شروط الرهن أنواع، بعضها يرجع إلى نفس الرهن، وبعضها يرضع إلى الراهن والمرتهن، وبعضها يرجع إلى المرهون، وبعضها يرجع إلى المرهون به. ولسنا هنا بصدد الكلام عن شروط الراهن والمرتهن، أو شروط المرهون، أو شروط المرهون به؛ فكل واحدٍ من هذا له بابه وسيأتي بمشيئة الله في حينه، بل الكلام هنا مقصور على شروط العقد، أي: عقد الرهن نفسه.
أن يكون منجزًا لا معلَّقًا على شرط، وأن يكون مؤبدًا وليس مضافًا إلى وقت؛ وذلك لأن في الرهن والارتهان معنى الإبقاء والاستيفاء، فيشبه البيع من أنه لا يحتمل التعليق على شرط، ولا الإضافة إلى وقت؛ فكذلك الرهن لأن التأجيل فيه إنما هو للدَيْن.
كونه خاليًا من أي شرطٍ يتنافى مع مقتضى العقد وحكمه مثل: اشتراط الراهن أن لا يباع المرهون في الديْن إذا لم يُدفع، أو اشتراط الراهن أن لا يقبض المرتهن المرهون به بل يظل تحت يده، أو يشترط المرتهن أن ينتفع بالمرهون في دَيْن القبض، أو اشتراط الغلق في الرهن وهو: أنه إذا لم يدفع الراهن الديْن عند الأجل فإن المرهون يكون للمرتهن في نظير الديْن؛ فهذا مُحرم ومنهي عنه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عنه.
قال ابن رشد: "وأما الشرط المُحرَّم الممنوع بالنص فهو: أن يرهن الرجل رهنًا على أنه إن جاء بحقِّه عند أجَله وإلا فالرهن له. فاتفقوا على: أن هذا الشرط يوجب الفسخ، وأنه معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يُغلق الرهن))، والحديث أخرجه البيهقي والحاكم والدارقطني وابن ماجه.
فإذا اشتُرط في عقد الرهن شرط من هذه الشروط فإنه يكون مبطلًا للعقد عند المالكية والشافعية والحنابلة في قولٍ لهم؛ لأنه يكون قرضًا جَرَّ نفعًا وهذا ربا وهذا منهي عنه؛ فقد روي عن علي -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك، فقال: ((كلُّ قَرْضٍ جَرَّ منفعة فهو ربا))، والحديث رواه السيوطي في "الجامع الصغير"، خلافًا للحنفية والحنابلة في قول ثانٍ من: أنه يصحّ العقد ويبطل الشرط، وذلك لأن العقد عندهم لا يبطل بالشروط الفاسدة، بل تبطل الشروط ويصحّ العقد.
كوْنه مع الحق أو بعده، لا قبْله، وهذا عند جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية والحنابلة؛ حيث إن الرهن لا يصحّ قبل ثبوت الديْن عندهم، وتعلّقه بذمة الراهن، خلافًا للمالكية الذين أجازوا الارتهان قبل ثبوت الديْن على ما سيقرضه أو يبيعه مستقبلًا.
القبض واستدامته -أي: قبض المرتهِن للمرهون، واستدامة قبضه له. فالقبض شيء، واستمراره واستدامته شيء آخر. فالقبض في حد ذاته شرطٌ عند الأئمة الأربعة، أمّا استدامته واستمرار قبض المرتهن له فهي: شرط عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك وأحمد، وليس شرطًا عند الشافعية.
٢.٨ شروط عقد الرهن، وأركانه
شروط الرهن عند الحنابلة
هذا وقد جمع الحنابلة شروط الرهن عامة في ثمانية شروط وهي كالآتي:
أن يكون الرهن من جائز التصرف.
أن يكون الراهن مختارًا.
أن يكون مالكًا للمرهون، أو مأذونًا له.
أن يكون العقد مُنَجزًا، فلا يصح معلقًا على شرط.
أن يكون عقد الرهن مع الحق أو بعده لا قبله.
أن يكون الرهن في عينٍ يجوز بيعها، إلا ما يستثنى.
معرفة جنس المضمون وقَدْره وصفته.
كون الرهن بديْنٍ واجبٍ كثمن وقرض، أو مآله إلى الوجوب كثمن مدّة خيار والمقبوض على وجه السوم ونحو ذلك.
٢.٨ شروط عقد الرهن، وأركانه
أركان عقد الرهن
اختلف الفقهاء في تحديد أركان عقد الرهن.
فذهب [الحنفية والحنابلة] إلى: أن ركن عقد الركن هو: الصيغة لا غير: الإيجاب والقبول. وهذا قولٌ واحدٌ عند الحنابلة.
أما [الحنفية] فليس هذا محلّ اتفاق عندهم. فالمتفق عليه عندهم من الأركان هو: الإيجاب فقط. أما القبول فمختلف فيه. فيصحّ الرهن بالإيجاب وحده عند بعضهم. لكن ما عليه عامة المشايخ في المذهب هو: أن ركن العقد هو: الإيجاب والقبول معًا. أما العاقدان من راهنٍ ومرتهن، وكذا المعقود عليه من مرهون ومرهون به فهي شروطٌ عند الحنفية وليست أركاناً.
قال البابرتي: "ركن الرهن: الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد، والعقد ينعقد بالإيجاب والقبول، وعلى ذلك عامة المشايخ. قالوا: أراد به شيخ الإسلام خواهر زاده الركن الإيجاب بمجرده؛ لأنه عقد تبرع، وكل ما هو كذلك يتم بالمتبرع.
وأما الأركان عند كل من المالكية والشافعية فهي: أربعة غير، أنهم اختلفوا اختلافًا بسيطًا في تحديدها.
فعند المالكية الأركان هي:
٢.٨ شروط عقد الرهن، وأركانه
الراهن.
المرتهن.
المرهون.
المرهون فيه.
أما عند الشافعية فالأركان هي:
العاقد.
المرهون.
المرهون به.
الصيغة.
فهذه هي أركان الرهن.
٢.٨ شروط عقد الرهن، وأركانه
أما الصيغة: فلا يشترط عند جمهور الفقهاء من حنفية وشافعية وحنابلة صيغةٌ صريحةٌ أو معيّنةٌ لإتمام عقد الرهن.
والرأي الذي نرى ترجيحه في حكم الصيغة في عقد الرهن من حيث اشتراط اللفظ الصريح وعدم اشتراطه هو: مذهب جمهور الفقهاء، وهو: عدم اشتراط لفظ الرهن صراحة لإتمام عقد الرهن، وذلك تيسيرًا على الناس. فكل ما دل على الرهن صحّ العقد به بأي لفظٍ كان أو بأي عبارة كانت؛ لأن العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني. فما دامت الصيغة من العاقدين دالة على الرهن بما هو متعارفٌ به عندهم، فإنها تنصرف إلى الرهن، وليس ثمة احتمال آخَر لانصرافها إلى البيع، أو الإجارة، أو ما شاكل ذلك، خلافًا للمالكية.