![]() |
أجاز [أبو حنيفة] لها أن تمتنع عن طاعته حتى بعد تمكينه منها أوّلًا. ومنع ذلك صاحباه: أبو يوسف ومحمد بن حسن. هذا في دفع المعجّل وعدم دفعه، ودخولها في طاعته وعدم دخولها. |
![]() |
أما في حالة الاتّفاق على تأجيل المهر كلّه إلى أجلٍ معلومٍ، فهل تجب على المرأة طاعة زوجها أم لا تجب؟ وهل من حقّه أن يطلب الدخول بها؟ أم ليس له ذلك؟ |
![]() |
قال [أبو حنيفة ومحمد]: تجب عليها طاعته؛ لأنها لمَّا قبِلت تأجيل المهر كلّه، تكون قد رضيت بإسقاط حقّها في تعجيله كلّه. وليس ثَمّة دليل على أنّ الزوج يكون قد رضي بإسقاط حقّه في طلب الطاعة الواجبة له. فإذا امتنعت ... |
| ...عن الدخول في طاعته فإنها بذلك تكون ناشزًا، بخلاف ما إذا حَلّ الأجل الذي حدَّده الزوج، ولم يدفع لها المهر فامتنعت، فلا تكون ناشزًا؛ لأن امتناعها في هذه الحالة يكون من حقّها شرعًا. | |
![]() |
وقد خالف أبو يوسف الطرفين -أبا حنيفة ومحمد- في هذا كله استحباب دفع شيء من المهر للزوجة قبل الدخول. |
![]() |
يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها المهر أو شيئًا منه؛ وهذا هو رأي جمهور الفقهاء. |
![]() |
لكن استحبّ المالكية والحنابلة: أن يدفع الزوج لزوجته شيئًا من الصداق قبل الدخول، تَطيبًا لخاطرها. وذكر المالكية أن ذلك كان عُرفَ أهل المدينة، ألّا يدخل الزوج بزوجته حتى يدفع لها الصداق أو شيئًا منه. | |
![]() |
بينما يرى الشافعية: أنه يُسنّ ذلك، خروجًا من خلاف مَن أوجبه -وهم المالكية-، فلهم رأي يقول: ووجب على الزوج تسليم معجّل الصداق إلى الزوجة أو وليّها، وإلا فلها أن تمنع نفسها من زوجها. | |
![]() |
ودليل الجمهور على جواز الدخول قبل دفع المهر أو شيء منه: "السّنة": وهو: ما روي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أُدخِل امرأةً على زوجها قبل أن يعطيَها شيئًا". فالحديث نصّ في الموضوع. وقد ورد بلفظ: "أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". يقول الشوكاني: "ولا أعرف في ذلك خلافًا". |
![]() |
اتفق جمهور الفقهاء على: أنه: يجوز للمرأة أن تهب مهرها لزوجها، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، وسواء وهبتْه مهرها كلّه أو بعضه، من غير أن يكون لأحد من الأولياء حقّ الاعتراض، حتى ولو الأب نفسه، بشرط أن تكون بالغةً عاقلةً رشيدةً، وبشرط أن يكون ذلك بعد أن تقبض مهرها من زوجها -أي: بعد أن تتملَّكه- ويكون في قبضة يديها، ثم تتصرف فيه عن طيب خاطر منها. بخلاف ما لو زوّجت نفسَها ابتداءً بغير مهرٍ، أو أخذت مهرًا دون مهرٍ مثلها، فلا يحق لها ذلك، ويحق للأولياء أن يعترضوا في قول أبي الحنيفة؛ لأن الأمهار حقّ الأولياء؛ فهي بذلك قد تصرّفت في خالص حقّهم، وألحقت بهم الضّرر بالعار؛ ولذلك يثبت لهم حقّ الاعتراض والفسخ للعقد في هذه الحالة. |
![]() |
واتفق جمهور الفقهاء على: أنه يجوز للمرأة أن تعفوَ عن النصف الذي يَثبت لها لو طلِّقت قبل الدخول، ويصير المهر كله خالصًا للزوج، بناءً على أنه يحق لها أن تهب مهرها كلّه لزوجها وهي في عصمته. وكذلك يجوز للزوج أن يعفو عن النصف الذي يستردُّه منها، ويكون المهر كلُّه خالصًا لها. فهذا قدر متفق عليه بين جماهير أهل العلم لم يخالف فيه أحد. |
![]() |
لكنّ الخلاف وقع في: هبة الأب مهر ابنته أو شيئًا منه، أو عفوه على النصف الثابت لها بالطلاق قبل الدخول، هل له أن يهب المهر، أو يعفو عن النصف للزوج؟ أم لا يكون له ذلك؟ وسبب اختلاف الفقهاء في هذا هو: اختلافهم في الذي بيده عقدة النكاح، أهو الولي؟ أم الزوج؟ في قوله تعالى: ((أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)) [البقرة: ٢٣٧]. |
![]() |
فمن رأى أن المراد به: الزوج، قال: لا يجوز للأب أن يَهَب أو يعفو عن مهر ابنته. وهؤلاء هم: الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب، والظاهرية. وهو قول للشافعية في الجديد. | |
![]() |
ومن رأى أن المراد به: الوليّ، قال: يحق له الهبة والعفو عن مهر ابنته. والقائلون بذلك هم: المالكية، وقول للشافعية في القديم، ورواية عن الإمام أحمد إذا كان أبًا لصغيرة. | |
![]() |
والرأي الذي أرى ترجيحه هو: رأي الجمهور وهو: أن الذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج؛ لأنه هو الذي بيده عقدة النكاح استمرارًا وفسخًا. يؤيّده قوله تعالى: ((وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)). فالذي يكون عفوه أقرب للتقوى هو: الزوج، لِما في ذلك من التسامح منه لزوجته. أما عفو الوليّ فلا يكون أقرب للتقوى، بل هو أبعد عن التقوى؛ لأنَّ فيه إسقاطًا لجزء من مهر موليَّته، وهذا فيه ضرر بها، فضلًا عن أنها قد تعيَّر بذلك. |