٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


يسقط كلّ المهر في الأمور الآتية
اتفق جمهور الفقهاء على أن المهر يسقط كلّه إذا حدثت فرقة بغير طلاق بعد العقد وقبل الدخول والخلوة عند القائلين بها. وكذا بعد الخلوة عند من لا يعتبرها. ولا يحق للزوجة أخذ شيء من المهر، سواء كانت هذه الفرقة بسبب من جهتها، أو من جهته؛ وذلك لأن الفرقة فسخ للعقد، وفسخ العقد يوجب رفعه من الأصل، وجعله كأن لم يكن. وهذا يقتضي أن يكون كلّ ما يترتب عليه يُرفع برفعه. والأسباب التي تكون من جهة الزوجة: إسلامها، أو رِدّتها، أو امتناعها عن الإسلام إن أسلم زوجها إذا كانت مشركةً بخلاف الكتابية فإنها تظلّ في عصمته؛ لأن الزواج بالكتابية ابتداءً صحيح، فهذا أوْلى، واختارت فسخ العقد لإعسار الزوج بالصداق، أو اختارت الفسخ إذا كان بالزوج عيب، أو فسخه لعيب بها. وكذلك إذا كانت الفرقة بسبب اللّعان. وكذلك يسقط كل المهر إذا مكّنت الزوجة ابن زوجها منها، فجامعها أو قبَّلها بشهوة، أو مكّنت أباه من ذلك.

٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


الهدايا وأحكامها
إذا أرسل الزوج إلى زوجته، أو الخاطب إلى مخطوبته، شيئًا من النقود، أو من العروض، أو طعام، قبل زفافه بها، ولم يذكر شيئًا عن قصده بما أرسله، ثم اختلفا فقال: الزوج أو الخاطب: "إن ما أرسلته إليك هو: المهر، أو جزء منه"، وقالت الزوجة: "بل الذي أرسلته إليَّ هَدية". فإن أقام أحدهما بيِّنة على صدق دعواه أُخذ بها، وكان القول قوله، ولو كان ما أرسله طعامًا؛ وذلك لأن البيّنة أصحّ دليل على الدعوى، كما أنها أقطع للنزاع والخصومة.
والبيِّنة تكون بالكتابة، أو التلفظ، أو الشهود. وكما قلنا: إن الذي يقدِم البيِّنة يكون القول له. فإن قدّم كلٌّ منهما بيِّنة قُدِّمت بيِّنتُها على بيِّنته لأنها صاحبة حقٍّ؛ لأنها تثبت خلاف الظاهر، والظاهر مع الزوج: أنه يسعى إلى مصلحته وهو: إسقاط الواجب الذي في ذمّته وهو: صداق زوجته -أي: ينكره-، وهي تُثبته.
والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((البيِّنة على مَنِ ادَّعى))، حتى لا ينتهي الأمر إلى زواجٍ بلا مهرٍ؛ فلذلك قُدِّمت بيِّنتها على بيِّنته.
فإن لم تكن لديها بيِّنة على صدق دعواها، أو كان العرف مشتركًا بينهما، بأن كان العرف يجوز أن يكون الشيء المقدَّم يقدِّمه بعض الناس مهرًا، وبعضهم يقدِّمونه هديةً، ولا ترجيح لأحد هذين العُرفين على الآخر، كان القول قول الزوج بيمينه؛ وذلك لأن الظاهر معه لأنه هو المملّك، وهو الّذي خرج الشيء من يده هو، فكان أعرف منها بجهة قصده.


٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


عِشرة النساء

ننتقل بعد ذلك إلى عشرة النساء:
المراد بالعِشرة: المُعاشرة بالمعروف، وهي: الصحبة الجميلة بين الزوج والزوجة، وأن يكفّ كلّ منهما عن الآخر أذاه، وألّا يمطله بحقّه مع قدرته، ولا يظهر الكراهة عند أدائه، بل يبذل الحق ببشر وطلاقة، ولا يُتْبِعْه منًّا ولا أذًى؛ لأن هذا من المعروف المأمور به في قول الحق -سبحانه وتعالى-: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [النساء: ١٩]، وقول الله -سبحانه وتعالى-: ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة: ٢٢٨]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((اسْتَوْصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عَوَانٍ عندكم. أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجَهنّ بكلمة الله))، والحديث رواه مسلم. وقال -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه الترمذي بسند صحيح: ((خيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي)).

فعلى المسلم: أن يكون لطيفًا في معاملة زوجته، رحيمًا في محاولة إصلاحها وتقويمها، وألا يشتدّ في هذا التقويم؛ حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه. فقد قال- عليه الصلاة وأزكى السلام-: ((إن المرأة خُلقت من ضلع أعوج، لن تستقيم على طريقة؛ فإن ذهبتَ تُقيمها كسرْتَها، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عوج))، والحديث متفق عليه.


٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


ويمكن إجمال المعاشرة بالمعروف فيما يأتي:
الأمر الأول: التزين للزوج:
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إني لأتزيَّن لامرأتي كما تتزيّن لي، وما أحب أن أستنزف -أي: آخذ كل حقي الذي لي عليها-، فتستوجب حقّها الذي لها عليَّ؛ لأن الله تعالى قال: ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ))" [البقرة: ٢٢٨] أي: زينة من غير مأثم. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا: "أي: لهنّ من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة، فيما أوجبه عليهن لأزواجهن".
ويُستفاد من كلام ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه يستحسن أن يتزيّن الرجل لزوجته، وإن كان يختلف من شخص لآخر، ومن الشباب إلى الشيوخ، ومن عصرٍ إلى عصر، ومن بيئةٍ إلى أخرى. فالمهمّ: أن يتزيّن لها بالزينة التي تليق به في سنّه، وفي وضعه الاجتماعي، كي تستلطفه، وتشعر باهتمامه بها.
قال الإمام القرطبي -يرحمه الله-: "فإنما يعمل اللائق والوِفاق، ليكون عند امرأته في زينة تسرّها، ويعفّها عن غيره من الرجال".
الأمر الثاني: إذا دعي للدخول بها وكان بالغًا، وكانت هي مطيقة للوطء، فعليه إجابتها لذلك، بعد أن يمهل مدة لتجهيز نفسه بما يناسب حاله، وإلا وجب عليه أن ينفق عليها وهي في دار أهلها.

٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


الأمر الثالث: الإذن لها بزيارة والديها، ولا سيما إذا كانت بهما ظروف تقتضي ذلك، وألّا يمنعهما من الدخول عليها. وكذلك لا يمنع أبناءها من غيره من الدخول عليها. وإن حلف بعدم دخول والديْها عليها، فإن عليه أن يحنث ويكفِّر عن يمينه. وكذلك إذا حلف بألا تزور والديها، ويقضي لها بالخروج وزيارة والديها إذا كانت مأمونة ولو شابة، وهي محمولة على الأمانة حتى يظهر خلافها. ويُقضى للصغار من أولادها من غيره بزيارتها كل يوم لتتفقد حالهم، وللكبار من أولادها.
الأمر الرابع: أن يجهِّز لها سكنًا يناسب حالها، بعيدًا عن أهله إذا امتنعت عن السكنى مع أهله في دار واحدة، ولو لم يثبت تضرر لها منهم بمشاجرة أو غيرها. ويستثنى من ذلك إذا اشترط عليها السكنى مع أهله، فليس لها الامتناع. ولها أن تمتنع للسكنى مع ولده الصغير من غيرها، والكبير أوْلى، إن كان له حاضن غيرها تحضنه، وإلا فليس لها الامتناع من ذلك، سواء علمت به حال البناء أم لا، وكذلك الزوج.
الأمر الخامس: الوفاء لها بالشروط التي اشترطتها عليه في العقد، مثل: عدم السفر بها، أو لا يُخرجها من بلدها، وغيرها من الشروط التي لا تناقض مقتضى العقد، ولا تلك التي نهى عنها الشارع.
الأمر السادس والأخير: عدم العزل عنها إلا بإذنها؛ لأن لها حقًّا في الولد، وكمال المتعة مثله، فلا يعزل عنها إلا بإذنها.


٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


الشريعة الإسلامية في وضع ضوابط وأسساً للمرأة

والشريعة الإسلامية قد وضعت ضوابط وأسساً للمرأة، بها تكمل السعادة الزوجية.
فلقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- المرأة: أن تخرج من بيت الزوجية بدون إذن زوجها، فقال فيما رواه البيقهي من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: ((ولا تَخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتْها ملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى تتوب أو ترجع)). قيل: يا رسول الله، وإن كان ظالمًا؟ قال: ((وإن كان ظالمًا)).
كما أن الشريعة الإسلامية أيضًا نهت المرأة عن الصيام تطوّعًا بدون إذن زوجها وزوجها حاضر؛ فعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: "أنّ امرأة من "خثعم" جاءت إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "يا رسول الله، أخبرني ما حقّ الزوج على زوجته؛ فإني امرأة أيِّم، فإن استطعتُ، وإلا جلستُ أيمًا؟". قال: ((فإن حق الزوج على زوجته: إن سألها نفسها وهي على ظهر قتب ألا تمنعه نفسها. ومن حق الزوج على زوجته: ألا تصوم تطوّعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت، ولا يُقبل منها. ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، حتى ترجع)). قالت المرأة: "لا جرم لا أتزوج أبدًا"، والحديث رواه الطبرانيّ.

٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن من بيته إلا بإذنه))، والحديث رواه الحاكم وصححه، ووثّقه الذهبي. ومعنى ((أن تصوم وزوجها شاهد)) أي: لا يحلّ لها أن تصوم وزوجها حاضر غير مسافر، إلا إذا أذن لها في الصيام. والمراد: صوم التطوع. أمّا صوم الفرض أو النذر فلا تحتاج إلى إذن منه؛ لأنه واجب حتمًا، فلا يتوقف على إذن أحد.
وقد حرّم الإسلام على الزوجة صوم التطوع مع حضور زوجها؛ لأنه ربّما تاقت نفسه إليها فدعاها إلى نفسه، فوجدها صائمةً. ولا شكّ أن أداء حقّ الزوج أهم بكثير من صوم التطوع؛ لأنه واجب، وصوم التطوع سُنة، والواجب مقدّم على السنة.
كما أن الشريعة الإسلامية جعلت من حقوق الزوج على زوجته: حقه في التمكين والقرار في البيت؛ وهذا الحق الواجب للزوج على زوجته هو في مقابل إنفاق الزوج عليها. والتمكين هو: أن تمكن الزوجة زوجها منها، بحيث تكون المعاشرة الزوجية بينهما ممكنة. وأما القرار في البيت فالمقصود به: أن تلزم الزوجة بيت زوجها، وأن يمسكها الزوج منزل الزوجية، ويمنعها من الخروج منه إلا بإذنه، بشرط أن يكون مسكنًا ملائمًا لاستقرار المعيشة الزوجية. فإذا لم يكن كذلك، فلا تلزم الزوجة بالقرار فيه. وقرار الزوجة في بيت زوجها اللائق بها أمر تقتضيه طبيعة المرأة.

٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء


فالمرأة -بحسب طبيعتها- مُعَدَّة للإنجاب، ومِن ثَمَّ فهي ملزَمة برعاية أطفالها، والقيام بشئون المنزل. والرجل تقتضي طبيعته: أن يسعى على الرزق، وأن يجدَّ ويعمل خارج البيت. ونصّ الفقهاء على: أنه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية بغير إذن زوجها إلى بيت أبيها أو أقاربها أو جيرانها لزيارة أو عيادة مريض، أو تعزية، أو لقضاء حوائجها التي يقتضي العرف خروجها لمثلها لتعود من قريب.
وهنا: يرد على أذهاننا سؤال: هل قرار الزوجة في بيت الزوجية يوجب عليها القيام بجميع الأعمال المنزلية من: عجن، وطبخ، وغسل، وتنظيف... ونحو ذلك؟
الجواب: من الأمور المسلَّم بها: أن الحياة الزوجية يجب أن تقوم على التعاون المخلص بين الزوجين، فإذا كان في مقدور الزوجة القيام بخدمة بيتها كان ذلك أمرًا واجبًا عليها؛ وذلك لأن الزوج عليه أن يسعى ويكدّ ويعمل جاهدًا في طلب الرزق لزوجته وأولاده، فيكون في المقابل أن تقوم الزوجة بالإشراف على منزلها، وخدمة بيتها، إذا كانت تنظر إلى بيتها وزوجها بروح المودة والتفاهم. فالحياة الزوجية تقوم أساسًا على التعاون، والإحساس بالمسئولية المشتركة بين الزوجين. فها هي فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاءت يومًا تشكو إلى أبيها ما تُعانيه من عملٍ في بيتها، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- زوجها علي بن طالب -رضي الله عنه- بأن يحضر لها خادمةً، وإنما قسّم المسئولية بينها وبين زوجها. فجعل على زوجها العمل والكسب، وجعل عليها خدمة البيت.
وعلى هذا جرى العرف بين المسلمين في كل زمان ومكان، طالما أنه لا يوجد بالزوجة مرض أو علّة تمنعها من ذلك.

٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء



٦.٢ الأحوال التي يسقط فيها المهر كله، وعشرة النساء