![]() |
لو امتنع الراهن عن الإنفاق فيما يجب عليه، فإن القاضي يأمر المرتهن بالإنفاق، وبعد قضاء الديْن يكون من حق المرتهن أن يحبس الرهن حتى يستوفي النفقة من الراهن. وإن هلك الرهن عند المرتهن في هذه المدة فلا شيء على الراهن، أي: ضاعت النفقة على المرتهن؛ وهذا عند زفر. |
![]() |
أما عند أبي يوسف، فإن النفقة تظل دَينًا على الراهن. وكل ما وجب على الراهن من نفقة فأدّاه المرتهن بغير إذنه، أو وجب على المرتهن فأدَّاه الراهن بغير إذنه فهو تطوّعٌ من المنفق؛ لأنه قضى دَين غيره بغير إذنه؛ وهذا إذا لم يكن بأمر القاضي. فإن كان بأمر القاضي، فللمنفق الرجوع على صاحبه؛ لأن القاضي له ولاية حفظ أموال الناس وصيانتها عن الهلاك والضياع. |
![]() |
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: أن الراهن إن كان غائبًا فأنفق المرتهن بأمر القاضي، يرجع عليه. وإن كان حاضرًا لم يرجع عليه. |
![]() |
وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع في الحالين، حاضرًا كان الراهن أم غائبًا، بناء على: أن القاضي لا يلي على الحاضر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد أن القاضي يلي على الحاضر. |
![]() |
رأينا: أن الحنفية يجعلون نفقة الحفظ والصيانة على المرتهن، معلِّلين ذلك: بأن هذه النفقة من حقوق اليد واليد للمرتهن لأن الحبس له، فتكون هذه النفقة عليه. وكذلك رأيناهم يقولون: إن النفقة الواجبة على الراهن إذا قام بها المرتهن بغير إذنه فهي تطوعٌ، وليس من حقه أن يطالب بها الراهن؛ لأنه قضى دَين غيره بغير إذنه؛ هذا ما قاله بعض الحنفية. |
![]() |
بينما نرى المالكية يجعلون نفقة المرهون على الراهن، ولا يُلزمون المرتهن بشيء من النفقة حتى ولو أنفق على الرهن بغير إذن الراهن. ويقسم المالكية المرهون إلى قسمين: ما لا يُخاف عليه من الهلاك، وما يُخاف عليه من الهلاك. |
![]() |
القسم الأول: ما لا يخاف عليه من الهلاك إذا احتاج الرهن إلى نفقة فأنفقها عليه المرتهن، فإنه يرجع بها على الراهن مطلقًا، وتكون في ذمته لا في عين الرهن. ومعنى الإطلاق: أنه يعود بالنفقة على الراهن على كل حال، سواءٌ أكان المرهون حيوانًا أم عقارًا، وسواءٌ أكانت النفقة بإذن الراهن أم بغير إذنه؛ لأنه في حالة إنفاقه على الرهن بغير إذن الراهن يكون قد قام بواجبٍ عن الراهن، فله أن يرجع بالنفقة عليه، وسواءٌ أكان الراهن حاضرًا أم غائبًا، موسرًا أم معسرًا. ولو زادت النفقة على قيمة الرهن، وذلك لأن نفقة الرهن ومؤونته على ... |
| ...الراهن لأنه مالك له وله غلّته، ولأن من له الغلة عليه النفقة، والنفقة على الرهن كالسلف؛ ولذلك فإنه في حالة غياب الراهن، فإن المرتهن يرفع الأمر إلى القاضي ليحكم له بأخذ النفقة من الراهن كما يحكم للدائن بأخذ دَيْنه من المدين. | |||
![]() |
القسم الثاني: ما يُخاف عليه من الهلاك: لو كان المرهون نخلًا أو زرعًا يُخاف عليه من الهلاك بانهدام بئره أو عدم سقيه ورعايته، فإن أذن الراهن في الإنفاق أنفَقَ المرتهن وأتبع الراهن بالنفقة في ذمته؛ لأنه قام عنه بواجب كما في الحالة السابقة. فإن أبى الراهن الإنفاق فأنفق المرتهن، فإن نفقته لن تضيع عليه كذلك بل يرجع بها أيضًا كذلك، لكن رجوعه بنفقته هنا لا يكون في ذمَّة الراهن كما في حالة عدم الخوف من الهلاك في القسم الأول، ولا في حالة الإذن في الإنفاق كما في هذا القسم؛ بل تكون النفقة هنا من ثمن النخل أو الزرع يستوفيها قبل دَيْنه؛ وذلك لأنه إذا لم ينفق على ما يخاف عليه من الهلاك بعدم الإنفاق لَهَلَك ولحِقه الضرر. ولا تعتبر نفقة المرتهن سلفًا جَرَّ نفعًا لقوّة لحوق الضرر هنا. ![]() ثم يقول المالكية: إن ساوى الرهن النفقة، أخَذَه المرتهن. وإن نقص عن النفقة لم يتبع الراهن بالزوائد وضاعت عليه، فإن فضل شيء كان للراهن. |
|
![]() |
قال الشافعية: إن مؤونة الرهن التي يكون بها بقاؤه كعلف الدابة وأجرة السقي ونحو ذلك على الراهن المالك بالإجماع. وليس على المرتهن شيء من ذلك، إلا ما حُكي عن الحسن البصري: أن النفقة على المرتهن. |
![]() |
أما لو امتنع الراهن عن الإنفاق، فإن الشافعية لهم روايتان في ذلك: |
![]() |
الرواية الأولى: أن الراهن يُجبر على الإنفاق لحق المرتهن، حِفظًا للوثيقة أي: حتى لا يضيع على المرتهن حقّه؛ وهذه الرواية على الصحيح في المذهب. | |
![]() |
الرواية الثانية: أنه لا يُجبر عند الامتناع، ولكن يبيع القاضي جزءًا من الرهن في النفقة، ويكون هذا الجزء الذي يُباع بحسب الحالة. |
![]() |
لكن ما الحكم لو استغرقت المؤونة والنفقة الرهن كله قبل حلول الأجل؟ |
![]() |
الحكم: أن الرهن يُباع ويُجعل ثمنه رهنًا. |
![]() |
واستدل الشافعية على كون نفقة المرهون على الراهن: بما رُوي عن أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الظَّهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)). قال الشافعية: والذي يركب ويشرب هو: الراهن، فوجب أن تكون النفقة عليه، ولأن الرقبة والمنفعة على ملكه فكانت النفقة عليه. |
![]() |
ما الحكم إذا غاب الراهن أو أعسر بالنفقة؟ |
![]() |
على الرواية الثانية عند الشافعية، يبيع القاضي جزءًا من الرهن في النفقة كما بيَّنّا. لكن ماذا يكون على الرواية الأولى وهي على الصحيح في المذهب، وهي: القائلة بإجبار الراهن على النفقة؟ لكن كيف يُجبر الراهن وهو غائب؟ وكيف يُجبر وهو معسر؟ |
![]() |
قال الشافعية: هذه المسألة حكمها حكم هرب الجمّال، ومسألة هرب الجمّال جاءت في باب الإجارة وهي كالآتي: |
![]() |
لو أكرى رجلٌ جماله وهرب وتركها عند المكتري، فإن المكتري -أي: المستأجر- يرجع إلى القاضي لينفق عليها من مال صاحبها الجمّال. فإن لم يجد القاضي للجمّال مالًا ولم يكن في الجِمال فضلٌ، اقترض القاضي على حساب الجمَّال سواءٌ اقترض من أجنبي أم من بيت المال أو من المكتري نفسه. وإن وثق ... |
| ...القاضي في المكتري، دفع إليه ما اقترضه لينفق منه. وإن لم يثق القاضي في المكتري، جعل القرض عند ثقة ليقوم بالإنفاق. وإن لم يجد القاضي مالًا يقترضه، فله أن يبيع منها بقدر النفقة عليها وعلى متعهّدها. فالحكم هنا في الرهن كذلك، إذا غاب الراهن أو كان حاضرًا وأعسر بالنفقة، ما قيل في هرب الجمال يقال هنا في غيبة الراهن أو الإعسار. |
![]() |
مذهب الحنابلة قريب من مذهب الشافعية، لكنه يختلف عنه في بعض الأمور. |
![]() |
فعند الحنابلة: أن مؤونة الرهن من مسكنٍ وحافظٍ وأجرة مَخزِنه إذا كان مخزونًا، وأجرة سقيه وتلقيحه وجذاذه، ورعي الماشية المرهونة، وأجرة مداواة المرض أو الجرح، كل ذلك على الراهن وليس على المرتهن منه شيء. |
![]() |
واستدل الحنابلة على ذلك: بما روى سعيد بن المسيب -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه. له غُنمه، وعليه غُرمه)). ووجهة في الاستدلال بهذا الحديث: أن الراهن مالكٌ للرهن، له منه جميع مغانمه، فكانت عليه جميع مغارمه، ومن ذلك: النفقة والمؤونة بكل ما يحتاج عليه. |
![]() |
والذي أرى ترجيحه هو: مذهب الحنابلة، والصحيح من مذهب الحنفية وهو: أن جميع نفقة المرهون على الراهن، وليس على المرتهن من ذلك شيء؛ وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه. له غُنمه، وعليه غُرمه)). |
![]() |
وفي حالة امتناع الراهن عن الإنفاق، يجبره الحاكم، وإلا أخذ من ماله إن كان له مال، أو باع جزءًا من الرهن لينفق عليه منه. وفي حالة إنفاق المرتهن، فإنه يرجع بالنفقة على الراهن إذا استأذنه أو استأذن الحاكم. فإن لم يستأذنهما مع تيسير ذلك عليه، كان متبرعًا بالنفقة، ولا يحق له الرجوع إلا إذا كان عدم الاستئذان بعذرٍ كغيبة الراهن، أو بُعد المسافة بين المرتهن والحاكم والرهن في حاجة إلى النفقة، ففي هذه الحالة فقط يحق له الرجوع لهذه الضرورة. |