٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


تعريف "المفلس"

المُفلس لغة

مَن فقَد ماله فأعسر بعد يُسر. يقال: "أفلس الرجل": صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم، يفلس، إفلاسًا: صار مفلسًا، كأنما صارت دراهمه فلوسًا وزيوفًا، يراد به: أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه "فَلْس" بفتح "الفاء" وسكون "اللام". والفَلْس: عملة يتعامل بها مضروبة من غير الذهب والفضة، وكانت تقدَّر بسدس الدرهم، وهي تساوي في العراق وغيره: جزء من ألف من الدينار، والجمع: فلوس. وفلسّه الحاكم تفليسًا: نادى عليه أنه أفلس.

"المفلس" اصطلاح الفقهاء

عرّف الفقهاء المفلس الذي يحجر عليه بالتعريفات الآتية:
عرَّفه الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- بقوله: "الإفلاس في حال الحياة لا يتحقق؛ فإن المال غاد ورائح".
وعرّفه الصاحبان بأنه: من لم يُعرف له مال، وهو يقول: "لا مال لي".

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


وعرّفه المالكية بقولهم: مَن أحاط الديْن بماله. و"الفلَس" هو: عدم المال. و"التفليس" هو: خلع الرجل عن ماله للغرماء. و"الإفلاس" في الشرع يطلق على المعنيين: أحدهما: أن يستغرق الديْن مالَ المدين، فلا يكون في ماله وفاء بديونه. والثاني: ألا يكون له مال معدوم أصلًا.
فالمفلس بالمعنى الأعم: من قام عليه غرماؤه. وبالمعنى الأخص: المحكوم عليه لخلع ماله لغرمائه.
وعرّفه الشافعية بأنه: مّن لا يفي مالُه بديِنه. والإفلاس أو التفليس: جعْل الحاكم المديون مفلسًا بمنعه من التصرف.
وعرّفه الحنابلة بأنه: مَن كان ديْنه أكثر من مالِه، فسمِّي مُفلسًا وإن كان ذا مال، لاستحقاق ماله الصرف في جهة ديْنه، فكأنه معدوم. أو أنه يمنع من التصرف في ماله إلا للشيء التافه الذي لا يعيش إلا به كالفلوس.
فهذا هو تعريف "المفلس" في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء.

حكم امتناع المفلس عن أداء الديْن، وشروط الحبس
إذا كان على الشخص دين فلا يخلو: إمّا أن يكون الديْن مؤجَّلًا، أو يكون الديْن حالًا.
فإذا كان الدين مؤجَّلًا، لم تجز مطالبة المدين به قبل حلول الأجَل؛ لأنَّ الذي يسقط: فائدة التأجيل.

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


وإن كان الدين حالا، فإمّا أن يكون المدين معسرًا، وإمّا أن يكون موسرًا. فإن كان معسرًا، فقد اتفق الفقهاء على: أنه يُمهَل إلى وقت اليسار، وذلك لقول الله -سبحانه وتعالى-: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)) (البقرة: ٢٨٠)، والعُسرة: ضيق الحال من جهة انعدام المال. والنَّظِرة: التأخير. و"المَيْسرة": اليسر. فإذا علم الإنسان أن غريمه معسرًا، حرم عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار.
وروي: أن رجلًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر ديْنه فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((تصدّقوا عليه))، فتصدّق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء ديْنه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لغرمائه: ((خذوا ما وجدْتُم، وليس لكم إلا ذلك))، والحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه".
وجْه الدلالة من الحديث: أنه يحث على مواساة المحتاج ومَن عليه ديْن، ويحث على الصدقة عليه، وأنَّ المعسر لا تحلّ مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه؛ بل إن البعض قد فهم من الحديث إسقاط ما بقي عليه من الديْن لعسره.
وأجيب بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، ولا تحلّ لكم مطالبته ما دام معسرًا.

وإن كان موسرًا تعلق به حكمان، أحدهما: الحبس، والثاني: الملازمة.


٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


الحبس

اتفق الفقهاء على: أنّ المدين بديْن مستغرق لمالِه إذا امتنع عن سداد ديْنه أو بيع مالِه بنفسه بقصد المماطلة، فللقاضي أن يحبسه إذا طلب الدائن ذلك؛ لأنّ الديْن حقّه، والحبس وسيلة إلى حقه، ولا سبيل إليه إلا بالطلب.

الأصل في مشروعية حبس المماطل
والأصل في مشروعية حبس المماطل الأدلة الآتية:
الدليل الأول: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لَيُّ الواجدِ ظُلمٌ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه)). ووجه الدلالة من الحديث: يستدل بالحديث على: جواز حبْس مَن عليه الديْن حتى يقضيه إذا كان قادرًا على القضاء، تأديبًا له وتشديدًا عليه، لا إذا لم يكن قادرًا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الواجِد)) أي: الغني، من: الوجد، أي: القدرة. واللَّيّ: المطْل. و((عِرضه)): شكايته، و((عقوبته)): حبسه؛ فدل على: أن المعسِر لا يُحبس بالدَّيْن.

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


الدليل الثاني: أنّ قضاء الديْن واجب عليه، والمماطلة ظلم؛ فيحبسه الحاكم دفعًا لظلمه، وإيصالًا للحق إلى مستحقه.
الدليل الثالث: أن القاضي نُصِّب لإيصال لحقوق إلى أصحابها، فإذا امتنع المطلوب عن الأذى، فعلى القاضي جبره عليه، ولا يجبره بالضرب؛ فتعيّن الحبس.
سبب وجوب الحبس: تبيّن مما سبق: أن سبب وجوب حبس المدين هو: امتناعه عن قضاء الدين بالمماطلة، أو للتعرف على حاله.

شروط وجوب الحبس

وأما شرائط وجوب الحبس فأنواع: بعضها يرجع إلى الديْن، وبعضها يرجع إلى المدين، وبعضها يرجع إلى صاحب الديْن.
أما ما يشترط في الديْن فهو: أن يكون حالًا، فلا يحبس في الديْن المؤجَّل؛ وذلك لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الديْن، ولم يوجد من المديون لأن صاحب الديْن هو الذي أخّر نفسه بالتأجيل؛ لذا ليس له منعه من السفر قبل حلول الأجل.
وأما ما يشترط في المديون فهو ما يلي:

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


الشرط الأوَّل: القدرة على قضاء الديْن. فإذا كان معسرًا، لا يحبس، لما تقدم من قول الله تعالى: ((فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ))، ولأنه إذا لم يقدر على قضاء الديْن لا يكون الحبس مفيدًا، لأن الحبس شُرع للتوصل إلى قضاء الديْن لا لعيْنه.
الشرط الثاني: المَطْل وهو: تأخير قضاء الديْن، لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: ((مَطْلُ الغنيِّ ظُلم))، فيُحبَس دفعًا للظلم لقضاء الديْن بواسطة الحبس. وقد تقدَّم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه))، وما لم يظهر منه المطل لا يُحبس لانعدام المطل والليّ منه.
الشرط الثالث: أن يكون مَن عليه الديْن ممّن سوى الوالدين لصاحب الديْن؛ فلا يُحبس الوالدون وإن علَوْا بديْن المولودين وإن سفلوا، لقول الله تعالى: ((وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)) [لقمان: ١٥]، وقوله تعالى: ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [البقرة: ٨٣]، وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبْسهما بالدَّين. أما الولد فيحبس بديْن الوالد؛ لأن المانع من الحبس حق الوالدين. وكذا سائر الأقارب، يحبس المديون بدين قريبه كائنًا من كان. ويستوي في الحبس الرجل والمرأة؛ لأنّ الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة أو الأنوثة.
وأمّا ما يشترط في صاحب الديْن فهو: أن يطلب صاحب الديْن من القاضي حبْس المدين. فإذا لم يطلب صاحب الديْن من القاضي ذلك، فلا يحبس المدين؛ لأن الديْن حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، وحق المرء إنما يطلب بطلبه، فلا بد من الطلب للحبس. فإذا ثبت عند القاضي سبب وجوب الديْن وشرائطه بالحجة، حبَسَه لتحقق الظلم عنده وتأخير ...


٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


...حقه من غير ضرورة، والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه.

اشتباه حال المدين على القاضي
وإن اشتبه على القاضي حال المدين من حيث الإعسار واليسار، ولم يقم عنده حجة على أحدهما، وطلب الدائن حبسه بالديْن، فما الحكم؟
الحكم: أن القاضي يحبس المدين ليتعرَّف على حاله أنه معسر أو موسر. فإن علم أنه موسر، حبَسه إلى أن يقضي الديْن؛ لأنه ظهر ظلمُه بالتأخير. وإن علم أنه فقير، خلّى سبيله؛ لأنه ظهر أنه لا يستوجب الحبس فيطلقه.

حكم ادِّعاء الدائن يسار المدين
إذا ادَّعى الدائن: أن المدين موسر، والمدين ينكر ذلك، فإن كان القاضي يعرف يساره أو كان الديْن بدل مال، كالثمن والقرض، أو التزمه كالمهر والكفالة، وبدل الخلع ونحوه، حبسه؛ لأن الظاهر بقاء ما حصل في يده، والتزامه يدل على القدرة.

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


أما إذا كان الدين ضمان متلفات، أو أرش جنايات، أو نفقة الأقارب والزوجات، فإن القاضي لا يحبسه إذا ادَّعى الإعسار لأنه الأصل. وإن أقام المدَّعي البيِّنة على يسار المدين، حبسه القاضي لأنه ظالم بتأخير القضاء.

الإشهاد على الإعسار، ووقته
إذا شهد شاهدان بإعسار المدين، خلّى القاضي سبيله؛ لأنه يستحق الإنظار إلى ميسرة.
أما وقت الإشهاد، فالراجح عند جمهور الفقهاء: أن بيِّنة الإعسار تُقبل بعد الحبس لا قبله. والفرق أنه وُجد بعد الحبس قرينة على إعساره وهي تحمل الحبس، ولم يوجد ذلك قبل الحبس، وقيل: تقبل في الحالتين.


٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


مدّة حبس المدين

اختلف الفقهاء في مدَّة حبس المدين على النحو التالي:
يرى الحنفية: أنه إذا مضى على حبسه شهر أو شهران أو ثلاثة، ولم ينكشف حاله في اليسار والإعسار، خلّى سبيله؛ لأنّ هذا الحبس كان لاستبراء حاله وإبداء عذره، والثلاثة أشهر مدة صالحة لاشتهار الحال وإبداء العذر فيطلقه.
وفي رواية عن أبي حنيفة: أنه يحبسه حتى يؤدِّي أو يموت في السجن. وقد اختار الطحاوي التقدير بشهر؛ لأن ما زاد على الشهر في حكم الآجل، وما دون الشهر في حكم العاجل، فصار أدنى الأجل: شهرًا، والأقصى لا غاية له، فيقدر شهر. والصحيح في المذهب: أن تقدير مدة حبس المدين مفوّض إلى رأي القاضي، لاختلاف أحوال الأشخاص في احتمال الحبس والصبر عليه؛ وهذا مروي عن محمد -رحمه الله- وهو: الصحيح في المذهب.
ويرى المالكية: أنَّ المدين إذا كان مجهول الحال فإنه يُحبس حتى يغلب على ظن القاضي أنه لو كان عنده مال ما صبر على الحبس هذه المدة. أما إذا كان ظاهر الملاءة -أي: الغنى- فلا يخرج من الحبس إلا ببيِّنة بأنه معسر. وأما معلوم الغنى الممتنع عن القضاء، فيخلد في السجن حتى يؤدِّي ما عليه، أو يأتي بكفيل غارم.

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


ويرى الشافعية: أن كلّ موضع لم يحكم فيه بإعسار المدين وجب حبسه، ولا غاية للحبس عندهم؛ بل يحبس حتى يكشف عنه ثلاثًا أو أربعًا. فمتى ثبت إعساره خلّى سبيله، ولا تغفل مسألة عنه.
ويرى الحنابلة: أن المدين الموسر إن أبى دفْع ما عليه، عزَّره القاضي وكرَّر حبسه وتعزيره حتى يقضيه، ولا يزاد كل يوم على أكثر التعزير أي: العشر ضربات.

الترجيح

بعد ذكر آراء الفقهاء في مدة حبس المدين، وذكر ما تعلَّل به كل فريق، فإنني أميل إلى ترجيح ما روي عن محمد -رحمه الله- صاحب الإمام أبي حنيفة، وهو: أن تقدير المدة مفوَّض إلى رأي الإمام، لاختلاف أحوال الأشخاص في احتمال الحبس والصبر عليه، حتى إذا مضت عليه ستة أشهر، ووقع عند القاضي أنه متعنِّت، يُديم الحبس. وإن مضى شهر أو دونه، وتوقّع أنه عاجز، أطلقه لأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه، وعسرته ثابتة، والقضاء متعذّر، فلا فائدة في الحبس.


٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


الملازمة

والمراد: ملازمة الدائن للمدين بعد ثبوت عسره بالديْن، وخروجه من الحبس. وقد اختلف الفقهاء في جواز ملازمة الدائن للمدين حتى يستردّ مالَه، وذلك على رأيين:

الرأي الأول

قاله الإمام أبو حنيفة وصاحباه، وهو: جواز ملازمة الدائن للمدين، بمعنى: أن يذهب معه حيثما ذهب. وإن لم يأذن له بدخول بيته معه، انتظره على باب بيته، حتى لازمه عند خروجه. ويشترط الصاحبان لذلك: أن يقيم الدائن البيِّنة أن له مالاً. وحدّ الملازمة هو: أن يدور الدائن مع المدين حيث شاء المدين أن يذهب، وليس للدائن أن يمنعه من التصرف، والكسب، والسفر حال الملازمة، ولا يحبسه في مكان خاص. ولو كان المدين امرأة، لا يلازمها، ولكن يبعث امرأة أمينة تلازمها. والحكمة من هذه الملازمة: حمل المدين على قضاء ديْنه بالتضييق عليه بتلك الملازمة.
استدل الإمام أبو حنيفة وصاحباه محمد وأبو يوسف على: جواز ملازمة الدائن للمدين إذا أعسر بالدين بما يلي:

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لصاحب الحق يدٌ ولسان))، والحديث متفق عليه. ووجه الدلالة: حيث أراد باليد: الملازمة، وباللسان: التقاضي.
ووجه التمسك: أن الحديث مطلق في حق الزمان، فيتناول الزمان الذي يكون بعد الإطلاق عن الحبس.

الرأي الثاني
قال زفر من فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو: أنه إذا ثبت إعسار المدين عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته ولا ملازمته، بل يُمهل إلى أن يوسر.
ويرى الحنابلة: أن الموسر إذا امتنع من قضاء الديْن، فلغريمه ملازمته. وقد تقدم اتفاق الفقهاء على حبسه.
الأدلة:
استدل القائلون بعدم ملازمة المعسر بعد إطلاقه من الحبس بقول الله تعالى: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)).

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


ووجه الدلالة:
أن الله تعالى أمر بإنظار المعسر، ومَن وجب إنظارُه حرُمت ملازمته كمن ديْنه مؤجَّل.
الدليل الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم- لغرماء الذي كثر دينُه: ((خُذوا ما وجدتُم، وليس لكم إلا ذلك)). ووجه الدلالة: أنّ الحديث: نصّ في أن الغرماء ليس لهم على المعسر إلا ما وجدوا عنده من المال، فانتفى أن يكون لهم ملازمته.
الدليل الثالث: أنّ كلّ مَن لا مطالبة عليه لا تجوز ملازمته، كما لو كان الدين مؤجلًا.

المناقشات

ناقش أصحاب الرأي الأوّل ما استدل به أصحاب الرأي الثاني فقالوا:
إن الملازمة لا تنافي النظرة إلى الميسرة، لأنه لا يطالبه بشيء من حقه حتى يثبت أنه قد حصل له مال، وإنما يلازمه ليأخذ ما يحصل له من المال؛ لأن المال غادٍ ورائح، فيمكن أن يحصل له في كل ساعة، وفي كل لحظة.

٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس


ولأنه يمكن أن يكون له مال قد أخفاه عن الغرماء، كما يفعل كثير من الناس يتزينون بزي الفقراء، وهم أغنياء. فيلازمونه لاحتمال أن يظهر له مال. وردّ عليهم بأن الحديث الذي استدلوا به فيه مقال ذكَره ابن المنذر. ثم يحمل على الموسر جمعًا بين الأدلة، ولأن القول بملازمة المدين يتنافى مع آدميته وحريته الشخصية، والتي من أجلها منعوا الحجر عليه، ولو كان في ملازمته فائدة لكان أولى بالقاضي ألا يطلقه، وإنما أطلقه بعد أن تبيَّن له أنه لو كان لديه مال يخفيه لأظهره، وما تحمل السجن.

الترجيح

ممَّا تقدم يتَّضح لنا رجحان الرأي الثاني وهو: رأي زفر من فقهاء الحنفية ومَن وافقه من المالكية والشافعية والحنابلة الذين قالوا: بعدم جواز ملازمة المدين المعسر لقوة ما استدلوا به، واتفاقها مع النصوص الواردة بالإنظار، أو الاكتفاء بما وجد عنده.


٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس



٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس



٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس



٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس



٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس



٤.٩ التعريف بالمفلس، وحكم امتناع المفلس عن أداء الدين وشروط الحبس