![]() |
فما روي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمه وعليه غُرْمه))، والحديث أخرجه البيهقي واللفظ له، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وابن ماجه من طرقٍ أُخرى. ووجه الدلالة من الحديث هو: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يُغلق الرهن)) أي: لا يضيع على صاحبه ولا يستحقه المرتهن في نظير دَينه عند الأجل كما كان في الجاهلية. فقد روي: أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤدِّ الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المحدَّد، فأبطله الإسلام، وجعل حق المرتهن في المرهون هو حق التوثيق لا غير، فإذا لم يدفع الراهن الديْن عند الأجل بِيع الرهن وأخذ المرتهن ديْنه من الثمن وما بقي أخذه الراهن. ومعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من صاحبه الذي رهنه)) أي: من ضمانه. |
![]() |
وإذا كان الرهن من ضمانه -من ضمان صاحبه- بمعنى: أن غُرمه عليه، فإن الشرع والعقل يقضيان بأن يكون غُنمه له أخذًا بقاعدة: "الغُنم بالغُرم". ومعنى هذا: أن نفقة المرهون ونقصه وهلاكه على الراهن، ومنافعه وزيادته له، ولا شيء للمرتهن من هذا. وبناءً عليه، فلا يحق له الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن مطلقًا، لا فرق في ذلك بين المركوب والمحلوب وغيرهما؛ لأن الراهن مالك والمرتهن أجنبيّ، ولا يحق للأجنبي أن يتملك شيئًا منفعة كان أم ذاتًا إلا بإذن من مالكه. |
![]() |
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((له غُنمه وعليه غُرمه)) هكذا بهذا اللفظ: تأكيد لما قلناه. والتأكيد جاء بطريق الحصر المستفاد من تقديم الخبر على المبتدأ في الجملتين ((له غُنمه وعليه غُرمه)). |
![]() |
ما ورد على هذا الحديث: |
![]() |
ورد على هذا الحديث: أنّ له طرقاً في الدارقطني والبيهقي كلّها ضعيفة، وعبارة: ((له غُنمه وعليه غُرمه)) اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فقال ابن وهب: "إن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب"، وقاله أيضًا: أبو داود في المراسيل، نقله عن الزهري. وقال الشوكاني: "ولكنه قد اختلف في وصْله وإرساله ورفْعه ووقفه، وذلك بما يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في "صحيح" البخاري وغيره، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا))، وأجيب عن هذا: بأن الدارقطني روى هذا الحديث بلفظه وقال: "هذا إسنادٌ حسنٌ متصلٌ". وجاء في "بلوغ المرام": أن رجاله ثقات، وقال ابن حزم: "هذا إسنادٌ حسنٌ"، وقد صحح وصْله ابن عبد البر. |
![]() |
وللتوفيق بين الحديثين نقول: يُحمل حديث ((لا يغلق الرهن)) على غير المركوب والمحلوب، وأمّا المركوب والمحلوب فله حكمه الخاص الذي دّل عليه حديث البخاري: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا))؛ وبهذا يمكن الجمع والتوفيق بين الحديثين. |
![]() |
الشرط الأول: أن يكون الانتفاع بالحلب والركوب فقط. |
![]() |
الشرط الثاني: أن يكون الانتفاع بالمرهون بقدر النفقة عليه، مع تحري العدل في ذلك. |
![]() |
الشرط الثالث: أن يكون الإنفاق من غير نظر أو اعتبار، لإمكان أخذه من الراهن أو عدم أخذه. بمعنى: أن ينفق على المرهون، سواء أنفق مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن، أو مع تعذر استردادها لعسره أو غيبته أو امتناعه. |
![]() |
الشرط الرابع: أن ينفق بنيّة الرجوع على الراهن بما أنفقه. فإذا لم تتوفر هذه الشروط، فلا يجوز له الانتفاع بغير إذن الراهن. |
![]() |
فما روي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الظَّهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّر يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة))، والحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة. ووجه الدلالة من الحديث هو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الانتفاع بالرهن في مقابل النفقة، وهذا يدل على أن المراد بالمنتفع هو: المرتهن لا الراهن؛ لأن الراهن هو المالك والمالك ينتفع بملكه، وإن لم يُنفق عليه كما أن النفقة واجبة عليه وإن لم ينتفع به، ومع الإنفاق يكون انتفاعه بحكم ملكيته له لا لكونه ينفق عليه. وبعد هذه الاعتبارات كلها يُستبعد أن يكون المراد بالمنتفع نظير النفقة هو: الراهن؛ فتعين أن ... |
| ...يكون المراد به هو: المرتهن. وقد دل على هذا صراحة: رواية أخرى لهذا الحديث رواها الإمام أحمد وهو: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهِن علفُها، ولبن الدر يُشرب، وعلى الذي يشرب نفقته)). قال ابن حجر: "وهذا يختص بالمرتهن؛ لأن الحديث وإن كان مجملًا لكنه يختص بالمرتهن؛ لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه مُنفقًا عليه، بخلاف المرتهن". | |
![]() |
وأما الدليل على اشتراط كون الانتفاع بقدر النفقة فيؤيِّده: ما وقع عند حماد بن سلمة في "جامعه" بلفظ: ((إذا ارتهن شاة شرب المرتهِن من لبنها بقدْر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا))، وما رواه سعيد بن منصور بلفظ: ((الدابة إذا كانت مرهونة، تُركب بقدْر علفها. وإذا كان لها لبن، يُشرب منه بقدر علفها)). |
![]() |
الوجه الأول: التجويز لغير المالك: أن يركب ويشرب بغير إذنه؛ وهذا مخالفٌ للأصول الشرعية الثابتة في الكتاب والسُّنة مثل: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)) [النساء: ٢٩]، ومثل: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحلُّ مالُ امرئ مسلمٍ إلا بطيب نفسه)). |
![]() |
الوجه الثاني: أنه جعل ضمانه بالنفقة لا بالقيمة. وقد أُجيب عن هذين الاعتراضين بجوابين مختلفين: الأول للصنعاني، والثاني لابن القيم. |
![]() |
جواب الصنعاني: قال الصنعاني: "ليست الأحكام الشرعية مضطردة على نسقٍ واحدٍ؛ بل الأدلة تفرق بينها في الأحكام، والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه، وقد حكم الشرع ببيع الحاكم عن المتملك بغير إذنه، وجعل صاع التمر عوضًا عن اللبن وغير ذلك...". |
![]() |
جواب ابن القيم: قال العلامة ابن القيم: "والصواب: ما دل عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن المرهون إذا كان حيوانًا فهو محترمٌ في نفسه لحق الله -سبحانه وتعالى-. وللمالك حق الملك، وللمرتهن حق الوثيقة. وقد شرع الله الرهن مقبوضًا بيد المرتهن. فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه، ذهب نفعه باطلًا. وإن مكن صاحبه من ركوبه، خرج عن ... |
| ...يده وتوثيقه. وإذا كلّف صاحبه كل وقتٍ أن يأتي ليأخذ لبنه شقّ عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة لو كانت المسافة بعيدة، وإن كلف المرتهن ببيع اللبن وحفظ ثمنه شقّ عليه، فكان مقتضى العقل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن ومصلحة الحيوان: أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوّض عنهما بالنفقة؛ ففي هذا جمعٌ بين المصلحتين وتوفيرٌ للحقِّ. فإن نفقة الحيوان واجبةٌ على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدّى عنه واجبًا له فيه حق، فله أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخذها خير من أن تُهدر على صاحبها باطلًا ويُلزم بعوض ما أنفق. وإن قيل للمرتهن: لا رجوع لك، كان فيه ضرر عليه، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان؛ فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها غاية من العدل والحكمة والمصلحة شيءٌ يختار. |
![]() |
استدل أصحاب المذهب الثالث وهم: الأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو ثور، على: جواز انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن في حالة امتناع الراهن عن الإنفاق عليه، بشرط أن يكون الانتفاع بقدر النفقة، بالسُّنة المطهرة وهي: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الظَّهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)). ووجه الدلالة من هذا الحديث عند أصحاب هذا المذهب: أنه مقيَّدٌ بما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون؛ فيباح حينئذٍ للمرتهن: الإنفاق على الحيوان، حفظًا لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته: الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن، بشرط أن لا يزيد قدْر ذلك أو قيمته على قدْر علفه. وهذه المسألة من مسائل الظفر، ومعنى هذا: أنّ مَن ظفر بحقّه يجب أن لا يزيد عليه. |
![]() |
أما حديث: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمه وعليه غُرْمه))، فحملوه على: ما إذا كان الراهن بالإنفاق على المرهون؛ وبذلك يكون قد جُمع بين الحديثين حديث: ((الرهن يُركب)): يحمل على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق عن المرهون. وحديث ((لا يُغلق الرهن)) يُحمل على: ما إذا قام الراهن بالإنفاق على المرهون ولم يمتنع. |
![]() |
ويستدل لهم على اشتراط كون الانتفاع بقدْر النفقة: بما استدل به الحنابلة من حديثي حماد بن سلمة وسعيد بن منصور: الأوّل بلفظ: ((إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدْر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا))، والثاني بلفظ: ((الدابة إذا كانت مرهونة، تُركب بقدْر علفها. وإذا كان لها لبن، يُشرب منه بقدْر علفها)). |
![]() |
فقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) [النساء: ٢٩]. ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله -سبحانه وتعالى- نهى فيها عباده عن أكل أموال الناس بالباطل. وإذا انتفع المرتهن بالمرهون نظير إنفاقه عليه، مع امتناع الراهن عن الإنفاق على مرهونه، فإن ذلك لا يكون أكلًا لأموال الناس بالباطل حسبما فسَّر العلماء كلمة "الباطل" في الآية. |
![]() |
يقول القرطبي: "قوله تعالى: ((بِالْبَاطِلِ)): بغير حق، وقوله تعالى: ((تِجَارَةً)): التجارة: المعاوضة". |
![]() |
ويقول الرازي: "روي عن ابن عباس والحسن -رضي الله عنهما-: أن الباطل هو: كلّ ما يؤخذ من الإنسان بغير عوضٍ". |
![]() |
وعلى هذا فيكون انتفاع المرتهن بالمرهون نظير إنفاقه عليه ليس من هذا القبيل. |
![]() |
والذي يترجّح عندي هو: عدم انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا إلا في حالةٍ واحدةٍ هي: إذا امتنع الراهن من الإنفاق على مرهونه؛ فإنه في هذه الحالة فقط ينفق المرتهن على المرهون وينتفع به. ويكون الانتفاع على قدر النفقة لا يزيد عليها وإلا كان محرَّمًا؛ لأن هذا هو الذي يتمشَّى مع العقل والمنطق. وفوق هذا كله فإنه ينطبق على قواعد الشرع الحكيم. |
![]() |
وبذلك نكون قد جمعْنا بين الأدلة، فحديث: ((لا يُغلق الرهن)) يُحمل على: ما لو أنفق الراهن على رهنه، فهو أحق به: ((له غُنمه، وعليه غُرمه)) كما نطق بذلك الحديث. وحديث: ((الظَّهر يُركب)) يُحمل على حالة امتناع الراهن عن الإنفاق. فلو امتنع المرتهن أيضًا لنَفَق الحيوان وضاع عليه حقّه، وربما نُسب إليه إهمال أو تقصير في حفظه حتى كان هلاكه؛ فيكون ... |
| ...ضمانه عليه. فحتى لا يضيع على المرتهن حقّه، فإنه يقوم بالإنفاق عليه وينتفع به. بل وتقييد المنفعة بأن تكون على قدْر النفقة لا تزيد عنها. وهذا أيضًا ينطبق مع أصول الشرع وقواعده؛ لأن المرتهن لو أخذ منفعة أكثر ممّا أنفقه على الحيوان فبأي حقٍّ يأخذ هذه الزيادة. | |
![]() |
إن هذا يصطدم مع قول الله تعالى: ((لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) [النساء: ٢٩]، ومع قوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ إلا بطيب نفسه)). ويصطدم أيضًا مع الأثر المروي عن سعيد بن منصور: ((الدابة إذا كانت مرهونة، تُركب بقدْر علفها. وإذا كان لها لبن، يشرب منها بقدر علفها)). ويصطدم أيضًا مع الأثر المروي عن حماد بن سلمة: ((إذا ارتهن شاة، شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها. فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف، فهو ربا)). وهذا النص والذي قبله صريحان فيما نقول به. وأيضًا لو كانت المنفعة أكثر من الإنفاق، كان قرضًا جَرَّ منفعة، وكل قرضٍ جَرَّ منفعة فهو ربا، حيث نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك؛ فلهذا كله أرى الأخذ بهذا القول وأرجِّحه. |