٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


حكم انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن

اختلفت كلمة الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن على النحو التالي:

المذهب الأول

وهو: مذهب [جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عند الإمام أحمد. يرى جمهور الفقهاء]: أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون بغير إذن الراهن مطلقًا أي: سواء أكان المرهون ممَّا يُركب ويُحلب أو كان غير ذلك.

أدلة أصحاب المذهب الأول

استدل جمهور الفقهاء -وهم: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- في رواية على: عدم جواز انتفاع المرتهن بالمرهون بدون إذن الراهن مطلقًا أي: إذا كان المرهون مركوبًا أو محلوبًا أو غيرهما بالأدلة الآتية من السُنة والقياس.


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


أما السُّنة
فما روي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمه وعليه غُرْمه))، والحديث أخرجه البيهقي واللفظ له، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وابن ماجه من طرقٍ أُخرى. ووجه الدلالة من الحديث هو: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يُغلق الرهن)) أي: لا يضيع على صاحبه ولا يستحقه المرتهن في نظير دَينه عند الأجل كما كان في الجاهلية. فقد روي: أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤدِّ الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المحدَّد، فأبطله الإسلام، وجعل حق المرتهن في المرهون هو حق التوثيق لا غير، فإذا لم يدفع الراهن الديْن عند الأجل بِيع الرهن وأخذ المرتهن ديْنه من الثمن وما بقي أخذه الراهن. ومعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من صاحبه الذي رهنه)) أي: من ضمانه.
وإذا كان الرهن من ضمانه -من ضمان صاحبه- بمعنى: أن غُرمه عليه، فإن الشرع والعقل يقضيان بأن يكون غُنمه له أخذًا بقاعدة: "الغُنم بالغُرم". ومعنى هذا: أن نفقة المرهون ونقصه وهلاكه على الراهن، ومنافعه وزيادته له، ولا شيء للمرتهن من هذا. وبناءً عليه، فلا يحق له الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن مطلقًا، لا فرق في ذلك بين المركوب والمحلوب وغيرهما؛ لأن الراهن مالك والمرتهن أجنبيّ، ولا يحق للأجنبي أن يتملك شيئًا منفعة كان أم ذاتًا إلا بإذن من مالكه.

٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((له غُنمه وعليه غُرمه)) هكذا بهذا اللفظ: تأكيد لما قلناه. والتأكيد جاء بطريق الحصر المستفاد من تقديم الخبر على المبتدأ في الجملتين ((له غُنمه وعليه غُرمه)).
ما ورد على هذا الحديث:
ورد على هذا الحديث: أنّ له طرقاً في الدارقطني والبيهقي كلّها ضعيفة، وعبارة: ((له غُنمه وعليه غُرمه)) اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فقال ابن وهب: "إن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب"، وقاله أيضًا: أبو داود في المراسيل، نقله عن الزهري. وقال الشوكاني: "ولكنه قد اختلف في وصْله وإرساله ورفْعه ووقفه، وذلك بما يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في "صحيح" البخاري وغيره، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا))، وأجيب عن هذا: بأن الدارقطني روى هذا الحديث بلفظه وقال: "هذا إسنادٌ حسنٌ متصلٌ". وجاء في "بلوغ المرام": أن رجاله ثقات، وقال ابن حزم: "هذا إسنادٌ حسنٌ"، وقد صحح وصْله ابن عبد البر.
وللتوفيق بين الحديثين نقول: يُحمل حديث ((لا يغلق الرهن)) على غير المركوب والمحلوب، وأمّا المركوب والمحلوب فله حكمه الخاص الذي دّل عليه حديث البخاري: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا))؛ وبهذا يمكن الجمع والتوفيق بين الحديثين.


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


أما القياس:
فهو قياس المرهون على غير المرهون. فكما أن غير المرهون إذا كان مملوكًا لأحد فإنه لا يجوز لأي شخصٍ أن ينفق عليه وينتفع به من غير إذن صاحبه كدارٍ متهدِّمة، فلا يجوز لأحدٍ أن يصلحها ويُنفق عليها وينتفع بها بالسكنى أو الكِراء من غير أن يأذن له مالكها في ذلك. وقال ابن قدامة: "لأنه ملك غيره، لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه، فلم يكن له ذلك كغير الرهن".

المذهب الثاني

رواية ثانية عند الحنابلة وذهب [الحنابلة] إلى: عدم جواز انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن إذا كان المرهون غير محلوبٍ أو غير مركوبٍ. وجواز الانتفاع بغير إذن الراهن في المحلوب والمركوب فقط، وذلك بشروط. إذن فرَّق الحنابلة في الرواية الثانية بين المرهون المحلوب والمركوب، والمرهون غير المحلوب وغير المركوب؛ فلا يجوز في غير المحلوب وغير المركوب، ويجوز في المحلوب والمركوب حتى ولو لم يأذن الراهن، ولكن بشروط:
الشرط الأول: أن يكون الانتفاع بالحلب والركوب فقط.
الشرط الثاني: أن يكون الانتفاع بالمرهون بقدر النفقة عليه، مع تحري العدل في ذلك.

٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


الشرط الثالث: أن يكون الإنفاق من غير نظر أو اعتبار، لإمكان أخذه من الراهن أو عدم أخذه. بمعنى: أن ينفق على المرهون، سواء أنفق مع القدرة على أخذ النفقة من الراهن، أو مع تعذر استردادها لعسره أو غيبته أو امتناعه.
الشرط الرابع: أن ينفق بنيّة الرجوع على الراهن بما أنفقه. فإذا لم تتوفر هذه الشروط، فلا يجوز له الانتفاع بغير إذن الراهن.

أدلة أصحاب المذهب الثاني:
استدل الحنابلة في روايتهم الثانية الذي قالوا فيها: يجوز انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن إذا كان المرهون مركوبًا أو محلوبًا بالسُّنة والمعقول. أما السُّنة:
فما روي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الظَّهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّر يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة))، والحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة. ووجه الدلالة من الحديث هو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الانتفاع بالرهن في مقابل النفقة، وهذا يدل على أن المراد بالمنتفع هو: المرتهن لا الراهن؛ لأن الراهن هو المالك والمالك ينتفع بملكه، وإن لم يُنفق عليه كما أن النفقة واجبة عليه وإن لم ينتفع به، ومع الإنفاق يكون انتفاعه بحكم ملكيته له لا لكونه ينفق عليه. وبعد هذه الاعتبارات كلها يُستبعد أن يكون المراد بالمنتفع نظير النفقة هو: الراهن؛ فتعين أن ...


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


...يكون المراد به هو: المرتهن. وقد دل على هذا صراحة: رواية أخرى لهذا الحديث رواها الإمام أحمد وهو: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهِن علفُها، ولبن الدر يُشرب، وعلى الذي يشرب نفقته)). قال ابن حجر: "وهذا يختص بالمرتهن؛ لأن الحديث وإن كان مجملًا لكنه يختص بالمرتهن؛ لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه مُنفقًا عليه، بخلاف المرتهن".
وأما الدليل على اشتراط كون الانتفاع بقدر النفقة فيؤيِّده: ما وقع عند حماد بن سلمة في "جامعه" بلفظ: ((إذا ارتهن شاة شرب المرتهِن من لبنها بقدْر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا))، وما رواه سعيد بن منصور بلفظ: ((الدابة إذا كانت مرهونة، تُركب بقدْر علفها. وإذا كان لها لبن، يُشرب منه بقدر علفها)).

أما المعقول:
فقد ذكره ابن قدامة فقال: "ولأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق، وقد أمكنه استيفاء حقه مع نماء الرهن، والنيابة عن المالك فيما وجب عليه، واستيفاء ذلك من منافعه؛ فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه، والنيابة في الإنفاق عليها. والنماء للراهن، ولكن للمرتهن ولاية صرفها إلى نفقته لثبوت يده عليها وولايته؛ وهذا فيمن أنفق محتسبًا الرجوع. فأما ما أنفق متبرعًا بغير نية الرجوع، لم ينتفع به رواية واحدة.


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


اعترض جمهور الفقهاء على استدلال الحنابلة من السُّنة بعدّة اعتراضات . اعترض جمهور الفقهاء على استدلال الحنابلة من السُّنة بعدّة اعتراضات منها:

الاعتراض الأوّل

القول بأن الانتفاع يكون نظير النفقة؛ وهذا يدل على: أن المراد به في حديث المرتهن وليس الراهن؛ لأن الراهن لم ينتفع نظير النفقة، بل بسبب الملكية: هذا التوجيه غير صحيح؛ بل المراد: الراهن، وأن انتفاعه بملكه ليس بسبب الملكية فقط، بل وللإنفاق على المملوك أيضًا؛ لأنه لو لم ينفق على ملكه لما حصل له الانتفاع، إذ يجف الضرع ويعجز عن الحمل، وكلما زادت النفقة على المركوب والمحلوب كلما كان الانتفاع بهما أكثر.

الاعتراض الثاني

الرواية التي جاءت بلفظ: ((إذا كانت الدابة مرهونة، فعلى المرتهن علفُها. ولبن الدر يُشرب، وعلى الذي يشرب نفقته))، هذا الرواية من إسماعيل عن هُشيم وهي: ضعيفةٌ، فالزيادة التي وردت فيها لا تقبل. وقد قال...


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


... البيهقي: "ما رواه إسماعيل عن هُشيم ليس بمحفوظ"، وقال ابن حزم: "إن رواية إسماعيل فيها لفظٌ مختلفٌ غير مفهوم أصلًا، وهو قوله: ((ولبن الدر يُشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها وتركب)) -قال ابن حزم-: حاشا أن يكون هذا من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- المأمور بالبيان لنا. والتخليط فيها من قِبَل إسماعيل لا من قبل هُشيم"، وعليه فلا يصح الاستدلال برواية إسماعيل على أن المراد: المرتهن.

الاعتراض الثالث

قال ابن عبد البر: "هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يردّه أصولٌ مجمَعٌ عليها، وآثار ثابتة لا يُختلف في صحتها. ويدلّ على نسخه: حديث ابن عمر: ((لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه))". وقد أجاب الشوكاني على هذا فقال: "إن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول غير مسلّمة؛ لأنّا نقول: إن السُّنة الصحيحة من جملة الأصول، فلا تردّ إلا بمعارِض أرجح منها بعد تعذّر الجمع". وعن حديث ابن عمر نقول: إنه عام، وحديثنا خاص؛ فيبنى العامّ على الخاصّ. وأما النسخ فإنه لا يثبت إلا بدليل يقضي بتأخير الناسخ، ولا يثبت بمجرد الاحتمال. والتاريخ في هذا متعذر. والجمع بين الأحاديث مُمكن، وذلك بحمل العام على الخاص هنا.


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


الاعتراض الرابع

حكى الشوكاني عن جمهور الفقهاء: أن الحديث ورد على خلاف القياس؛ وذلك من وجهين:
الوجه الأول: التجويز لغير المالك: أن يركب ويشرب بغير إذنه؛ وهذا مخالفٌ للأصول الشرعية الثابتة في الكتاب والسُّنة مثل: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)) [النساء: ٢٩]، ومثل: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحلُّ مالُ امرئ مسلمٍ إلا بطيب نفسه)).
الوجه الثاني: أنه جعل ضمانه بالنفقة لا بالقيمة. وقد أُجيب عن هذين الاعتراضين بجوابين مختلفين: الأول للصنعاني، والثاني لابن القيم.
جواب الصنعاني: قال الصنعاني: "ليست الأحكام الشرعية مضطردة على نسقٍ واحدٍ؛ بل الأدلة تفرق بينها في الأحكام، والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه، وقد حكم الشرع ببيع الحاكم عن المتملك بغير إذنه، وجعل صاع التمر عوضًا عن اللبن وغير ذلك...".
جواب ابن القيم: قال العلامة ابن القيم: "والصواب: ما دل عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن المرهون إذا كان حيوانًا فهو محترمٌ في نفسه لحق الله -سبحانه وتعالى-. وللمالك حق الملك، وللمرتهن حق الوثيقة. وقد شرع الله الرهن مقبوضًا بيد المرتهن. فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه، ذهب نفعه باطلًا. وإن مكن صاحبه من ركوبه، خرج عن ...


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


...يده وتوثيقه. وإذا كلّف صاحبه كل وقتٍ أن يأتي ليأخذ لبنه شقّ عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة لو كانت المسافة بعيدة، وإن كلف المرتهن ببيع اللبن وحفظ ثمنه شقّ عليه، فكان مقتضى العقل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن ومصلحة الحيوان: أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوّض عنهما بالنفقة؛ ففي هذا جمعٌ بين المصلحتين وتوفيرٌ للحقِّ. فإن نفقة الحيوان واجبةٌ على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدّى عنه واجبًا له فيه حق، فله أن يرجع ببدله ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخذها خير من أن تُهدر على صاحبها باطلًا ويُلزم بعوض ما أنفق. وإن قيل للمرتهن: لا رجوع لك، كان فيه ضرر عليه، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان؛ فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها غاية من العدل والحكمة والمصلحة شيءٌ يختار.

المذهب الثالث

[للأوزاعي والليث بن سعد وأبي ثور]. ذهب كلٌّ من الأوزاعي والليث بن سعد وأبي ثور إلى: جواز انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن بالركوب أو الحلب أو الاستخدام، وذلك في حالة امتناع الراهن عن الإنفاق على المرهون، وبشرط ألا يزيد قدْر ذلك أو قيمته على قدْر علفه. أدلة أصحاب المذهب الثالث:

٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


استدل أصحاب المذهب الثالث وهم: الأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو ثور، على: جواز انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن في حالة امتناع الراهن عن الإنفاق عليه، بشرط أن يكون الانتفاع بقدر النفقة، بالسُّنة المطهرة وهي: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الظَّهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)). ووجه الدلالة من هذا الحديث عند أصحاب هذا المذهب: أنه مقيَّدٌ بما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون؛ فيباح حينئذٍ للمرتهن: الإنفاق على الحيوان، حفظًا لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته: الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن، بشرط أن لا يزيد قدْر ذلك أو قيمته على قدْر علفه. وهذه المسألة من مسائل الظفر، ومعنى هذا: أنّ مَن ظفر بحقّه يجب أن لا يزيد عليه.
أما حديث: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمه وعليه غُرْمه))، فحملوه على: ما إذا كان الراهن بالإنفاق على المرهون؛ وبذلك يكون قد جُمع بين الحديثين حديث: ((الرهن يُركب)): يحمل على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق عن المرهون. وحديث ((لا يُغلق الرهن)) يُحمل على: ما إذا قام الراهن بالإنفاق على المرهون ولم يمتنع.
ويستدل لهم على اشتراط كون الانتفاع بقدْر النفقة: بما استدل به الحنابلة من حديثي حماد بن سلمة وسعيد بن منصور: الأوّل بلفظ: ((إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدْر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا))، والثاني بلفظ: ((الدابة إذا كانت مرهونة، تُركب بقدْر علفها. وإذا كان لها لبن، يُشرب منه بقدْر علفها)).


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


المذهب الرابع

مذهب الظاهرية. ذهب [ابن حزم الظاهري] إلى: جواز انتفاع المرتهن بالمرهون بالركوب والحلب بغير إذن الراهن، بشرط: أن يكون الراهن قد امتنع عن الإنفاق على المرهون، ويكون الانتفاع في مقابل النفقة، لا يحاسب به من ديْنه كثر ذلك أم قلَّ. أدلة أصحاب المذهب الرابع
استدل الظاهرية على جواز الانتفاع بالمرهون بغير إذن الراهن إذا امتنع الراهن عن الإنفاق، ويكون الانتفاع في مقابل النفقة لا يحاسب به من دَينه شيء كثر ذلك أم قل، بالقرآن والسُّنة. أما الكتاب:
فقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) [النساء: ٢٩]. ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله -سبحانه وتعالى- نهى فيها عباده عن أكل أموال الناس بالباطل. وإذا انتفع المرتهن بالمرهون نظير إنفاقه عليه، مع امتناع الراهن عن الإنفاق على مرهونه، فإن ذلك لا يكون أكلًا لأموال الناس بالباطل حسبما فسَّر العلماء كلمة "الباطل" في الآية.
يقول القرطبي: "قوله تعالى: ((بِالْبَاطِلِ)): بغير حق، وقوله تعالى: ((تِجَارَةً)): التجارة: المعاوضة".
ويقول الرازي: "روي عن ابن عباس والحسن -رضي الله عنهما-: أن الباطل هو: كلّ ما يؤخذ من الإنسان بغير عوضٍ".
وعلى هذا فيكون انتفاع المرتهن بالمرهون نظير إنفاقه عليه ليس من هذا القبيل.


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


أما السُّنة:
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحلّ مالُ امرئ مسلمٍ إلا بطيب نفسه)). ووجه الدلالة من الحديث: أن الحديث أفاد: أنَّ مال المسلم لا يحلّ إلا إذا كان بطيب نفسه، وغير ذلك يكون غصبًا. وانتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن هنا كان سببه امتناع الراهن عن الإنفاق على مرهونه، فينفق عليه المرتهن حتى لا يَنفَق الحيوان أو تتهدم الدار؛ ومن ثم فإن من حقه الانتفاع نظير النفقة؛ وبذلك فإنه لا يكون متعديا ولا غاصبًا.

الرأي الراجح
والذي يترجّح عندي هو: عدم انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا إلا في حالةٍ واحدةٍ هي: إذا امتنع الراهن من الإنفاق على مرهونه؛ فإنه في هذه الحالة فقط ينفق المرتهن على المرهون وينتفع به. ويكون الانتفاع على قدر النفقة لا يزيد عليها وإلا كان محرَّمًا؛ لأن هذا هو الذي يتمشَّى مع العقل والمنطق. وفوق هذا كله فإنه ينطبق على قواعد الشرع الحكيم.
وبذلك نكون قد جمعْنا بين الأدلة، فحديث: ((لا يُغلق الرهن)) يُحمل على: ما لو أنفق الراهن على رهنه، فهو أحق به: ((له غُنمه، وعليه غُرمه)) كما نطق بذلك الحديث. وحديث: ((الظَّهر يُركب)) يُحمل على حالة امتناع الراهن عن الإنفاق. فلو امتنع المرتهن أيضًا لنَفَق الحيوان وضاع عليه حقّه، وربما نُسب إليه إهمال أو تقصير في حفظه حتى كان هلاكه؛ فيكون ...


٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن


...ضمانه عليه. فحتى لا يضيع على المرتهن حقّه، فإنه يقوم بالإنفاق عليه وينتفع به. بل وتقييد المنفعة بأن تكون على قدْر النفقة لا تزيد عنها. وهذا أيضًا ينطبق مع أصول الشرع وقواعده؛ لأن المرتهن لو أخذ منفعة أكثر ممّا أنفقه على الحيوان فبأي حقٍّ يأخذ هذه الزيادة.
إن هذا يصطدم مع قول الله تعالى: ((لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) [النساء: ٢٩]، ومع قوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ مال امرئ مسلمٍ إلا بطيب نفسه)). ويصطدم أيضًا مع الأثر المروي عن سعيد بن منصور: ((الدابة إذا كانت مرهونة، تُركب بقدْر علفها. وإذا كان لها لبن، يشرب منها بقدر علفها)). ويصطدم أيضًا مع الأثر المروي عن حماد بن سلمة: ((إذا ارتهن شاة، شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها. فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف، فهو ربا)). وهذا النص والذي قبله صريحان فيما نقول به. وأيضًا لو كانت المنفعة أكثر من الإنفاق، كان قرضًا جَرَّ منفعة، وكل قرضٍ جَرَّ منفعة فهو ربا، حيث نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك؛ فلهذا كله أرى الأخذ بهذا القول وأرجِّحه.

٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن



٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن



٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن



٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن



٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن



٦.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن