![]() |
عرَّفه الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- بقوله: "الإفلاس في حال الحياة لا يتحقق؛ فإن المال غاد ورائح". |
![]() |
وعرّفه الصاحبان بأنه: من لم يُعرف له مال، وهو يقول: "لا مال لي". |
![]() |
وعرّفه المالكية بقولهم: مَن أحاط الديْن بماله. و"الفلَس" هو: عدم المال. و"التفليس" هو: خلع الرجل عن ماله للغرماء. و"الإفلاس" في الشرع يطلق على المعنيين: أحدهما: أن يستغرق الديْن مالَ المدين، فلا يكون في ماله وفاء بديونه. والثاني: ألا يكون له مال معدوم أصلًا. |
![]() |
فالمفلس بالمعنى الأعم: من قام عليه غرماؤه. وبالمعنى الأخص: المحكوم عليه لخلع ماله لغرمائه. |
![]() |
وعرّفه الشافعية بأنه: مّن لا يفي مالُه بديِنه. والإفلاس أو التفليس: جعْل الحاكم المديون مفلسًا بمنعه من التصرف. |
![]() |
وعرّفه الحنابلة بأنه: مَن كان ديْنه أكثر من مالِه، فسمِّي مُفلسًا وإن كان ذا مال، لاستحقاق ماله الصرف في جهة ديْنه، فكأنه معدوم. أو أنه يمنع من التصرف في ماله إلا للشيء التافه الذي لا يعيش إلا به كالفلوس. |
![]() |
فهذا هو تعريف "المفلس" في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء. |
![]() |
إذا كان على الشخص دين فلا يخلو: إمّا أن يكون الديْن مؤجَّلًا، أو يكون الديْن حالًا. |
![]() |
فإذا كان الدين مؤجَّلًا، لم تجز مطالبة المدين به قبل حلول الأجَل؛ لأنَّ الذي يسقط: فائدة التأجيل. |
![]() |
وإن كان الدين حالا، فإمّا أن يكون المدين معسرًا، وإمّا أن يكون موسرًا. فإن كان معسرًا، فقد اتفق الفقهاء على: أنه يُمهَل إلى وقت اليسار، وذلك لقول الله -سبحانه وتعالى-: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)) (البقرة: ٢٨٠)، والعُسرة: ضيق الحال من جهة انعدام المال. والنَّظِرة: التأخير. و"المَيْسرة": اليسر. فإذا علم الإنسان أن غريمه معسرًا، حرم عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار. |
![]() |
وروي: أن رجلًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر ديْنه فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((تصدّقوا عليه))، فتصدّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء ديْنه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لغرمائه: ((خذوا ما وجدْتُم، وليس لكم إلا ذلك))، والحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه". |
![]() |
وجْه الدلالة من الحديث: أنه يحث على مواساة المحتاج ومَن عليه ديْن، ويحث على الصدقة عليه، وأنَّ المعسر لا تحلّ مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه؛ بل إن البعض قد فهم من الحديث إسقاط ما بقي عليه من الديْن لعسره. |
![]() |
وأجيب بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، ولا تحلّ لكم مطالبته ما دام معسرًا. |
![]() |
والأصل في مشروعية حبس المماطل الأدلة الآتية: |
![]() |
الدليل الأول: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لَيُّ الواجدِ ظُلمٌ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه)). ووجه الدلالة من الحديث: يستدل بالحديث على: جواز حبْس مَن عليه الديْن حتى يقضيه إذا كان قادرًا على القضاء، تأديبًا له وتشديدًا عليه، لا إذا لم يكن قادرًا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الواجِد)) أي: الغني، من: الوجد، أي: القدرة. واللَّيّ: المطْل. و((عِرضه)): شكايته، و((عقوبته)): حبسه؛ فدل على: أن المعسِر لا يُحبس بالدَّيْن. |
![]() |
الدليل الثاني: أنّ قضاء الديْن واجب عليه، والمماطلة ظلم؛ فيحبسه الحاكم دفعًا لظلمه، وإيصالًا للحق إلى مستحقه. | |
![]() |
الدليل الثالث: أن القاضي نُصِّب لإيصال لحقوق إلى أصحابها، فإذا امتنع المطلوب عن الأذى، فعلى القاضي جبره عليه، ولا يجبره بالضرب؛ فتعيّن الحبس. |
![]() |
سبب وجوب الحبس: تبيّن مما سبق: أن سبب وجوب حبس المدين هو: امتناعه عن قضاء الدين بالمماطلة، أو للتعرف على حاله. |
![]() |
أما ما يشترط في الديْن فهو: أن يكون حالًا، فلا يحبس في الديْن المؤجَّل؛ وذلك لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الديْن، ولم يوجد من المديون لأن صاحب الديْن هو الذي أخّر نفسه بالتأجيل؛ لذا ليس له منعه من السفر قبل حلول الأجل. |
![]() |
وأما ما يشترط في المديون فهو ما يلي: |
![]() |
الشرط الأوَّل: القدرة على قضاء الديْن. فإذا كان معسرًا، لا يحبس، لما تقدم من قول الله تعالى: ((فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ))، ولأنه إذا لم يقدر على قضاء الديْن لا يكون الحبس مفيدًا، لأن الحبس شُرع للتوصل إلى قضاء الديْن لا لعيْنه. | |
![]() |
الشرط الثاني: المَطْل وهو: تأخير قضاء الديْن، لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: ((مَطْلُ الغنيِّ ظُلم))، فيُحبَس دفعًا للظلم لقضاء الديْن بواسطة الحبس. وقد تقدَّم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه))، وما لم يظهر منه المطل لا يُحبس لانعدام المطل والليّ منه. | |
![]() |
الشرط الثالث: أن يكون مَن عليه الديْن ممّن سوى الوالدين لصاحب الديْن؛ فلا يُحبس الوالدون وإن علَوْا بديْن المولودين وإن سفلوا، لقول الله تعالى: ((وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)) [لقمان: ١٥]، وقوله تعالى: ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [البقرة: ٨٣]، وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبْسهما بالدَّين. أما الولد فيحبس بديْن الوالد؛ لأن المانع من الحبس حق الوالدين. وكذا سائر الأقارب، يحبس المديون بدين قريبه كائنًا من كان. ويستوي في الحبس الرجل والمرأة؛ لأنّ الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة أو الأنوثة. |
![]() |
وأمّا ما يشترط في صاحب الديْن فهو: أن يطلب صاحب الديْن من القاضي حبْس المدين. فإذا لم يطلب صاحب الديْن من القاضي ذلك، فلا يحبس المدين؛ لأن الديْن حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، وحق المرء إنما يطلب بطلبه، فلا بد من الطلب للحبس. فإذا ثبت عند القاضي سبب وجوب الديْن وشرائطه بالحجة، حبَسَه لتحقق الظلم عنده وتأخير ... |
| ...حقه من غير ضرورة، والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه. |
![]() |
وإن اشتبه على القاضي حال المدين من حيث الإعسار واليسار، ولم يقم عنده حجة على أحدهما، وطلب الدائن حبسه بالديْن، فما الحكم؟ |
![]() |
الحكم: أن القاضي يحبس المدين ليتعرَّف على حاله أنه معسر أو موسر. فإن علم أنه موسر، حبَسه إلى أن يقضي الديْن؛ لأنه ظهر ظلمُه بالتأخير. وإن علم أنه فقير، خلّى سبيله؛ لأنه ظهر أنه لا يستوجب الحبس فيطلقه. |
![]() |
إذا ادَّعى الدائن: أن المدين موسر، والمدين ينكر ذلك، فإن كان القاضي يعرف يساره أو كان الديْن بدل مال، كالثمن والقرض، أو التزمه كالمهر والكفالة، وبدل الخلع ونحوه، حبسه؛ لأن الظاهر بقاء ما حصل في يده، والتزامه يدل على القدرة. |
![]() |
أما إذا كان الدين ضمان متلفات، أو أرش جنايات، أو نفقة الأقارب والزوجات، فإن القاضي لا يحبسه إذا ادَّعى الإعسار لأنه الأصل. وإن أقام المدَّعي البيِّنة على يسار المدين، حبسه القاضي لأنه ظالم بتأخير القضاء. |
![]() |
إذا شهد شاهدان بإعسار المدين، خلّى القاضي سبيله؛ لأنه يستحق الإنظار إلى ميسرة. |
![]() |
أما وقت الإشهاد، فالراجح عند جمهور الفقهاء: أن بيِّنة الإعسار تُقبل بعد الحبس لا قبله. والفرق أنه وُجد بعد الحبس قرينة على إعساره وهي تحمل الحبس، ولم يوجد ذلك قبل الحبس، وقيل: تقبل في الحالتين. |
![]() |
يرى الحنفية: أنه إذا مضى على حبسه شهر أو شهران أو ثلاثة، ولم ينكشف حاله في اليسار والإعسار، خلّى سبيله؛ لأنّ هذا الحبس كان لاستبراء حاله وإبداء عذره، والثلاثة أشهر مدة صالحة لاشتهار الحال وإبداء العذر فيطلقه. |
![]() |
وفي رواية عن أبي حنيفة: أنه يحبسه حتى يؤدِّي أو يموت في السجن. وقد اختار الطحاوي التقدير بشهر؛ لأن ما زاد على الشهر في حكم الآجل، وما دون الشهر في حكم العاجل، فصار أدنى الأجل: شهرًا، والأقصى لا غاية له، فيقدر شهر. والصحيح في المذهب: أن تقدير مدة حبس المدين مفوّض إلى رأي القاضي، لاختلاف أحوال الأشخاص في احتمال الحبس والصبر عليه؛ وهذا مروي عن محمد -رحمه الله- وهو: الصحيح في المذهب. |
![]() |
ويرى المالكية: أنَّ المدين إذا كان مجهول الحال فإنه يُحبس حتى يغلب على ظن القاضي أنه لو كان عنده مال ما صبر على الحبس هذه المدة. أما إذا كان ظاهر الملاءة -أي: الغنى- فلا يخرج من الحبس إلا ببيِّنة بأنه معسر. وأما معلوم الغنى الممتنع عن القضاء، فيخلد في السجن حتى يؤدِّي ما عليه، أو يأتي بكفيل غارم. |
![]() |
ويرى الشافعية: أن كلّ موضع لم يحكم فيه بإعسار المدين وجب حبسه، ولا غاية للحبس عندهم؛ بل يحبس حتى يكشف عنه ثلاثًا أو أربعًا. فمتى ثبت إعساره خلّى سبيله، ولا تغفل مسألة عنه. |
![]() |
ويرى الحنابلة: أن المدين الموسر إن أبى دفْع ما عليه، عزَّره القاضي وكرَّر حبسه وتعزيره حتى يقضيه، ولا يزاد كل يوم على أكثر التعزير أي: العشر ضربات. |
![]() |
استدل الإمام أبو حنيفة وصاحباه محمد وأبو يوسف على: جواز ملازمة الدائن للمدين إذا أعسر بالدين بما يلي: |
![]() |
قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لصاحب الحق يدٌ ولسان))، والحديث متفق عليه. ووجه الدلالة: حيث أراد باليد: الملازمة، وباللسان: التقاضي. | |
![]() |
ووجه التمسك: أن الحديث مطلق في حق الزمان، فيتناول الزمان الذي يكون بعد الإطلاق عن الحبس. |
![]() |
قال زفر من فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو: أنه إذا ثبت إعسار المدين عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته ولا ملازمته، بل يُمهل إلى أن يوسر. |
![]() |
ويرى الحنابلة: أن الموسر إذا امتنع من قضاء الديْن، فلغريمه ملازمته. وقد تقدم اتفاق الفقهاء على حبسه. |
![]() |
الأدلة: |
![]() |
استدل القائلون بعدم ملازمة المعسر بعد إطلاقه من الحبس بقول الله تعالى: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)). |
![]() |
ووجه الدلالة: |
![]() |
أن الله تعالى أمر بإنظار المعسر، ومَن وجب إنظارُه حرُمت ملازمته كمن ديْنه مؤجَّل. | |
![]() |
الدليل الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم- لغرماء الذي كثر دينُه: ((خُذوا ما وجدتُم، وليس لكم إلا ذلك)). ووجه الدلالة: أنّ الحديث: نصّ في أن الغرماء ليس لهم على المعسر إلا ما وجدوا عنده من المال، فانتفى أن يكون لهم ملازمته. | |
![]() |
الدليل الثالث: أنّ كلّ مَن لا مطالبة عليه لا تجوز ملازمته، كما لو كان الدين مؤجلًا. |
![]() |
إن الملازمة لا تنافي النظرة إلى الميسرة، لأنه لا يطالبه بشيء من حقه حتى يثبت أنه قد حصل له مال، وإنما يلازمه ليأخذ ما يحصل له من المال؛ لأن المال غادٍ ورائح، فيمكن أن يحصل له في كل ساعة، وفي كل لحظة. |
![]() |
ولأنه يمكن أن يكون له مال قد أخفاه عن الغرماء، كما يفعل كثير من الناس يتزينون بزي الفقراء، وهم أغنياء. فيلازمونه لاحتمال أن يظهر له مال. وردّ عليهم بأن الحديث الذي استدلوا به فيه مقال ذكَره ابن المنذر. ثم يحمل على الموسر جمعًا بين الأدلة، ولأن القول بملازمة المدين يتنافى مع آدميته وحريته الشخصية، والتي من أجلها منعوا الحجر عليه، ولو كان في ملازمته فائدة لكان أولى بالقاضي ألا يطلقه، وإنما أطلقه بعد أن تبيَّن له أنه لو كان لديه مال يخفيه لأظهره، وما تحمل السجن. |