوى المرتهن عليها بأن قال المرتهن: "هو عندي رهن على عشرين" مثلًا، وقال الراهن: "بل على عشرة فقط"، وقيمة الرهن تساوي خمسة عشر، فإنهما يتحالفان، ويبدأ بالمرتهن؛ لأن الرهن كالشاهد إلى قيمته، ويأخذ المرتهن الرهن إن لم يفتك بالراهن بقيمته يوم الحكم وهو: الخمسة عشر -وهذا عند الإمام مالك- وليس بما حلف عليه المرتهن؛ إذ الغرض: أن دعوى المرتهن تزيد على قيمته. وإن اختلفا في الدين أو في صفة الرهن، فالقول قول المرتهن ولو ادّعى شيئًا يسيرًا لأنه غارمًا الترجيح.


٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن


الرأي الراجح
والذي أرى ترجيحه هو: مذهب الشافعية والحنابلة، وهو: أنه عند وجود بيِّنة مع أحدهما عُمل بها لأنه يتعين الأخذ بها، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((البيِّنة على المدَّعي)).
فالمدَّعي إذا أقام بيِّنة كان القول قوله لبيِّنته. وعند عدم البيِّنة يكون القول قول الراهن بيمينه، لأن الأصل: عدم الرهن وعدم ما يدَّعيه المرتهن. فلما لم تكن معه بيِّنة، كان القول للراهن مع يمينه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((واليمين على مَن أنكر)).

٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن



٢.٩ قضاء الراهن بعض الدين، واختلاف الراهن والمرتهن