٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


اختلف الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا
اختلف الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا أي: سواء أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع أم لم يأذن له. فقد وقع الخلاف فيهما حالة الإذن وحالة عدم الإذن.
وسبب الاختلاف هو: تعارض ظواهر النصوص والعمومات والقواعد المقررة شرعًا؛ حيث إن مقتضى القواعد التي تقضي بجواز تصرف المالك في ملكه بالصدقة والهبة وغيرهما يؤخذ منها: جواز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذن له الراهن باعتباره مالكًا للمرهون. ولكن قد يتعارض هذا مع النص الذي يقضي بأن كل قرضٍ جرَّ نفعًا يكون ربًا. كما أن النصوص الشرعية التي تقضي بأنه يَحرم أخذ مال الغير بدون رضاه تدل على: أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون بغير إذن الراهن.
لكن قد يتعارض هذا مع الصحيح من السُّنة الذي فيه: أن المرهون إذا كان مركوبًا أو محلوبًا فإنه يجوز للمرتهن أن ينتفع بالركوب أو باللبن في نظير نفقته على المرهون، ويكون له ذلك بغير إذن الراهن؛ ولذلك فإن كلامنا ينعقد -بمشيئة الله تعالى- في هاتين المسألتين وهما انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن، وانتفاع المرتهن بالمرهون بغير إذن الراهن.


٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


المسألة الأولى: انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن

مذهب الحنفية

تعددت الروايات عند الحنفية في حكم انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن إلى ثلاث روايات:

الرواية الأولى

جواز الانتفاع بالمرهون مطلقًا أي: سواء شُرِط ذلك في العقد أم لم يُشرط. ووجهة أصحاب الرواية الأولى: يرى مَن ذهب إلى جواز الانتفاع مطلقًا بإذن الراهن: أن العمومات التي تقضي بأنّ كل مالكٍ له الحق في التصرف في ملْكه بالهبة والصدقة وغيرهما من كل ما هو مباح، متى كان راضيًا بذلك، ينطبق هنا. فمن ذلك إذْن الراهن للمرتهن في الانتفاع بالمرهون؛ فيكون المرتهن قد انتفع بإذن ورضا، فلا شبهة في ذلك ولا مانع منه. ويردّ على هذا: بأن المانع موجودٌ وهو: النهي عن قبول هدية المَدين، وأن كل قرض جَرَّ نفعًا فهو ربا، والربا محرم شرعًا، فلا يحلّه إذن الراهن، لما روي عن علي -رضي الله عنه- بلفظ: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ...


٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


...نهى عن كل قرضٍ جَرَّ منفعة"، وفي رواية: ((كل قرض جَرَّ منفعة فهو ربا))، وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ مالُ امرئ مُسلم إلا بطيب من نفسه)).

الرواية الثانية

جواز الانتفاع بالمرهون إذا أذن الراهن ولم يكن ذلك مشروطًا عند العقد، فإن اشتُرط حرُم الانتفاع. ووجه أصحاب الرواية الثانية: يفرِّق أصحاب هذه الرواية بين الانتفاع المشروط في العقد فيحرم، والانتفاع غير المشروط فيجوز؛ لأنه إذا شرط الانتفاع عند العقد كان ذلك دليلًا على دخول المتعاقدين على قصد مقابلة شيء بشيء، وذلك هو: الانتفاع بالمرهون في مقابلة الديْن، وهذا منهي عنه، لكونه قرضًا جَرَّ نفعًا فيكون ربًا، ولأن الراهن لم يفعل هذا عن طيب نفسه. بخلاف حالة عدم الاشتراط، فيحمل ذلك على أنه تبرعٌ محضٌ من الراهن للمرتهن في الانتفاع بملكه المرهون. واعتُبر تبرعًا محضًا، لأنه لم يكن الانتفاع في مقابلة شيء؛ إذ إنه أقرضه من غير اشتراط شيء وما قال أحدٌ قط بحرمة التبرع، ولما كان للراهن أن يتبرع بمنافع رهنه لغير المرتهن كان له ذلك للمرتهن، حيث لم يطلبها منه ولم يشترطها عليه فكانت عن طيب نفسٍ منه. ويردّ على هذا: بأن الغالب من أحوال الناس: أنهم إنما يريدون عند الإقراض الانتفاع ولولاه ما أقرضه، وهذا بمنزلة الشرط؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وهو ممّا يعيّن المنع.


٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


الرواية الثالثة

انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا، أي: سواء أكان في نظير ديْنٍ من قرضٍ، أو من بيع أو نحوه، وسواء اشتُرط الانتفاع عند العقد أم لم يُشترط، وسواء أذِن الراهن أم لم يأذن. ووجهة نظر الفريق الثالث الذين ذهبوا إلى حرمة الانتفاع مطلقًا سواء أذن الراهن في الانتفاع أم لم يأذن، وسواء اشترط ذلك عند العقد أم لم يشترط قالوا: لا يحل له أن ينتفع بشيء منه بوجهٍ من الوجوه وإن أذن له الراهن؛ لأن الراهن أذن له في الربا لأنه -أي: المرتهن- يستوفي ديْنه كاملًا فتبقى المنفعة فضلًا، فيكون ربًا.

مذهب المالكية

مذهب المالكية يرون: أنه يجوز للمرتهن: أن يشترط منفعة المرهون لنفسه بدون عوض؛ لكن هذا الجواز مقيَّد عندهم -أي: عند المالكية- بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون المنفعة مؤقَّتة بمدة معيَّنة معلومة.

٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


الشرط الثاني: أن يكون المرهون المشترطة منفعته واقعًا في عقد بيع وليس في عقد قرض، أي: يكون الديْن الذي على الراهن ثمنًا لمبيعٍ باعه المرتهن له وليس سلفًا أخذه من المرتهن. ثم يقول المالكية: فإذا لم تكن المنفعة مشترطة في العقد، بل أباح الراهن له الانتفاع بالمرهون بعد العقد، فإنه لا يجوز هذا الانتفاع مطلقًا، سواء أكان الديْن في بيع أو في قرض.

ووجه نظر المالكية في جواز الانتفاع بالشرط: أنه في حالة تأقيت مدّة المنفعة وتعيينها، يكون كلٌّ من الرهن والمرتهن قد خرجا من الجهالة في الأجرة، والجهالة مفضية إلى النزاع. واشتراط كون الراهن في عقد بيعٍ لا قرض: أنه في حالة كون الرهن من بيع، يكون غايته اجتماع البيع والإجارة؛ إذ تصير المنفعة جزءًا من الثمن فيقابلها ببعض المثمن وهو جائز. أما في القرض، فيكون سلفًا جَرَّ نفعًا وهو لا يجوز لأنه ربا، لما روي عن علي -رضي الله عنه- "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قرض جَرَّ منفعة". وأما وجهة نظر المالكية في عدم جواز الانتفاع عند عدم الشرط: أنها -أي: المنفعة- إذا كانت بغير عوض فإنها تكون هدية مديان وهي محرّمة؛ لأنها منفعة جَرَّ إليها القرض؛ قال -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه ابن ماجه في "سننه" وذكره الشوكاني في "نيل الأوطار": أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى له أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك))، وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا أقرض، فلا يأخذ هدية))، رواه البخاري في تاريخ أنس -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وذكره الشوكاني في "نيل الأوطار". وإن كانت المنفعة بعوضٍ عند عدم الشرط، فقد جرى هذا على مبايعة المديان.


٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


مذهب الشافعية

أجاز الشافعية للمرتهن: أن ينتفع بالمرهون بغير عوض إذا أذن له الراهن من غير أن يشترط هذا في العقد، سواء أكان الرهن بديْن، بيع، أو قرض. فإن شُرِطت المنفعة في العقد، فقولان:
القول الأول: أنّ الرهن صحيح، والشرط باطل.
القول الثاني: بطلان الرهن من أساسه؛ لأنه قارنه شرطٌ فاسد فأبطله.

ووجه نظر الشافعية ما يأتي:
أولًا: في جواز الانتفاع بإذن الراهن: أن المرهون مملوك للراهن فله أن يهب منفعته، أو يتبرع بها للمرتهن، كما جاز له ذلك لغير المرتهن؛ فهذه هبة مشروعة لا شيء فيها.

٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


ثانيًا: من جهة صحة عقد الرهن وبطلانه، فعلى القول الأول القائل بصحة عقد الرهن وبطلان الشرط: أن هذا تبرّع فلا يؤثر فيه هذا الشرط الباطل؛ بل يلغى الشرط ويصحّ العقد، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أيّما شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط)). فقد دل هذا الحديث على: بطلان الشرط الفاسد، ولم يتعرض لبطلان العقد، فبقي على الأصل وهو: الصحة.

أما على القول القائل ببطلان العقد والشرط، فوجْهته: أن الشرط الفاسد لمّا قارن العقد أبطله، لمنافاته لمقتضى العقد؛ لأنه يمنع المقصود من الرهن، لذلك بطلا معًا: الشرط والعقد.

مذهب الحنابلة

يجوز عند الحنابلة: أن ينتفع المرتهن بالمرهون إذا أذن له الراهن في ذلك، سواء أكان الانتفاع مجانًا أي: بغير عِوَض، أو كان بعِوَض حتى ولو كان بمحاباة في الأجرة؛ وهذا كله مشروطٌ بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الديْن من بيعٍ لا من قرض. فإذا كان من قرضٍ فلا يجوز الانتفاع، حتى ولو أذن الراهن مجانًا كان أو بمحاباة.

٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


الشرط الثاني: أن لا يشترط الانتفاع بالمرهون في العقد. فإن اشترط فهو شرطٌ فاسدٌ ويحرم ذلك؛ وهذا مروي عن الحسن وابن سيرين، وبه قال إسحاق.

ووجه نظر الحنابلة: أنه في حالة الإذن يكون ذلك مباح؛ لأن الرهن ملكٌ للراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه؛ ومن ثَم فليس لغيره أخذ شيء من هذا بغير إذنه، فلما أذن كان مباحًا. واشتراط كون الديْن من بيع لا من قرض، حتى لا يكون قرضًا جَرَّ نفعًا، وذلك حرام؛ قال أحمد: "أكْرَه قرض الدور وهو الربا المحض"، يعني: إذا كانت الدار رهنًا في قرضٍ ينتفع بها المرتهن. وإن كان الرهن بثمن مبيعٍ أو ديْن غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع، جاز ذلك؛ وبه قال الحسن وابن سيرين وإسحاق. فلما إن كان الانتفاع بعوض مثل: إن استأجر المرتهن الدار من الراهن وبأجرة مثلها من غير محاباة، جاز في القرض غيره لكونه ما انتفع بالقرض بل بالإجارة. وإن حاباه في ذلك، فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض لا يجوز في القرض، ويجوز في غيره. وأما اشتراط كون المنفعة غير مشروطة في العقد أنها للمرتهن فأوْلى من جهة الشرط أنه فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى الرهن. وعن أحمد أنه يجوز في البيع ومعناه: أن يقول: "بعتك هذا البيت بألف، بشرط أن ترهنني سيارتك شهرًا"، فيكون هذا بيعًا وإجارة وهو صحيح، وإن أطلق فالشرط باطلٌ لجهالة ثمنه.


٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن


الرأي الراجح

والذي أرى ترجيحه في حكم انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن هو: عدم جواز الانتفاع مطلقًا حتى لو أذن الراهن للمرتهن بذلك، وسواء أكان ذلك بعوض أم بغير عوض، وسواء أكان مشروطًا في العقد أم كان غير مشروط. فإن انتفاع المرتهن بالمرهون لا يجوز البتة؛ لأنه لا يخلو عن واحدٍ من أمرين:
الأمر الأول: إن كان الديْن من قرضٍ كان سلفًا جَرَّ نفعًا، وهو ربا ومنهي عنه بالسُّنة النبوية المطهرة.
وإن كان من بيعٍ فهو هدية مدين، وهذه شبيهة بالسلف الذي جرَّ نفعًا؛ فسدًّا للذريعة واحتياطًا للدِّين يحرم انتفاع المرتهن بالمرهون بأي صورة وعلى أي كيفية؛ لأن المرتهن سيأخذ ديْنه كاملًا وتصير المنفعة زيادة بغير حقٍّ، وهذا هو الربا بعينه.

٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن



٥.٨ انتفاع المرتهن بالمرهون بإذن الراهن